ذاكرة “الكويكرز” في لبنان بين مدرسة برمانا وعصفورية الحازمية

على السفح الذي يطلّ على بيروت كأنّه هواء يصفّق للأفق، تقف برمّانا كمدينة صغيرة تبني ذاكرتها بهدوء. بين أشجار الصنوبر ورائحة الليل الباردة، تخفي البلدة قصة جماعة وصلت في منتصف القرن التاسع عشر. جاءت جماعة “الأصدقاء” – الكويكرز – مثل نسمة لا تثير الغبار، بل تفتح نافذة.

في ذلك الزمن، كان الجبل اللبناني ساحة تتشابك فيها الخلافات والطوائف والبعثات والمدارس. إلا أنّ الكويكرز اختاروا طريقًا مختلفًا، لم يأتوا بجيش من المبشّرين، بل بمعلّمٍ واحد حمل في حقيبته قناعات تلك الطائفة وأفكارها. ومن هنا، بدأت الحكاية.

 برمّانا: التلة التي احتضنت الفكرة

جاء ثيوفيلوس والدماير إلى برمّانا في سياق تاريخي شهد انفتاح الجبل اللبناني على تجارب تربوية وافدة. التلة التي اختارها كانت هادئة، تسمح بإقامة مشروع تعليمي طويل الأمد. في العام 1873 تأسست المدرسة التي ستتحول لاحقًا إلى أحد أبرز أشكال الحضور الكويكري في المشرق، ضمن مشهد أوسع من المبادرات التعليمية الأجنبية في القرن التاسع عشر.

نشأت المدرسة بوصفها تجربة تربوية مختلفة عن النماذج السائدة آنذاك. اعتمدت التعليم بوصفه عملية شاملة، تهتم ببناء الفرد أخلاقيًا ومعرفيًا في آن واحد. الفكرة المحورية تمثلت في التركيز على الضمير الفردي والمسؤولية الذاتية، وهو توجه انسجم مع فلسفة تربوية رأت في الإنسان طاقة داخلية قابلة للتطوير عبر الإصغاء والتفكير والحوار.

امتلأت الممرات الحجرية بطلاب قدموا من مناطق لبنانية متعددة. الصفوف المطلة على الوادي تحولت إلى فضاء يومي للتعلّم، حيث تداخل التعليم مع الملاحظة والتأمل والنقاش. مع الوقت، أصبحت المدرسة جزءًا من النسيج المحلي للبلدة، وأسهمت في تكوين صورة برمّانا كمركز تربوي له خصوصيته. لم يكن الحضور التعليمي منفصلًا عن المكان، بل اندمج مع طبيعة الجبل وإيقاعه الهادئ.

العصفوريّة: مقاربة مختلفة للعلاج النفسي

من التجربة التعليمية في برمّانا، امتدّ الاهتمام إلى المجال الصحي، مع تأسيسهم مستشفى العصفوريّة للأمراض النفسية في أواخر القرن التاسع عشر على أطراف بيروت. المشروع جاء في مرحلة كان فيها التعامل مع الاضطرابات النفسية محاطًا بالوصم والعزل، فاختار مقاربة تركز على الرعاية والعلاج ضمن بيئة طبيعية مفتوحة.

في جوهر الكويكرية، يظهر تصوّر ديني يركز على التجربة الفردية المباشرة، وعلى الإصغاء الداخلي بوصفه مسارًا أخلاقيًا. هذه الرؤية انعكست في ممارسات تنظيمية بسيطة، مثل الاجتماعات الصامتة

وُضع المستشفى في منطقة تتصل بالطبيعة، في انسجام مع تصورات علاجية رأت في الهدوء والعزلة المنظمة عناصر مساعدة على التعافي. العصفوريّة شكّلت مساحة علاجية تجمع بين الانضباط الطبي والاهتمام الإنساني، وقد استقبلت مرضى من خلفيات اجتماعية مختلفة. المباني والحدائق صُممت لتوفير بيئة أقل قسوة، تتيح للمريض استعادة توازنه بعيدًا عن الضغط الحضري.

مع مرور الزمن، وتأثير الحروب والأزمات، تراجع دور المستشفى وتغيّرت ظروفه، إلا أن حضوره بقي راسخًا في الذاكرة اللبنانية بوصفه محطة مهمة في تاريخ الطب النفسي في المنطقة.

ملامح روحيّة وتنظيمية

في جوهر الكويكرية، يظهر تصوّر ديني يركز على التجربة الفردية المباشرة، وعلى الإصغاء الداخلي بوصفه مسارًا أخلاقيًا. هذه الرؤية انعكست في ممارسات تنظيمية بسيطة، مثل الاجتماعات الصامتة، وإتخاذ القرارات عبر التوافق الجماعي. هذا النمط لم يعتمد على الطقوس الظاهرة أو الخطاب الوعظي، بل على ممارسات يومية هادئة.

في السياق اللبناني، ظهرت هذه الملامح في المدرسة والمحيط الاجتماعي المرتبط بها. لم يكن الهدف إنشاء جماعة دينية جديدة، بل تقديم نموذج تربوي واجتماعي يركز على التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، وتنمية المسؤولية الفردية. الحياة اليومية اتسمت بالبساطة، والعمل المجتمعي، والصدق في العلاقات، بوصفها أسلوب عيش أكثر منها شعارات معلنة.

قراءة أنثروبولوجية للزمن والمكان

من منظور أنثروبولوجي يمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها إعادة تنظيم للعلاقة مع الزمن. المدرسة، المستشفى، والاجتماعات الصامتة، كلها شكّلت فضاءات تُخرج الفرد من الزمن المتسارع إلى إيقاع أبطأ، يسمح بإعادة ترتيب الأولويات الداخلية.

في هذا السياق، تحولت برمّانا إلى مركز دلالي، حيث يلتقي التعليم مع التأمل، والرعاية مع الانضباط. الزمن هنا يقاس بالوعي المتراكم، لا بالساعات. المعرفة تلتقي مع الأخلاق، والعمل المؤسسي يجاور البعد الإنساني.

أشخاص ومسارات

التجربة لم تكن مرتبطة بالمكان فقط، بل بأشخاص شاركوا في بنائها عبر عقود:

·ثيوفيلوس والدماير، الذي أطلق المشروع التربوي.

·معلمون وطلاب أسهموا في ترسيخ البيئة التعليمية.

·أطباء وممرضون في العصفوريّة، عملوا ضمن ظروف تاريخية معقدة لتقديم رعاية طبية متقدمة نسبيًا لعصرها.

هؤلاء شكّلوا شبكة علاقات وممارسات امتدت عبر الزمن، رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها لبنان.

الحضور الراهن

اليوم، يظل الحضور الكويكري محدودًا من حيث العدد، مع استمرار المدرسة في برمّانا بوصفها مؤسسة تربوية قائمة. الاجتماعات الصامتة ما زالت تُعقد في بيروت وبرمّانا، ضمن نمط هادئ يخلو من الاستعراض. هذا الحضور الصغير يندمج مع المشهد اللبناني المتعدد، دون سعي إلى توسّع أو مواجهة.

 الكويكرز في العالم اليوم

تنتشر جماعة الكويكرز، المعروفة باسم Religious Society of Friends، في قارات متعددة، ويُقدَّر عدد أتباعها عالميًا بما يقارب 350 ألف شخص. يتركز الحضور العددي الأكبر في كينيا، تليها الولايات المتحدة وبريطانيا، مع مجتمعات فاعلة في أميركا اللاتينية وأوروبا وأستراليا. تنشط الجماعة في مجالات التربية، الوساطة السلمية، حقوق الإنسان، والإغاثة الإنسانية، عبر مؤسسات تعليمية وبرامج دعم مجتمعي ومبادرات مصالحة. لعب الكويكرز أدوارًا بارزة في تاريخ إلغاء العبودية، تطوير العمل التطوعي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، مع استمرار مشاركتهم في جهود السلام العالمية والعمل الإنساني المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى