“صيبةُ عين” فلنسكبِ الرصاصة ونعلّق الخرزة الزرقاء

ينمو مفهوم صيبة العين في سياقات اجتماعيّة معقّدة تمتدّ جذورها إلى معتقدات شعبيّة عميقة الانتشار في المجتمعات المتوسطيّة والشرق أوسطيّة، وتُصوّغ هذه الاعتقادات في طقوس تُجسّد علاقة الإنسان بالمحيط وبالآخر، وتُفعّل فهمًا للمرض والحظّ والغيرة عبر وسائط ثقافيّة ورمزيّة. وفق بيانات علميّة وأنثروبّولوجيّة، فإنّ هذا الاعتقاد جزء من منظومة ثقافيّة أوسع تنتشر بين شعوب البحر المتوسّط، آسيا، وأفريقيا، وترتبط بالغيرة كقوّة رمزيّة تُكشف من خلال النظرة أو العين بما يحمل من مشاعر تجاه الآخر.
سكب الرصاصة
“بعد أن غلبني الوهن، وكاد الدوار أن يفقدني وعيي، سارع الأهل إلى تقديم علاجات شعبيّة استشفائيّة، بينما قامت شقيقتي الكبرى بتذويب مادّة الرصاص، ثمّ سكبتها بالماء فوق ظهري، فاتّخذت الكتلة شكلًا دائريًّا، فسّره الجميع بأنّها عين حاسدة” هذا الكلام تقصّه السيدة ز. على “مناطق نت”، ثمّ تواصل السرد: “لم يكن الأمر استثنائيًّا في تلك الأيام من ثمانينيّات القرن الماضي، إذ كان سكب الرصاصة فعلًا شائعًا مع كثير من الإجراءات المماثلة في حالات كالضعف الجنسيّ أو خلافات الزوجين، أو جلب الحبيب وغيرها”.
الرُّقْيَةُ وأشكال الصوت
في حالات أخرى، تُستدعى الرقية (رقى المريض: عوّذه وقرأ له كي يشفى) والتمتمة المحمّلة بالأصوات والترتيل، وهي إيقاعات تُستخدم في ثقافات عدّة للحماية الروحيّة. الصوت هنا ليس صوتًا عابرًا وحسب، بل جسرًا يأخذ المريض إلى حال من الهدوء والتوقّع بالراحة. هذا يتقاطع مع نتائج علم النفس التي تقول بأنّ التوقّع والتحوّل في الحالة الذهنيّة يمكن أن يؤثّرا في الإحساس الجسديّ، وإنّ العمليّة الطقوسيّة نفسها تُستخدم لخلق بيئة أمان نفسيّ واجتماعيّ.
نجمها خفيف
تقول إحدى سيدّات القرية إنّ نجمها خفيف. ترى في هذه العبارة سبب الغثيان ووجع الرأس والتعب العامّ. تربط ما تشعر به بتأثير العين، وتستعمل الفكرة لتفسير ما يمرّ عليها من أيّام متعبة. من يعرف حياتها يراها عاديّة، ومع ذلك تبقى العبارة حاضرة في حديثها اليوميّ، تمنح ما يحدث اسمًا واضحًا ومعنى جاهزًا.
عندما تشرح سمر حال خالتها وتستخدم تعبير “النجم الخفيف”، فهي تستخدم لغة شائعة في القرية تساعد الناس على فهم التقلّبات. هذه اللغة ترتّب التجربة، وتحوّل التعب والضيق إلى قصّة مفهومة يتشاركها الجميع. الكلمات هنا تعمل كوسيلة تهدئة، تضع ما يحدث داخل إطار معروف، وتمنح الشعور بالاستقرار وسط تغيّر الحياة.
هذا الأسلوب في الفهم حاضر في دراسات الأنثروبّولوجيا الثقافيّة، إذ تُوصَف المعتقدات اليوميّة بوصفها أدوات معنى يعيش الناس من خلالها تفاصيلهم، كما شرح عالم الأنثروبّولوجيا كليفورد غيرتز في تحليله للثقافة بوصفها شبكة دلالات مشتركة.
كان سكب الرصاصة فعلًا شائعًا مع كثير من الإجراءات المماثلة في حالات كالضعف الجنسيّ أو خلافات الزوجين، أو جلب الحبيب وغيرها
الفقد واليقين المؤلم
تروي “أمّ علي” حكاية بيتها كما لو أنّها جرح مفتوح. تتحدّث عن رحيل ابنتها الصغيرة في عمرٍ مبكر، قبل أن تكتمل سنتاها الاثنتان. تستعيد اللحظة وتربطها بزيارة جارة اشتهرت في القرية بقوّة العين. رأت الطفلة، ومضت اللحظة من غير ذكرٍ أو تسمية أو “بسملة”، فتحوّل الحدث في ذاكرة الأمّ إلى سببٍ واضح ومكتمل. أمّ علي تتجنّب ذكر اسم الجارة، فالحكاية في وعيها أكبر من الأسماء، وأثقل من التداول العلنيّ.
في هذه الرواية، يتحوّل الاعتقاد إلى ذاكرة حيّة. يمنح الفقد معنى قابلًا للحمل، ويجمع الألم والحبّ في قصّة واحدة مفهومة. الثقافة هنا تعمل كخيط خفيّ، يصل الحدث القاسي بسياق أوسع، ويمنح القلب طريقة للاستمرار. هذا النوع من السرد يساعد الإنسان على التكيّف مع الصدمة، ويعيد ترتيب العلاقة مع الغياب داخل الجماعة.
تتقاطع هذه القراءة مع ما قدّمه إميل دوركايم حول دور المعتقدات المشتركة في تنظيم الخبرة الإنسانيّة، حيث تعمل الرموز الجماعيّة على تثبيت المعنى ومساندة الفرد في لحظات الفقد والتحوّل.
الخرزة الزرقاء كدرع بصري
تحمل الخرزة الزرقاء حضورًا واسعًا في الحياة اليوميّة. تظهر في اللباس، تتدلّى في السيّارات، وتعلَّق على أبواب البيوت والدكاكين. هذا الحضور يمنحها وظيفة تتجاوز الزينة، ويجعلها علامة حماية محسوسة، ترافق الجسد والمكان معًا.
يرتبط اللون الأزرق في ثقافات البحر المتوسّط بمعاني الصفاء والبرودة والاتّساع. هذه الصفات جعلته لونًا مناسبًا لامتصاص التوتّر المنسوب إلى العين الحاسدة. العين تُفهم بوصفها طاقة خارجة من الجسد، والخرزة تعمل كوسيط بصريّ يستقبل هذه الطاقة ويبدّدها. بهذا المعنى، تتحوّل الخرزة إلى حاجز رمزيّ، يقف بين الإنسان ونظرات الآخرين.
الجذور التاريخيّة لهذا الاعتقاد تمتدّ إلى حضارات قديمة في الأناضول وبلاد الرافدين ومصر القديمة. اللُقى الأثريّة تكشف استخدام الأحجار الزرقاء والتمائم الدائريّة في طقوس الحماية، حيث يُنظر إلى الدائرة كرمز للكمال والاستمراريّة، وإلى اللون الأزرق كعنصر متّصل بالسماء والماء. هذا الامتداد التاريخيّ منح الخرزة شرعيّة ثقافيّة، ورسّخها في الذاكرة الجماعيّة عبر القرون.
قراءة علم النفس
تتكوّن المعتقدات المرتبطة بالعين الحاسدة داخل النفس بوصفها وسيلة لفهم ما يحدث ولبناء شعور بالطمأنينة. عندما يواجه الإنسان حدثًا مفاجئًا أو ألمًا غير واضح السبب، يبحث عن تفسير قريب من خبرته اليوميّة، فيربط ما جرى بحكاية معروفة ومتداولة داخل الجماعة. بهذا الربط، يتحوّل القلق إلى معنى، ويغدو الشعور قابلًا للفهم والتسمية والتشارك مع الآخرين.
في هذا السياق، يعمل الاعتقاد بالعين على نقل التوتّر الداخليّ المرتبط بالمقارنة والخوف على الصحّة أو الرزق إلى سبب خارجيّ واضح، فيستقرّ الشعور داخل قصّة يمكن روايتها. الحكاية هنا تؤدّي وظيفة تهدئة، إذ تمنح النفس إحساسًا بالاتّساق، وتعيد ترتيب الانفعال ضمن مسار مفهوم. من منظور سلوكيّ، يترسّخ هذا الاعتقاد عبر التجربة المتكرّرة، حيث يقترن الطقس الشعبيّ، مثل الرقيّة أو سكب الرصاصة، بشعور الراحة واهتمام الجماعة وحضور شخص موثوق. مع الزمن، يتحوّل هذا الاقتران إلى عادة نفسيّة، ويغدو الطقس وسيلة جاهزة للتعامل مع القلق عند ظهوره.
على مستوى أعمق، تتشكّل ذاكرة جسديّة للطمأنينة، حيث ترتبط أصوات التمتمة، ورائحة البخّور، وحركات الطقس بحالة هدوء سابقة عاشها الجسد. عند تكرار المشهد، يستدعي الجسد الإحساس نفسه بصورة تلقائيّة، فيستجيب للرمز كما لو أنّه تجربة مألوفة مخزونة في الجهاز العصبيّ.
ضمن هذا الإطار، يظهر الاعتقاد بالعين كمنظومة نفسيّة وثقافيّة متكاملة، تجمع الفرد بالجماعة، وتمنح التجربة سببًا واضحًا، وتحوّل القلق المنتشر إلى قصّة ذات مسار مفهوم. هكذا يصبح الرمز أداة تنظيم داخليّ، يحفظ التوازن، ويمنح الإنسان شعورًا بالقدرة على التعامل مع التحوّلات التي تطرأ في حياته.



