“الجار قبل الدار” حينما تبلور الأمثال الشعبيّة العلاقات الإنسانيّة

ترتقي الأمثال الشعبيّة لتكون في جلّ مضامينها بمثابة المرآة الحقيقيّة للشعوب في تعاطيهم اليوميّ. ليست كلمات الأمثال في تداولها اليوميّ مجرّد عبارات متراصّة بعضها خلف بعض، إنّما هي في مدلولها الأعمّ أقرب إلى تجسيدات فعليّة للعادات والعلاقات وتفاعل الأفراد أو الجماعات حيال هذا الحدث أو ذاك.

فالعلاقة التي يقيمها المثل الشعبيّ مع الذاكرة الجمعيّة للشعوب، غالبًا ما تفضي بالمَثَل لأن يكون أشبه بالصدى الذي يعيد بلورة جملة الأصوات التي ضاعت في غياهب التاريخ، وفي هذا السياق تحديدًا نحن قبالة الدرس الأنثروبّولوجيّ الأوفى. إنّ تلك العبارات الفضفاضة إنّما الدقيقة إلى حدّ الإدهاش ساقت بالفعل كثرًا من علماء الاجتماع والمؤرّخين إلى أن يتعمّقوا في دراسة الجماعات من خلال أمثالها، إذ إنّ البُعد الشفويّ لهذه الأمثال يتيح بقوّة الإضاءة على اليوميّات العاديّة للناس. إنّ المثل في هذا المتناول هو بمثابة الضوء المشعّ وليس الخافت أو المتذبذب على الإطلاق.

فإذا كان التاريخ المجيد للشعوب يُرسم عبر الأساطير أو الماوراء أو حكايا وربّما تفنيصات الأبطال، فإنّ يوميّات هذه الشعوب تراها تُرسم عبر كلمات أمثالها، وليس من باب الصدفة أنّ التراث الكتابيّ للعرب، يزخر بكمّ هائل من كتب الأمثال ولعلّ أهمها كتاب “جمهرة الأمثال” لأبي الهلال العسكريّ المتوفي سنة 395 للهجرة، فضلًا عن كتابيّ “مجمع الأمثال” للميدانيّ و”المستقصى في أمثال العرب” للزمخشريّ.

شيفرات تشدّ الأواصر

إنّ الإسهامات الحيويّة لكلمات المثل، هي في مضمونها الأعمّ بمثابة الشيفرات التي تشدّ الأواصر حيث إنّ اللغة في هذا السياق آداة دمج لا سبيل إلى تجاوزها، وحيث إنّ الكلمات أدوات تعزيز لوحدة اللسان الجماعيّ للمجموعات. يخبرنا الباحث عبد المحسن القيسيّ في كتابه “الأمثال العربيّة – قراءة في الجوانب اللغويّة والثقافيّة” أنّ أمثال العرب أدّت دورًا هائلًا في حفظ اللغة العربيّة، بل ترى أنّ هذا التراث حفّز كثيرًا من الصور المجازيّة، والاستعارات البديعة في المعيش اليوميّ للعرب، وما ينطبق على العرب في هذا الخصوص، ينطبق أيضًا على كلّ شعوب الأرض.

فالمثل وبصرف النظر عن ضروب توظيفاته وعن تلك البراغماتيّة التي تسوقه لأن ينسجم مع هذا الموقف أو ذاك هو على الدوم تلك العين التي يراد من خلالها رسم المشهد بشفافيّة وإتقان. من ثمّ، إنّ المثل في هذه السياقات هو أقرب إلى تلك الومضة التي ترتّب أو تنسف العلاقات، إنّه تلك العبارة الشديدة البنيان، كيف لا وهي التي تقتات على عمق الذاكرة الجماعيّة والتشكّل البدئيّ للهويّات.

فإذا كان “الباب يللّي بتجيك منّو الريح – لازم – تسدّو وتستريح” فإنّ الغوص في تاريخ المجتمعات من خلال أمثالها يحطّم كلّ الأبواب، فإذا بريح البحث في هذا الموضوع بغاية الهيجان والمتعة في آن.

“يمدّ بساطو قد اجريه”

يحاول المرء أن “يمدّ بساطو قد اجريه” حيال هذا المبحث أو ذاك، إلّا أنّ مبحث الأمثال لا يحفل على الإطلاق بتلك المساحة بين القدمين والبساط، وهو ما أشار إليه الباحث اللبنانيّ محمّد توفيق أبو علي، في أثناء انكبابه على تأليف “الأمثال العربيّة والعصر الجاهليّ”، حيث البحث امتدّ إلى ما فاق توقّعات الباحث لجهة تصوّراته عن العصر الجاهليّ واليوميّات العاديّة لناس ذلك العصر، فإذا ببساط البحث يسوق الدكتور أبو علي إلى الغوص بعمق في المرحلة الجاهليّة، انطلاقًا من الأمثال التي كانت محلّ تداول من قبل ناس ذلك العصر بالذات.

فإذا كانت جملة تصوّراتنا عن ماضينا تخضع بالعموم إلى عديد ضروب الصراعات، فإنّ الأمثال تعلّق بخفّة تلك الصراعات، وتراها تعبّد تصوّراتنا عن ماضي أسلافنا بعبارات بغاية الدقّة والرهافة والإتقان.

يحاول المرء أن “يمدّ بساطو قد اجريه” حيال هذا المبحث أو ذاك، إلّا أنّ مبحث الأمثال لا يحفل على الإطلاق بتلك المساحة بين القدمين والبساط

وبالعودة إلى التراث العربيّ وإلى التراث البلاغيّ للعرب بالذات فثمّة عديد من أهل البلاغة هؤلاء ربط المثل لغويًّا بالمثال وعلى رأسهم محمّد بن يزيد المبرّد الذي وُلد في العام210  للهجرة في البصرة وذلك في كتابه “الكامل” حيث المثل في هذه الصدد هو أقرب إلى الفطرة الأولى التي تسوق المرء– أقلّه عبر القول- إلى سبل النجاة من براثن الحياة وما تزخر به هذه الحياة من مآزق وأفخاخ.

المثل هو المثال

إنّ المثل هو المثال الذي يحتذيه المرء في علاقته اليوميّة مع الآخرين حيث تشابك العلاقات والمصالح وجمّ ضروب التنافر والمصالحة ومجمل تداخل الألسنة والحكايات. فإذا بالمثل، تحديدًا في هذا المحلّ، يحرّر المرء عبر الاسترشاد به من حبال الحياة، وذلك باعتباره تلك الواقعة القوليّة، التي لا يرقى إلى صحّتها أيّ التباس أو شكّ. وحبّذا لو كان بالمستطاع التوسّع أكثر في هذه النقطة بالذات في هذا المقال، إنّما وكما يقول المثل الشهير “عصفور بالإيد ولا عشرة على الشجرة” وذلك عطفًا على قلّة مصادري في هذا الشأن.

من النافل أنّه لا يجب أن يغيب عن البال في هذا السياق، أنّ وجاهة الأمثال وترابطها الحادّ مع شؤون الحياة اليوميّة للناس، ساقت حتّى الأنبياء إلى بثّ الأمثال في كتبهم المقدّسة إذ اكتست بعض هذه الأمثال طابع القداسة والكلام الربّاني المُنزّل من أعالي السماء.

المثل هو الذاكرة المنطوقة

فالمثل بشكل عام أكثر رحابة ممّا قد يتصوّر المرء، وهو أيضًا أكثر استعصاء على التجاهل من أيّ قول آخر مهما علا شأن صاحب هذا القول. فإذا كان التاريخ يحوك نسيج الحاضر على غفلة من أهل الحاضر فإنّ كلمات الأمثال، وعطفًا على غوصها العميق في التاريخ المحكيّ للناس، هي بمثابة الإبرة التي تتمّ من خلالها عمليّة النسج الشاقّة تلك. فالمثل هو الذاكرة المنطوقة بشكل يوميّ، وهو أيضًا الصمغ الذي يشدّ مجمل عناصر هويّة هذه المجموعة البشريّة أو تلك، تارة بمنتهى الصراحة والوضوح، وتارة عبر تلاوين الأقنعة والكلام المستدير غير المباشر بإطلاق.

فنحن بحضرة أمثال الشعوب لسنا إزاء نور باهت، إنّما إزاء عبارات تضيء دروب الحلال والحرام، ودروب الخسّة والكرامة، ودروب التقيّة والوضوح، وصولًا إلى دروب الجريمة والعقاب. وبالإذن من دوستويفسكي الذي لم تخلُ رواياته من الإتّكاء على الأمثال حيث اقتضت حاجة القص.

كم كان بودّي أن أسترسل في الحكي على الأمثال وفي الوقوف أكثر عند أبعادها الصريحة أو المسكوت عنها، إنّما تلك الضجّة الصادرة عن جيراني التعساء أودت بذهني إلى حال من التصدّع، ما أفقدني الحدّ الأدنى من القدرة على التركيز، وبالتالي متعة الاسترسال في هذا المقال… إنّهم جيران مزعجون يحفزّون بشدّة ذلك المثل الذي يقول: “الجار قبل الدار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى