شابّات بين أحلام الاستقلال والرقابة الدائمة والحرّيّة المؤجّلة

تفتح فاطمة (22 عامًا) نافذة شقّتها الصغيرة التي استأجرتها حديثًا، وكأنّها تختبر حرّيّتها مرّةً جديدة. فالانتقال من منزل العائلة في قضاء صور إلى منزلها الخاص في بيروت، لم يكن مجرّد انتقالٍ جغرافيّ بل تجربة شعوريّة متداخلة: فرحٌ وقلقٌ وخوفٌ لا تعرف مصدره.
كلّ شيء الآن تحت تصرّفها داخل منزلها الخاص، لكنها خارج هذه الجدران تشعر بأنّ العالم لا يزال يراقبها. فالعائلة تتّصل للاطمئنان والأسئلة تتدفّق عليها، والجيران يراقبون حضورها وغيابها، والمجتمع ينتظر أيّ خطأ لتذكيرها بأنّ الاستقلاليّة التامّة “حلمٌ بعيد المنال”.
تقول فاطمة لـ “مناطق نت” إنّها تشعر بأنّ “الاستقلال عن منزل الأهل ليس مجرّد دفع إيجار الشقة أو ترتيبها، بل هو كسر وتخطّي حواجز وعوائق كثيرة. فكل قرارٍ أتّخذه يحتاج إلى نوعٍ من الموافقة الضمنيّة من العائلة والمجتمع”. وتضيف: “فرحت حين حصلت على وظيفةٍ في بيروت، فهذا مبرّر جيّد للتحرّر من العيش مع العائلة، وأنا أريد أن أكون حرّةً، لكن يرافقني شعورًا دائمًا في أنّني مُراقبة، وكأنّ الحرّيّة التي حلمت بها لا تزال مشروطة.”
هكذا، بين الرغبة في الاستقلاليّة وبين شبكة واسعة من العلاقات والتوقّعات والروابط العائليّة والرقابة الاجتماعيّة، تعيش كثيرات من الصبايا والنساء هذا الصراع الصامت. فالخروج من بيت العائلة يفتح الباب أمام أسئلةٍ كثيرة عن الحرّيّة والحدود، وعن الحقّ في القرار.
فكيف يمكن لشابّة أو امرأة أن تبني مساحتها الخاصّة، فيما يُقابل استقلالها غالبًا بالقلق والريبة، بدلًا من الاعتراف بحقّها في أن تكون مسؤولةً عن حياتها؟ وكيف يمكن أن يتحوّل بيت العائلة من مساحة أمانٍ إلى مساحة تفاوضٍ دائمٍ على الحرّيّة؟
حين تصبح الرعاية رقابة
يُقابل قرار المرأة بالانتقال إلى السكن المستقلّ غالبًا بسلسلةٍ من “المخاوف”، والاعتراضات العائليّة التي تحوّله إلى ساحة توتّر وضغط دائم. فتنظر كثير من الأسر إليه كفعلٍ “خطر”، يهدّد منظومة السيطرة والرعاية، ويضعون الاستقلاليّة في خانة “الانحراف عن الدور الطبيعيّ للمرأة”.
وهم يستخدمون في سبيل ذلك مصطلحات مثل “السمعة” و”الخوف” و”الحرص”. وهي كلماتٌ مألوفة في البيوت اللبنانيّة، تُقال بنيّة “الحماية”، لكنّها تحتضن تصوّراتٍ جاهزة عمّا يجب أن تكون عليه حياة الشابّة أو المرأة وحدودها.
لارا: يسألني والداي عن سمعتي وسلامتي ومستقبل زواجي، ولا يسألني أحد ماذا أريد أنا أو كيف أشعر
وتقول لارا (30 عامًا) لـ “مناطق نت” إنّها “في كلّ مرة كنت أطرح فيها موضوع السكن وحدي، كان النقاش يتحوّل إلى محاكمة. فيسألني والداي عن سمعتي وسلامتي ومستقبل زواجي، ولا يسألني أحد ماذا أريد أنا أو كيف أشعر؟ وعلى الرغم من الضغوطات نجحت في النهاية باتّخاذ هذه الخطوة”. ولا تأتي القيود داخل العائلة على شكل أوامر مباشرة عادةً، بل هي غالبًا تفاصيل صغيرة تتراكم. اتّصالاتٌ للاطمئنان، أسئلةٌ متكرّرة وملاحظاتٌ عابرة عن التأخير، أو عن الأشخاص الذين نقضي معهم وقتنا.
في ظاهرها، تبدو هذه الممارسات امتدادًا طبيعيًّا لـ “قلق الأهل”، لكنّها في التجربة اليوميّة تتحوّل أحيانًا إلى شعورٍ دائمٍ بأنّ حياتهنّ تحت المجهر. توضح لارا “اليوم، وعلى الرغم من أنّ أهلي لا يمنعونني من شيء بشكل مباشر، غير أنّني أشعر دائمًا بأنّ عليّ أن أبرّر كلّ خطوة. وما يُتعبني غالبًا ليس الأسئلة نفسها، بل الإحساس بأنّ حياتي يجب أن تكون مفهومةً ومقبولةً لديهم طوال الوقت”.
أشكال الضغوط العائليّة
تتّخذ ضغوط العائلة أشكالًا متعدّدة، من محاولات الإقناع القسريّ إلى فرض شروط على مكان السكن أو حتّى نمط الحياة. فتشترط بعض الأسر القرب الجغرافيّ، الزيارات المتكرّرة، مشاركة تفاصيل الحياة اليوميّة، أو العودة إلى المنزل في وقتٍ محدّد، في محاولةٍ لإعادة إنتاج الرقابة داخل مساحةٍ يُفترض أنّها مستقلّة.
وتقول هبة (27 عامًا) لـ “مناطق نت”: “حتّى بعد انتقالي إلى منزلي، لم يتوقّف التدخّل. مكالمات يوميّة، أسئلة عن مواعيدي، زيارات مفاجئة. شعرت بأنّني خرجت من بيتهم جسديًّا فقط، لكنّني لم أخرج من سلطة أهلي”.
ويلجأ الأهل أيضًا إلى الرقابة الزمنيّة، فتنظر العائلة والمجتمع إلى الليل بوصفه وقتًا “غير منضبط” و”مليء بالمخاطر”. ويظهر ذلك في الأسئلة المتكرّرة عن سبب التأخير، وفي التشديد الدائم على عدم الخروج ليلًا، أو على العودة باكرًا تحت مبرّر “الاطمئنان”.
فيُنمّط الليل بوصفه مساحةً للـ”خطأ” و”الانحراف”، ومع هذا التنميط، لا تضبط العائلة جسد الشابّة أو المرأة فقط، بل تضبط حركته وتمنع تواجده خارج المنزل بعد ساعةٍ معيّنة.
مع الوقت، يتبدّل موقع العائلة، فلا تبقى فضاء راحة ودعم وأمان فقط، بل مساحة توقّعات تتحوّل تتدريجًا إلى سلطة حاضرة في القرارات الصغيرة قبل الكبيرة. مساحة تُعاش فيها الحياة عبر التفاوض والتبرير وأحيانًا بتجنّب الصدام.
فيصبح المنزل مكانًا نحتمي به ونُراقَب فيه في آنٍ معًا. تضيف هبة: “أردت أن أعيش وحدي لأتعرّف إلى نفسي أكثر، إلّا أنّني وجدت نفسي أقاتل يوميًّا لأثبت أنّني لست ابنةً سيّئة ولا امرأةً متهوّرة، فقط إنسانة تريد مساحةً تخصّها”.
هنا، لا تتحوّل العائلة إلى نقيضٍ للأمان، بل إلى مجال يحتوي على الدعم ولكن على ضغوط كثيرة أيضًا، تُراكم شعورًا بأنّ الاستقلال ليس مجرّد انتقالٍ إلى بيتٍ خاص، إنّما خروج تدريجيّ من شبكةٍ واسعةٍ من التوقّعات العائليّة.
رقابة مجتمعيّة
بعد الانتقال للعيش خارج بيت العائلة لا تتوقّف الرقابة، بل تنتقل المرأة إلى شبكةٍ أوسع من الرقابة الاجتماعيّة. وتجد نفسها أمام توقّعات اجتماعيّة لا تُقال، لكنّها حاضرة في تفاصيلها اليوميّة. مثل كيف تقضي وقتها؟ ومن يزورها؟ ومتى تعود إلى منزلها؟ وحتّى كيفية ترتيب شقتها، ونفقات حياتها؟
فاطمة: يرافقني شعور دائم بأنّ المجتمع يراقب كلّ خطوةٍ أقوم بها. لا أحد يفرض عليّ شيئًا، غير أنّ تعليقات الجيران والأسئلة المتكرّرة عن حياتي تجعلني أراجع كلّ قراراتي مرتين
تبدأ هذه الضغوط بتفاصيل تبدو صغيرة، مثل نظرات الجيران والأقارب وتعليقاتهم على ملابسها أو علاقاتها، أسئلة صاحب المبنى الذي يمكن أن يمنعها من استقبال الزوّار أو يتحكّم في من يزورها. وتُقابل بأسئلةٍ كثيرة تحمل في طياتها تشكيكًا ضمنيًّا بأخلاقها وبـ “شرعيّة” خيارها.
تقول فاطمة: “يرافقني شعور دائم بأنّ المجتمع يراقب كلّ خطوةٍ أقوم بها. لا أحد يفرض عليّ شيئًا، غير أنّ تعليقات الجيران والأسئلة المتكرّرة عن حياتي تجعلني أراجع كلّ قراراتي مرتين قبل اتّخاذها. وهذا أمرٌ مرهق!.” أمّا لارا فتصف تجربتها بالقول: “منذ انتقالي شعرت بأنّ الجيران والأصدقاء رسموا صورةً مسبقةً حول كيف يجب أن أعيش. فأصبحت أشعر حين أخرج أو أتّخذ قرارًا يخصّني بأنّني أحتاج إلى مبرّر أمامهم”، فيتحوّل البيت الجديد إلى فضاء مُراقَب بالأسئلة والافتراضات والأحكام المسبقة. لأنّ المجتمع يتعامل مع المرأة التي تعيش وحدها بوصفها “حالة” قابلة للتأويل والتشكيك وإسقاط الصور النمطيّة عليها.
ومع الوقت، يمكن أن تتعلّم الصبيّة كيف تتفاوض مع هذه الرقابة المستمرّة. فتقرّر متى تشرح ومتى تتجاهل ومتى تتحرّك بهدوء، لتجنّب أيّ صدام. لكنّها لا تفقد حرّيّتها، بل تتعلّم أنّه في لبنان الحرّيّة تأتي دائمًا مع كلف اجتماعيّة. توضح هبة “اليوم لم أعد أنتظر إذنًا من أحد، بل تعلّمت كيف أتحرّك بحرّيّة، وكيف أحافظ على مساحتي من دون أن ألتفت إلى التدخّلات”.
الاستقلال كتهديد للنظام
لا يُقرأ خيار استقلاليّة الشابّات والنساء غالبًا كحقٍ طبيعيّ إنّما كفعلٍ “مُقلق”. فتُعتبر فكرة أن تعيش امرأةً وحدها، أو تدير شؤونها أو تتّخذ قراراتها خارج إطار عائلتها، تهديدًا لبنية اجتماعيّة قائمة على الوصاية.
ويُنظر إلى هذا الاستقلال بوصفه خروجًا عن الدور المرسوم الذي اعتاد أن يربط جنسها بالحماية والرقابة. ففي النظام الأبويّ الذكوريّ المتجذّر، تُعامل المرأة كجزء من “ملكيّة” العائلة، وليس كشخص مكتمل الأهليّة. فيرون فيها كائنًا “ضعيفًا” وناقص الأهليّة، يحتاج دائمًا إلى “إدارة” و”ضبط” و”وصاية”.
ويعامل هذا النظام الشابّات والنساء كامتدادٍ لاسم العائلة “وسمعتها”. ويتجسّد ذلك في اللغة اليوميّة التي تتذرّع بالـ “حرص” والـ “خوف” عليها. ونبرة الحرص هذه، تُخفي عدم ثقة بأهليّتهنّ وقدرتهنّ على إدارة شؤون حياتهنّ. فتتحوّل استقلاليّة المرأة إلى مسألة سلطة، وحين تُطالب بها تهدّد هيكليّةً بُنيت على إخضاعها باسم “الحماية” و”الحبّ”.
الضغط النفسيّ
مع الوقت تتحوّل هذه الضغوط العائليّة والمجتمعيّة إلى ضغطٍ مستمرّ يرافق الشابّات والنساء في تفاصيلهنّ اليوميّة. من مواعيد الخروج والعودة، إلى شكل العلاقات والصداقات، وصولًا إلى أبسط أنماط العيش.
ويصبح السكن المستقلّ مساحةً تفاوضيّة دائمة مع المجتمع والعائلة، ومتاهةً من المشاعر. ويكون التوتّر ملموسًا أحيانًا، فيعانين من الأرق والتوتّر والإرهاق من كثرة المراقبة والاضطرار إلى التبرير المستمرّ.
وكلّ قرار، صغيرًا كان أو كبيرًا، يقابله شعور دائم بالذنب تجاه العائلة، والخوف من ارتكاب الأخطاء والتساؤل عن التصرّف والقرار الصحّ من الخطأ. هذا القلق الداخليّ يصبح جزءًا من تجربة الاستقلال، لا يراه أحد، لكنّه حاضر في كلّ لحظة من لحظات حياة المرأة المستقلّة.
وأمام هذا الواقع، تُطوِّر كثيرات من الصبايات استراتيجيّات صامتة للحماية، تشمل تقليص الدوائر الاجتماعيّة وتجنّب الاحتكاك والتصادم وضبط السلوك اليوميّ، أو إخفاء جوانب من حياتهنّ الخاصّة.
في هذا السياق، تختبر استقلاليّة النساء قدرتهنّ على تحمّل هذه الضغوط، والنظرة النمطيّة التي ترى في بيت المرأة وحياتها الخاصّة شأنًا عامًّا. فيصبح السكن المستقلّ جزءًا من مواجهة أوسع مع منظومة لم تعتدِ بعد على استقلاليتهنّ خارج إطار العائلة والزواج والوصاية الأبويّة.
الاستقلال كحقّ
لا يجب أن يكون الاستقلال عن منزل العائلة مسألة تفاوض على “حدود مقبولة”، أو تحقيق نوعٍ من التوازن بين الرغبة في الحرّيّة ومتطلّبات العائلة. كما لا يجب أن يكون قرار الشابة أو المرأة مشروع تفاوض، ولا أن يُقاس بموافقة أحد أو توقّعات المجتمع.
هو حقّ لها، وجزء من نموّها وقدرتها على عيش حياتها وفق قراراتها الخاصّة، لا مجرد مغامرة فرديّة موقّتة. فالحرّيّة ليست هديّةً تُمنح، ولا مكافأة يقدّمها الرضى المجتمعيّ، بل ضرورة حقيقيّة لتجربة الحياة كاملة. فتقول فاطمة: “لم يعد الاستقلال بالنسبة إليّ خيارًا للتفاوض؛ إنّه حقّي في أن أعيش حياتي في مكاني الخاص، أن أخطئ وأتعلّم، أن أتّخذ قراراتي من دون أن أحتاج إلى إذنٍ من أحد.”
فماذا يعني أن نعيش في مجتمعٍ يرى استقلال المرأة خسارة أو تهديدًا؟ ربّما تكمن الإجابة في كلّ خطوةٍ صغيرةٍ تتّخذها إحدى الشابّات نحو الاستقلاليّة.



