“أنا مش سودة بس الليل سودني بجناحو” حكايتي مع التنمّر

“أرجوكم لا تسخروا منّي” كتبت جودي بلانكو هذه الرواية لتخبرنا كيف عاشت طفولة ومراهقة تعيسة جرّاء التنمّر من قبل أقرانها في المدرسة. كتبتها لتقول لنا إنّ الإساءة لا تُنسى، ومهما بدا الأمر سخيفًا عند الآخرين إلّا أنّ تأثيره يتوقّف عند المُتأثِر به.

منذ مدّة شاهدت مقطعًا للممثّلة والإعلاميّة المصريّة إسعاد يونس كانت تتحدّث فيه عن نصيحة والدتها لها لمواجهة حالة من الاكتئاب أصابتها. استعملت والدة يونس ما يُشبه تعبير “دقّي رجلك في الأرض”، ووصفته بمعنى؛ أن تعيش الحزن حتّى آخره وبعدها تلقائيًّا ستخرج منه.

هنا سأعيش السخرية حتّى آخرها..

“أنا مش سودا بسّ الليل سوّدني بجناحه”

أذكر من الطفولة: وجهي الأسمر، “إيشارب” أبيض، تتدلّى من جوانبه خرزات بقشرة ذهبيّة (الله يسامحك يا أمّي.. بس هيك كان دارج!)، في باحة المدرسة، أقف قرب العمود (أو العمود يقف بقربي نسيت التفاصيل)، الأطفال أحباب الله يركضون وراء بعضهم مثل مسلسل “توم وجيري” الكرتونيّ، الذي كان أنس سهرتنا في البيت، أضحك لهم كما أضحك على المواقف والمشاهد التي تحدث في المسلسل الكرتونيّ، يقف أحد الضحايا بعدما أسقطه “توم” أرضًا: “ع شو عم تضحكي يا سودا؟”.

يضحك رفيقه له، ينسى “جيري” أنّ “توم” هو الذي تسبّب في وقعته وجرحِ مرفقه، ويحوّل غضبه المسموم تّجاهي، يضحك، يضحكان، يضحك الجميع.. وأبكي أنا!

في الصفّ تختار معلّمة الفرنسيّة صبيًّا وفتاة ليتبادلا قراءة الحوار، تطلب منهما الوقوف إلى جانب اللوح، بوجه بعضهما وعلى مسافة، يأتي دوري ودور زميلي اللطيف الذكيّ، تتحرّك عنتريّته، وبينما المعلّمة تذكر اسمي بعدما ذكرت اسمه، يفغر فاهه، ويقول للمعلمة: “بدّيش!”.

تسأله المعلّمة “لما؟”، يدير رأسه بزاوية 180 درجة، “إسّا ما لقيتي غير هيدي تطلّعيها معي؟”.

تسأله المعلمة عن سبب ما قاله، فيردّ: “مش شايفيتا كيف سودا”، (ويضحك ويضحكون)..

تغضب المعلّمة وتحاول تصليح الموقف، أذكرها بشعرها البنّيّ المجدّل وسيماتها الأجنبيّة، تنظر إليّ بإشفاق، وتطلب من اللطيف أن يعتذر منّي.. يعتذر على مضض.. وأبتلع أنا شكواي أبثّها إلى أمّي غضبًا وانفعالًا غير مفهوم. أمي التي تبتلع كلّ انفعالاتنا، لا تتجاوب مع إساءتي، تُقعدها في زاوية من سكوتها، ربّما لم تكن تعرف وهي تكظمّ هذا الغضب كيف تخبرني أنّني حلوة حتّى لو لم يرني الآخرون كذلك؟

آخذ صابونة أضعها في حقيبتي، أطلب إذنًا للذهاب إلى الحمّام والصابونة في جيبي، هناك أفرك وجهي بالصابونة حتّى تدمع عيناي: هل يحلّ لوني لو أدمت الفرك؟ هل أتحوّل إلى فتاة ببشرة فاتحة؟

لم يتوقّف الأمر عند سخريّتهم من لونكِ، بل حتّى يدفعونكِ كي تشكّين في أنوثتكِ، لتواجهي تعنيفًا لفظيًّا “بالجملة” إلى درجة يصبح التحرش بكِ نوعًا من المجاملة والتكريم، لا يحقّ لكِ الاعتراض عليه، أنتِ سمراء يعني “حامية” يعني “يصحّلك حدا يلطّشك”. وإذا اعترضتِ “مصدّقة حالك”، “.. إخت شكلك”.

سمرا يعني مش لبنانية

شو خصِّك باللبنانيّة؟ سيلصقون بكِ كلّ الجنسيّات إلّا جنسيّة وطنكِ، سيحمّلونكِ احتمالات، ستصبحين مدعاة للشكّ، “شو جايي تعملي هون؟”.

في متجر ألبسة تنظر إليّ امرأة شذرًا “الله يلعن مين حرمنا الزيارة ع سوريّا” كنت أنتظر أن تعطيني صاحبة المتجر ما طلبته منها. تتابع الحاجّة الغاضبة: “الله يلعن مين حرمنا الزيارة” (أفكّر لعلّها اعتقدتني من الرقّة؟).

يصبح التحرش بكِ نوعًا من المجاملة والتكريم، لا يحقّ لكِ الاعتراض عليه، أنتِ سمراء يعني “حامية” يعني “يصحّلك حدا يلطّشك”. وإذا اعترضتِ “مصدّقة حالك”، “.. إخت شكلك”.

أذكر مرة ذهبت فيها إلى مقام السيّدة زينب في الشام، يومها خرجت بعبارة: “دخلت المقام بقلب مريض وخرجت بعقل تملؤه الشكوك”. آنذاك لم أفهم لما لمعت هذه العبارة برأسي، هل أنا ضالة؟

يومها (يوم حادثة المتجر وبعد عقد ونصف من الزمن) فهمت، أنّه عندما يدفعك الآخرون لتشكّي بانتمائك مهما بلغت أصالتك فسيمرض قلبك ويغلي فكرك. في حينه قاموا بتفتيشي أكثر من مرّة، كانت الأحداث السياسيّة هناك في بدايتها، ولأنّني بطبعي اعتدت مشاعر الرفض، كنت أتصرّف ككائن منبوذ، أستعطف قبول الرضى عنّي، أتصرّف كما لو كنت “مدعسةً” لحسن ظنّهم بي.

لديّ جذور بدويّة لا أعيرها حبًّا لأسباب كثيرة، ولكن هذا لا يعني أنّني مستحدثة الجنسيّة، بل الأمر يمتدّ إلى قرن وأكثر من الزمن، حتّى بين البدو كنت أبدو غريبة، “بدوية over..”، السخرية جعلتني لا أتصالح مع جذوري بل أمقتها ولا أستسهل دخول العالم.

أقول لكم إنّني لبنانيّة لأكثر من مئة جدّ، وخلصنا؟

أصابني الخرس في مراهقتي، خرس طوعيّ تجنّبت فيه معاشرة الناس، أدّت إلى وسواس قهريّ، واعتزلت المجتمع، كان روتين حياتي: مدرسة وبيت، حتّى تمنّيت لو ابتلعتني الطريق الفاصلة بين الباص وعتبة البيت، بُكمٌ أورثني سكوتًا وعجزًا عن إقامة علاقات صافية، كانت نظرات الشفقة القادمة من أعين الآخرين تذيب أيّ رغبة لديّ بالمساواة معهم، كنت أتقبّل سخريّتهم من سكوتي بابتسامة ساكنة، وعندما كبرت..!

نسيتُ أن أنسى

لا يبدو الخروج من صدمات ونكسات الطفولة أمرًا هيّنًا، وأنا في الأربعين ما زلت أقف هناك عند ذلك الشارع، في العاشرة من عمري بين مجموعة من بنات الحيّ، تؤشّر ابنة صاحبة البيت “المتشاوِفة” المتباهية بعينيها الخضراوين “متل عيون البسس” إليّ من برندتها:

“كلّكن حلوين.. (أبتسم لإطرائها) إلّا هيّي!”  أبتلع بكائي.. وأرميه صراخًا في وجه أمّي..

أخبر أمّي أنّني سأنتحر، أفتح خزانتي وأضع ثيابي في كيس نايلون أسود (لخبطة هرمونات)، تطلب أمّي من أخوتي مراقبتي، تخاف عليّ فلا تعرف وهي أمّ لعشرة أبناء كيف تساعدني، لذلك كان حلمي أن أعيش في بيت لوحدي بعيدًا من صخبهم.

واليوم أترك بيتي بما فيه وأذهب إلى بيت أهلي هاربة من وحدتي!

يبدو الأمر دراماتيكيًّا ويبدو للغير عاديًّا و”أكل هوا”!

أصابني الخرس في مراهقتي، خرس طوعيّ تجنّبت فيه معاشرة الناس، ولذت إلى وسواس قهريّ، واعتزلت المجتمع، كان روتين حياتي: مدرسة وبيت، حتّى تمنّيت لو ابتلعتني الطريق الفاصلة بين الباص وعتبة البيت

ذات يوم فكّرت: أخاف أن أورّث ابنتي عقدي، وجدتني أقول لها في كلّ مرة أحدّثها فيه أن تكون مهذّبة أو نظيفة أو مرتّبة مستخدمة تعبير “حتّى ما يبعدو عنّك العالم” و”حتّى يحبّوك العالم” أو “حتّى ما يقرفوا منّك” و”حتّى يتشاركوا الإشيا معك..”. أحضن يدها بيدي متذكّرة تلك الطفلة البيضاء كمصّاصيّ الدماء التي كانت تقرف من أن تمسك يدي!

سيناريو انتقاميّ

تتكاثر أختصاصيّات البشرة كتفاعل الخميرة في العجين، علاجات كريمات جلسات تنظيف وتبييض وترطيب، شدّ ومدّ، رفع وشقل، وشمٌ هنا ووشوم هناك. أنت لست جميلة كفاية، إذا لم تستخدمي هذه التقنيّة. حرب الدعايات، شركات تعلن أنّه بإمكان أيّ امرأة فتح مشروعها الخاصّ، و”برندها” الخاصّ، تطلبين كريمات معطّرات ونضع اسمك على العبوة، فتصبح شركتك جاهزة. مع ضخّ دعائيّ، وتسويق خنفشاريّ. وبخّ تعليقات داعمة. النتيجة هالكريم مفعوله سحري؟!

أدخل إلى الصيدليّة لشراء دواء، تتلقّفني موظّفة هناك، تبتسم لي بتودّد استهلاكيّ.
– رح أعطيك علاج بيشيل كلّ الكلف والتصبّغ الي بوجّك؟
– وليش حضرتك ما استعملتيه؟
– (تتحسّس وجهها)، قصدك هول؟ هول نمش..
– بس مبيّنين كلف!
– ( تضحك ببلاهة مستعارة ) لا! ما قلتيلي شو رأيك؟!.
– رأيي تشيلي نمشاتك، وما تاكلي همّ كلفاتي؟

أذكر في الـ 15 كنت أشاهد على التلفاز دعاية عن كريم مبيّض، أطلب من أمي بإلحاح أن تشتريه لي.. تُسكت أمي إلحاحي فتشتريه، أفرك وجهي به، وأنتظر نتيجة بياض الثلج؟

يبدو الأمر ثقيلًا أن تواجه مخاوفك بالكلمات، أن تسمح للذاكرة وصدمات الطفولة تنسلّ أمامك، أحرفًا وكلمات..

“مش دراما”

التنمر ليس وليد فكرة، أو موقف، بل هو ثقافة مجتمع.

كنت أشارك في التدريب في إحدى الجمعيّات التي تضمّ أطفالًا من ذوي الاحتياجات والإعاقات الذهنيّة، كان هناك شابّ يعاني من تخلّف ذهنيّ، وفي فترة الاستراحة وبينما كنت في الباحة أراقب التلامذة وأتبادل الحديث مع إحدى المربّيات والمشرفات المسؤولات، شاهدته يضحك لي، ويصفّق يديه ببعضهما، بادلته الضحك وإذ به يقول: سرلنكيّة؟ هنا صدمت/ لم أعرف ماذا أفعل؟ أضحك أو أضحك؟ أنا أشفق على فقره العقليّ وهو يضحك من أنّني سرلنكيّة. لو لم يكن يعيش في بيئة ترّوج لهذا النوع من التنميط والاستهانة بالآخر لما قال ما قاله؟

ليس ما كتبته تاريخٌ يُروى، يمرّ الناس بكثير من المنغّصات والتحدّيات والبلاءات التي لا يمثّل التنمّر نتفة من أساها، بل هو أهون المصائب إذا صحّ القول، ولكنّني هنا لأدقّ رجليّ في الأرض، وأقول لتلك الفتاة التي تخجل من النظر في المرآة حتّى لا تؤذيها نظرات الآخرين إلى وجهها أو جسدها: أنتِ كافية وحلوة، سُخريّتهم ليست “ستاند أبّ” كوميديّ، وحزنك حقيقيّ وليس MBC Drama!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى