ذاكرة كرة القدم في الجنوب بين بيادر القمح وحلم “الأديداس”

في ثلاثينيّات القرن الماضي ظهرت كرة القدم جنوب لبنان للمرّة الأولى، إذ كان يمارسها فتية في مدرستي “الثانويّة الجعفريّة” و”الخيريّة الإسلاميّة”، وقد شكّلوا في ما بينهم نادي كرة حمل اسم “الليطاني”، أسّس لاحقًا لنواة نادي “التضامن صور”، الذي يعدّ أوّل نادٍ لكرة القدم في جنوب لبنان، وقد انضم إلى الاتّحاد اللبنانيّ لكرة القدم في العام 1947.

بعد ذلك وعلى امتداد عقود لاحقة، غزت كرة القدم القرى والبلدات الجنوبيّة، لعبة الفقراء والمهمّشين دخلت إلى المنازل المنهكة عبر الأبواب “المشلّعة” والجدران الطينيّة الباردة، تداعب مخيّلة الفتية وتسلب عقولهم فيؤخذون بسحرها، ويراودهم حلم أن تكون طريقهم إلى الشهرة والنجوميّة.

لعبة بمتناول الجميع

ولأنّها لعبة بمتناول الجميع، وكونها متعة مجّانيّة وبسيطة، شعرَ الجنوبيّون منذ البداية أنّها تشبههم، لا تتطلّب تجهيزات وإمكانيّات، ولا مدرّبين كي يعلّموك أصولها، إذ يمكن تحويل أيّ مساحة ترابيّة إلى ملعب، يصنعون كرة من بقايا الجلود والألبسة، يداعبونها ويراقصونها ثمّ يطلقونها في الهواء، تمريرة للرفيق أو تسديدة وتسجيل هدف بكلّ بساطة.

جذبت كرة القدم الجنوبيّين بشكل كبير، سواءً في ممارستها أو تجمهرًا لحضور المباريات بين أبناء البلدة الواحدة، أو بمواجهة فرق البلدات المجاورة، وكان فوز البلدة بدورة كرة قدم تشارك فيها القرى المجاورة يعدّ مصدر فخر لأهلها، وكان يُنظر إلى نجوم الكرة بعين الإعجاب والتقدير.

فريق أنصار لكرة القدم أواخر سبعينيات القرن الماضي
كرة القدم تجمع أبناء البلدة

يروي “مصطفى خواجة” ابن بلدة السلطانيّة في قضاء بنت جبيل، وهو أحد أبرز لاعبي بلدته في فترة السبعينيّات، حكاية كرة القدم في الجنوب في تلك الفترة، فيقول إنّهم كانوا يلعبون الكرة على بيدر القمح بعد انتهاء موسم الحصاد، وكان الفريق يتكوّن من ستة أو سبعة لاعبين مع حارس مرمى، حيث كان الأخير، المرمى، عبارة عن حجرين كبيرين، وبقي كذلك مدّة طويلة، إلى أن بادر أحد معلّمي العمار في البلدة إلى إنشاء مرميين مؤلّفين من عارضات خشبيّة هدية لهم.

يتابع خواجة لـ “مناطق نت”: “كنّا نلعب كأهل بلدة في ما بيننا، أو في مواجهة فرق من القرى المجاورة، وكان هناك حكم من القرية يدير المباريات”. يتذكّر خواجة بشكل خاصّ الدورة التي فازوا بها في تلك الفترة في مدينة بنت جبيل، وشاركت فيها أربع بلدات هي حداثا ودير انطار وبنت جبيل إلى جانب السلطانية.

ويتذكّر خواجة “بعد فوزنا بالبطولة وحصولنا على الكأس، انطلقنا بموكب سيّارات من بنت جبيل إلى السلطانيّة، وجبنا شوارع القرية أكثر من مرّة مطلقين الأبواق، كان عشرات من أهل القرية معنا في الملعب لتشجيعنا، فيما انتظرَنا الباقون في الشوارع واحتفلوا معنا”.

“يومَ انتعلنا الأديداس”

يذكر “خواجة” أنّهم كانوا يدفعون اشتراكات شهريّة يدّخرونها من مصروفهم الشحيح أصلًا لتمويل أنشطتهم، ويلفت إلى أنّ “بعض أهالي البلدة الميسورين من مقيمين أو مغتربين، كانوا يتبرّعون بمبالغ أيضًا لدعم الفريق، وكانوا يشترون القمصان الرياضيّة من أحد المتاجر في الطريق الجديدة في بيروت”. ولا يخفي “خواجة” فرحته لدى الحديث عن حصولهم على هديّة في السبعينيّات من أحد المتموّلين في القرية، عبارة عن أحذية رياضيّة من ماركة “أديداس”، في تلك الفترة “كان ارتداء حذاء من هذا النوع هو أشبه بحلم بالنسبة إلى فتى جنوبيّ”.

للدلالة على أهمّيّة كرة القدم بالنسبة إلى أهالي الجنوب وبلدته السلطانيّة في حينه، يروي خواجة حادثة طريفة فيقول “في أحد الأيّام تزامن الإعلان عن مباراة لفريق البلدة ضدّ فريق إحدى البلدات المجاورة، مع حفل زفاف أحد الشبّان، فقام الأخير بالتمنّي علينا تأجيل المباراة إلى موعد لاحق، لأنّ أهالي البلدة سيفضّلون جميعهم مشاهدة المباراة على حضور حفل الزفاف، وقد استجاب القيّمون على المباراة إلى طلبه وتمّ تأجيلها”.

مواهب جنوبيّة سطعت

تميّز جنوب لبنان على الدوام بتقديم أفضل المواهب في كرة القدم اللبنانيّة (موسى حجيج وجمال الحاج ورضا عنتر ويوسف محمّد وحسن معتوق وعشرات غيرهم)، فيما لم تجد عشرات المواهب طريقها إلى التألّق بسبب الأزمات التي عصفت بالجنوب بين احتلال إسرائيليّ وغياب دور الدولة وإهمال الأحزاب الفاعلة، إذ كان اللاعبون الموهوبون يجدون صعوبة في إيجاد أندية وتجهيزات لصقل موهبتهم، ومعظم النجوم الجنوبيّين المميّزين ممّن سطعوا في سماء الكرة اللبنانيّة كانوا يسكنون في بيروت وضواحيها.

اليوم أصبح وضع كرة القدم في الجنوب أفضل من ناحية انتشار الأكّاديميّات الرياضيّة وازدياد عدد الأندية، كذلك زادت الثورة في عالم الاتّصالات وسرعة انتشار مقاطع الفيديو من فرص الوصول إلى المواهب، لكنّ الكرة نفسها لم تعد كما كانت، وباتت أمام الجيل الجديد خيارات كثيرة للعب والتسلية، واستعاضوا عن الكرة والنشاطات البدنيّة بشكل عام بألعاب الفيديو والجلوس الطويل خلف شاشات الهاتف.

مباراة في كرة القدم في إحدى البلدات الجنوبية زمن الأبيض والأسود
النجمة والأنصار وجمهور الجنوب

بالإضافة إلى الشغف بممارسة كرة القدم، فُتن الجنوبيّون بمشاهدة مبارياتها سواء المحلّيّة أو الدوليّة، وعلى الرغم من وجود بعض الأندية الجنوبيّة التي حظيت بشعبيّة في المناطق التي تنشط فيها، كـ “التضامن صور” و”الأهلي صيدا” و”شباب الغازيّة” و”الإصلاح برج الشمالي”، إلّا أنّ نادي النجمة حظي على الدوام بالشعبيّة الأكبر في الجنوب، يليه نادي الأنصار، وكلاهما ناديان بيروتيّان، وكان كثير من المشجّعين يقطعون مسافات طويلة باتّجاه العاصمة بيروت أو طرابلس أو البقاع أو أيّ مكان آخر في لبنان لتشجيع فريقهم المفضّل.

وقد تشكّلت روابط منذ التسعينيّات في بعض البلدات لجمهور النجمة والأنصار، وكانت تنظّم رحلات إلى الملاعب عبر الباصات لمشاهدة المباريات.

اهتمام خاص بالمونديال

كذلك اهتمّ أبناء الجنوب بمباريات كرة القدم العالميّة، وتابعوا بشغف مسابقات كأس العالم “المونديال” وجرت العادة منذ التسعينيّات على رفع أعلام منتخباتهم المفضّلة على الشرفات والأسطح خلال المونديال وحظيت البرازيل وألمانيا وإيطاليا بالحصّة الأكبر من الجمهور.

عاد “أبو فادي” مع أهله من العراق للاستقرار في لبنان صيف العام 1974، كان يومها في سنّ الـ 19، يقول إنّه شاهد الجزء الأوّل من مونديال الـ 74 في العاصمة العراقيّة بغداد، حيث كانت أجهزة التلفاز منتشرة بكثرة في تلك الفترة هناك، لكنّه لم يستطع استكمال المتابعة بعد وصول العائلة إلى جنوب لبنان، إذ لم يكن هناك في البلدة سوى جهاز تلفاز واحد أو اثنين، ويشير إلى أنّ تلفزيون لبنان كان ينقل المباريات يومها وكانت مشاهدتها مجّانيّة بعكس ما هي الحال اليوم.

يوضح “أبو فادي” أنّه كان يعرف نتائج المباريات في اليوم التالي عبر جريدة “السفير”، وهو قرأ خبر فوز منتخبه المفضّل ألمانيا بمونديال الـ 1974 على حساب هولندا في الجريدة نفسها بعد ساعات من انتهاء المباراة.

الكرة هي اللغة الأوضح

في النسخة اللاحقة في العام 1978، ازدادت أجهزة التلفاز، كما زاد اهتمام السكّان بالعرس الموندياليّ، لا يزال “أبو فادي” يذكر كلّ المراحل التي مرّ عليها في رحلة مشاهدة كرة القدم، منذ سماع المباريات عبر الراديو في العام 1966، مرورًا بالجريدة والأبيض والأسود والتطوّر في البثّ مع لقطات الإعادة والأجهزة الملوّنة، وصولًا إلى عالم الـ Full HD اليوم.

لم تكن كرة القدم في جنوب لبنان يومًا مجرّد لعبة، بل مساحة تنفّس جماعيّ في وجه الفقر والحروب والإهمال، بين بيادر القمح والدورات بين القرى، وبين الراديو القديم والشاشات الملوّنة، صاغ الجنوبيّون علاقتهم الخاصّة بالكرة، علاقة تشبههم، بسيطة وصادقة ومليئة بالإصرار.

وعلى رغم تبدّل الزمن، لا يزال الشغف نفسه حيًّا، ينتقل من جيل إلى آخر، شاهدًا على أنّ كرة القدم كانت ولا تزال إحدى لغات الجنوب الأوضح للتعبير عن الذات والانتماء.

خلال متابعة إحدى المباريات في بلدة زفتا الجنوبية ثمانينيات القرن الماضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى