هل تنقذ أمطار موسم الشتاء لبنان من عطش الصيف؟

بعد عامٍ مائيٍّ وُصف بأنّه الأقسى على لبنان، ومع اقتراب فصل الشتاء من نهايته، يعيش اللبنانيّون مجدّدًا هاجس تأمين المياه، بعدما اختبروا جفافًا استثنائيًّا العام الماضي نتيجة تراجع الموارد السطحيّة وتدنّي معدّل الهطولات. غير أنّ متساقطات هذا الموسم، وإن لم تكن وفيرة، جاءت بشائر انفراج أرض أنهكها العطش. فهل تكفي هذه الأمطار لإجهاض فرضيّة الجفاف صيفًا؟ وهل تحمل أرقام المتساقطات مؤشّرات على موسم “تعويضيّ” للمخزون المائيّ؟

بعد كلّ منخفض جوّيّ، يتفقّد المزارع مروان رافع ابن بلدة “البساتين” في قضاء عاليه منسوب خزّان المياه الأرضيّ الذي أنشأه في باحة منزله لجمع ما تيسّر من مياه الشتاء، مستعينًا بأنابيب تمتدّ من سطح منزله باتّجاه الخزّان، بحيث تنساب المياه المتجمّعة جرّاء الأمطار من على سطح المنزل لتسلك طريقها عبر الأنابيب إلى الخزان فتتجمّع فيه، استعدادًا لصيفٍ يعرف قسوته جيّدًا. بهذا الإجراء البسيط يحاول رافع أن يؤمّن ذخيرة الصيف من مياه السماء لريّ مزروعاته، مبديًا امتننانه بالحضور القويّ للشتاء هذا العام خلافًا للموسم السابق؛ مشيرًا إلى أنّه تكبّد خسائر جسيمة في محاصيله الزراعيّة العام الماضي بسبب شحّ المياه التي كانت تصل إلى بيته مرّة واحدة في الشهر.

ما يفعله المزارع رافع ليس حالة خاصّة، بل هو شأن جميع سكّان القرى، سواء كانوا مزارعين أم غير ذلك، يلجأون إلى إنشاء خزّانات حتّى قبل البدء بإعمار منازلهم وذلك لتأمين المياه إذ يعتمدون غالبًا على مياه الأمطار لتخزينها شتاءً، واستعمالها صيفًا في ظلّ الشحّ الكبير الذي تشهده مصادر المياه في لبنان والمنطقة، وتحديدًا مياه “الدولة” التي تفتقدها مواسير الشبكات معظم أيّام السنة.

موسم واعد أم أمل زائف

عانى لبنان العام الماضي من أزمة مياه حادّة آلمت جيوب اللبنانيّين قبل مزروعاتهم، ففي “بلد المياه” وبحسب البيانات الرسميّة لم تتجاوز كمّيّات الأمطار الموسم المطريّ الماضي الـ 450 مليمتراً من أصل 800 ميلمتر هو متوسّط المعدّل العام، لكنّ المؤشّرات الأوّليّة لمتساقطات هذا العام في “مصلحة الأبحاث العلميّة الزارعيّة فرع الريّ والأرصاد الجويّة في وزارة الزارعة” شهدت تحسّنًا ملحوظًا، ففي بيروت مثلًا سجّل مجموع الأمطار للموسم الحاليّ 448 مليمتراً مقابل 291 مليمتراً العام الماضي، بينما المعدل العام هو 507 مليمترات؛ وفي القليعات- كسروان بلغ 779 مليمتراً مقابل 322 مليمتراً في الموسم السابق، والمعدل العام 600 مليمتر، كذلك سجّل مجموع الأمطار في زحلة 240 مليمتراً مقابل 127 مليمتراً في السنة الماضية والمعدل العام 600 مليمتر. أمّا في القاع فقد سجّل 148 مليمتراً مقابل 38 مليمتراً والمعدّل العام 180 مليمتراً.

على الرغم من عدم توافر الأرقام النهائيّة لحجم المتساقطات من الأمطار للعام 2026 إذ إنّ الموسم المطريّ لم ينتهِ بعد، إلّا أنّ الخبراء لا يبدون تفاؤلًا بموسم تعويضيّ لجفاف العام لماضي.

الخرائط الجوية أصبحت محط اهتمام اللبنانيين 

يوضح المتخصّص في الجيوفيزياء والهيدروجيولوجيا وعلم المناخ، الدكتور بيار موسى، أنّ كمّيّات وتوزّع المتساقطات في لبنان خلال الموسم الحالي بلغت نحو 50 في المئة من المعدّل السنويّ العام حتّى الآن. لافتًا في حديث لـ “مناطق نت” إلى أنّ “المقارنة مع المعدّل التراكميّ التاريخيّ تُظهر تفاوتًا ملحوظًا بين المناطق، إذ سجّلت بعض المناطق مستويات مطريّة تقارب المعدّل، في حين بقيت مناطق أخرى دون المعدّل بقليل، بينما تجاوزته مناطق محدّدة بنسبٍ بسيطة”.

ويرى موسى أنّ “هذه الأرقام، على الرغم من إيجابيّتها النسبيّة، لا تكفي تعويض الجفاف الذي شهده لبنان خلال العام 2025″، مؤكدًا أنّ “موسمًا مطريًّا واحدًا لا يمكن أن يعيد التوازن الهيدرولوجيّ في البلاد بعد فترة من الشحّ”.

ويعوّل “موسى” على الثلوج التي تشكّل المورد الأساس لتغذية الأحواض الجوفيّة، إذ تتسرّب مياهها ببطء عبر الصخور الكارستيّة إلى باطن الأرض في أثناء الذوبان، مؤكّدًا أنّ كمّيّات الثلوج المتساقطة حتّى الآن تُعتبر جيّدة بالمجمل، لكنّها لا تزال غير كافية لضمان تجدّد فعّال للمياه الجوفيّة.

بحيرة القرعون

من جهتها تُصدر المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بيانات دورية، تُظهر فيها مخزون بحيرة القرعون من المياه، وقد بلغ حتى تاريخ السابع من شباط (فبراير) هذا العام 73 مليون و582 ألف متر مكعب من المياه، مع الإشارة إلى أنّ القدرة الاستيعابية للبحيرة هي 220 مليون متر مكعب، الأمر الذي يجعلنا بعيدين حتى الآن عن الوصول لمخزون مائي جيّد في البحيرة التي شهدت الصيف الماضي جفافًا نادرًا، أظهرته الصور التي كان أبناء البلدات المحيطة بالبحيرة ينشرونها، ومنها ظهور الجسر الذي تغمره المياه منذ عشرات السنين في بحيرة القرعون بفعل الجفاف.

ويُعدّ ظهور الجسر في البحيرة الصيف الماضي مؤشرًا واضحًا على تفاقم حجم الجفاف في البحيرة، إذ إن هذا الجسر لا يظهر عادة إلا عندما يتراجع مستوى المياه إلى حدّ يكشف البنية الحجرية والاثرية المدفونة تحت الماء منذ عقود (تاريخ إنشاء البحيرة)، يُذكر أنّ جسر الدير شُيّد بين عامي 1760 و1800 على يد رهبان سكنوا الدير المقابل، ليشكّل صلة وصل بين البقاعين الغربي والشرقي، قبل أن تغمره مياه بحيرة القرعون بعد إنشاء السد.

التغيّر المناخيّ تهديد متصاعد

بدوره حذّر الخبير البيئيّ المتخصّص في شؤون المناخ حبيب معلوف من المظاهر المناخيّة المتطرّفة التي تضرب لبنان والعالم. مؤكّدًا في حديث لـ “مناطق نت” أنّ “نسب المتساقطات السنويّة لا تؤشّر ولا تسمح باستنتاجات تطال التأثير في قضايا مثل الجفاف، أو زيادة حرائق الغابات، أو نقص المياه، أو الفيضانات”. مشيرًا إلى أنّه “حتّى لو وصلت نسب المتساقطات إلى معدّلاتها السنويّة فإنّ موضوعًا مثل الجفاف لن يتغيّر، لأنّ تساقط الأمطار بغزارة يتسبّب بانجراف التربة، والفيضانات، وسرعة جريان الأنهر من جهة، ونقص في استيعاب الأرض والمياه الجوفيّة من جهة أخرى”.

تابع معلوف: “الحديث نفسه ينطبق على متساقطات الثلوج التي تعتبر العنصر الأهمّ في التخزين الجوفيّ بذوبانها، لأنّ ارتفاع درجات حرارة الأرض تتسبّب في سرعة ذوبان الثلوج وبالتالي خسارة في التخزين وشحّ أسرع في الينابيع وندرة في المياه”.

في المحصّلة، يبقى ربط التعويض الهيدرولوجيّ في الحالة اللبنانيّة بنسبة المتساقطات وحدها مقاربة قاصرة، فالمورد المائيّ مرتبط بعوامل جوهريّة كالمناخ وأنماط الهطولات، والإدارة السليمة للقطاع، والترشيد في الاستخدام، والاستثمار في المياه الجوفيّة المهملة على حساب إنشاء السدود التي أثبتت فشلها في جمع المياه، والتخزين السطحيّ على رغم المليارات التي أُنفقت عليها. وبين تقصير السياسات وتفاقم آثار التغيّر المناخيّ، يبدو أنّ الحلّ تجاوز انتظار كمّيّات المتساقطات إلى إدارة أكثر حكمة للموارد، تعيد إلى لبنان توازنه المائيّ، قبل أن يفرض الجفاف إيقاعًا جديدًا ينعكس سلبًا على القطاعات الحيويّة الأساسيّة وأبرزها الزراعة والغذاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى