الضيف الأبيض في عرسال فرحة تُخفي وجع المخيّمات

بعد انتظارٍ طال سنوات، زار الثلج أخيرًا بلدة عرسال، ومع انسياب زخّاته الهادئة التي راحت تغمر الجرود والطرقات وأسطح المنازل والسيّارات، ارتدت البلدة البقاعيّة ثوبها الأبيض، في مشهدٍ أخَّاذ حمل بشائر الخير، فبدت عرسال كلوحة نادرة رسمتها الطبيعة، وأعادت إلى الذاكرة شتاءاتٍ شحيحة، أقلقت الناس وهدّدت مواسمهم الزراعيّة.

فرح المزارعين والأطفال

مزارعو البلدة كأقرانهم في بقيّة المناطق، لا يختصرون الثلج بجمال منظره فقط، بل بما يحمله من كمّيّاتٍ مائيّة ضروريّة تغذّي باطن الأرض والآبار الارتوازيّة كمصادر مياه لريّ محاصيلهم في أثناء فصل الصيف، فالثلج بالنسبة إليهم ليس غطاءً أبيض وحسب بل هو مخزونٌ مؤجّل للمياه، وضمان لموسمٍ زراعيّ أقلّ عطشًا، في منطقة تعاني أصلًا من شحّ الموارد وتراجع الإمكانات. ومع كلّ عاصفة، يتجدّد الأمل بأن يعوّضهم الموسم المقبل بعضًا من الخسائر المتراكمة.

بخلاف المزارعين ممّن فرحوا بالثلج لإنقاذ مواسمهم، تسابق الأطفال إلى الساحات والأزقّة، يلهون بالأبيض المتناثر من السماء، يتقاذفون كراته بضحكاتٍ عالية. لم يكتفوا بصناعة رجل الثلج هذا العام بل نحت له المراهقون منهم، وللمرّة الأولى “حبيبة من الثلج” في مشهد طفوليّ يقرن الحبّ والغرام ببياض الثلج ودفء القلوب.

حسرة بيضاء في المخيّمات

هذا المشهد وعلى رغم جماله، لكنّه لا يعكس الصورة كاملة. فخلف هذا البياض، يقيم أسىً ثقيلًا لا تراه العدسات ولا تنقله الأقلام، فعلى أطراف عرسال، وفي ما تبقّى من مخيّمات اللجوء السوريّ، للثلج وجهٌ آخر، أقلّ نقاءً وأكثر قسوة ومرارة. هنا يتبدّل حال “الزائر الأبيض” من نعمةٍ منتظرة إلى عبءٍ ثقيل يهدّد السلامة والحياة، ويسلب بقايا الدفء.

في المخيّمات، لا يعني الثلج مخزونًا مائيًّا، ولا موسمًا واعدًا، بل صقيعًا يتسلّل عبر قماش الخيم المهترئة، سقوفًا لا تقوى على حمل ثقله، وأرضًا موحلة تهدّد مقوّمات العيش المتبقّية. خيمٌ لا تقوى على صدّ الرياح، فتخيف الأطفال وتسرق براءة أعمارهم.

في مخيّم وادي الأرنب، يختصر أبو أحمد، اللاجئ السوريّ المقيم هناك منذ سنوات، هذه المفارقة المؤلمة. يصف في حديث لـ “مناطق نت” بؤس الواقع فيقول: “الثلج جميل حين تراه من خلف الزجاج، مع إبريق شاي قرب المدفأة. لكنّه هنا خوف دائم وحزن قائم. خيم قد تنهار في أيّ لحظة، وأطفال يرتجفون من البرد طوال الليل”. ويردف “نسمع عن خيرات الثلج، نحمد الله ونشكره، لكنّنا لا نرى منه سوى قسوته”.

خيم اللاجئين السوريين في عرسال بين الثلوج والصقيع

في داخل الخيم، تتراكم العائلات حول وسائل تدفئة بدائيّة، فيما يبقى المازوت والحطب من الكماليّات التي لا يقدر عليها كثيرون. وخارجها يركض الأطفال ويلعبون بالثلج، بضحكات بريئة لا تدرك معنى التشرّد، ولا تعي حجم الندوب التي ستمكث في ذاكرتهم وترافقهم في قادم أيّامهم. ولا يعلمون أنّه فرحٌ عابر سرعان ما ينكسر مع حلول الليل وانخفاض درجات الحرارة.

ضمائر لا تستجيب

مع كلّ عاصفة، تتكرّر الأسئلة ذاتها حول سُبُل ومواد مواجهتها. فعلى رغم قسوة الظروف المناخيّة، وتراكم الأزمات الاقتصاديّة التي تطال اللبنانيّين واللاجئين معًا، تستمرّ مفوّضيّة الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين في سياسة الغياب. فبحسب شهادات سكّان المخيّمات والخيم يقتصر دور المفوّضيّة على المتابعة الهاتفيّة وأخذ العلم، من دون أيّ حضور ميدانيّ فعليّ أو تدخّل طارئ يتناسب مع حجم المخاطر.

هذا الغياب الذي يُرجِعه مصدر في المفوّضيّة في حديث لـ “مناطق نت” إلى “نقص التمويل والموارد، فمنذ أيلول الماضي أقفلنا مراكزنا في زحلة والشمال، ولا إمكانات لاستمرار الإغاثة والتقديمات”. هذا الغياب لا يُقرأ فقط كنقص ماليّ، بل هو تخلٍّ فعليّ عن فئات هشّة، تُركِت لمواجهة الشتاء ووحش البرد دون أدنى مقوّمات.

في مقابل غياب الأمم، برزت مبادرات محدودة من جمعيّات لبنانيّة محلّيّة، إلى جانب جهود فرديّة من بعض أبناء البلدة، فعلى رغم ضيق حالهم، قاموا بتقديم ما تيسّر من أغطية وملابس شتويّة وكمّيّات محدودة من مواد التدفئة. مبادرات رمزيّة تعبّر عن تضامن إنسانيّ، لكنّها تبقى عاجزة عن سدّ الفجوة الواسعة في الاحتياجات.

وجهان لثلج واحد

لم يأتِ الثلج هذا العام كحالة مناخيّة اعتياديّة في المناطق الجبليّة. بل شكّل مرآة اجتماعيّة صارخة للتفاوت في المعاناة. ففي حين يشكّل للبلدة وأهلها موسم خيرٍ وأملٍ بمحاصيل وافرة في الكرز والمشمش والقمح، يتحوّل في المخيّمات إلى صراعٍ قاسٍ لأجل البقاء، وانتظارٍ مرير لعودة بلا موعد. للثلج وجهان ها هنا، بياضٌ يُبهِج القلوب في مكان، وبياض آخر يكشف سواد الأزمات، فيثقل الخيام ويضاعف الأسى في مكان آخر.

هنا لا يمرّ الشتاء في مخيّمات البؤس فصلًا عابرًا، بل سلسلة اختبارات يوميّة، وصراعات متجدّدة بين الهزيمة والصمود، بين الوطن والمنفى، بين الحرّيّة ومعناها وجدواها، بين مسؤوليّة إنسانيّة معلّقة وضمير دوليّ غائب. الشتاء وخيراته أساس الحياة، فمن الماء خلق الله كلّ شيء حيّ، لكنّ الإنسان بقسوته وتجرّده من إنسانيّته، استبدل بياض الثلج بسواد القلوب، فدمّر حياة أبناء جلدته، وجعل الأمن الحائر تحت الخيم أقسى أحلامهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى