الحاصباني في مرمى التعدّيات فهل يغدو مجرى النهر ملكًا خاصًّا؟ (ڤيديو)

عند ضفاف نهر الحاصباني، في المنطقة المعروفة بـ”مطحنة الشيخ” الأثريّة والتي تشكّل جزءًا من ذاكرة المكان، تبدّل المشهد الذي اعتاده المزارعون عقود عدّة، أكوام من حجارة وردميّات على ضفّة النهر، بدّلا من المشهد ومن مسار جريان المياه، الأمر الذي أدّى إلى جدل واسع في حاصبيّا، وأعاد فتح النقاش بين من يرى في ما يجري حقًّا قانونيًّا يستند إلى مسوحات عقاريّة، وبين من يعتبر ذلك مساسًا بالنهر الذي يُصنّف مجراه وضفّتيه ضمن الأملاك العامّة. وقد وثّقت “مناطق نت” مشاهد من الموقع تُظهر قيام هاني جنبلاط بوضع أحجار داخل مجرى النهر والبدء بأعمال تمهيديّة، حيث بدت بعض الصخور في وسط المجرى.

الحكاية بدأت عندما استعان هاني جنبلاط، وهو أحد مالكي البساتين المحاذية للنهر، بمهندس مساحة لإعادة إظهار حدود أملاكه، فأظهرت العلامات بحسب قوله أنّ بعض النقاط تقع ضمن حرم النهر، ما يعني أنّ المجرى الحالي في تلك النقطة هو ضمن أراضيه الخاصّة، وأنّ المجرى الأصليّ يقع في موقع آخر وفق جنبلاط الذي أشار لـ “مناطق نت” إلى أنّ ذلك دفعه إلى إطلاق أعمال تهدف إلى “إعادة النهر إلى مساره الطبيعيّ” واسترجاع جزء من أرضه.

اعتراض على تشويه المجرى

على الرغم ممّا قاله جنبلاط، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المجرى الحالي للنهر هو كذلك منذ نحو أربعة عقود، وفق أبناء المنطقة ممّن يعرفونه مثلما يعرفون انسياباته والأشجار الواقعة عند ضفافه، ومن أنّ يشكّل جزءًا ظاهرًا من مسار الحاصباني.

الأعمال التي يقوم بها جنبلاط أثارت اعتراضًا واسعًا من قبل أبناء حاصبيّا الذين يرون أنّ أيّ تدخّل في مجرى النهر يستوجب مراجعات قانونيّة وبيئيّة دقيقة، نظرًا إلى كونه من الأملاك العامّة. الأعمال أثارت أيضًا قلق مجموعة من أصحاب البساتين فعبّروا عن مخاوفهم من تأثير الأشغال على جريان المياه وطبيعة الضفّة، معتبرين أنّ النهر ليس مجرّد حدود عقاريّة، بل هو نظام بيئيّ متكامل ربّما يحمل أيّ تغيير فيه تداعيات غير محسوبة. وقالوا إنّ أيّ تدخّل في مجرى الحاصباني، يثير تساؤلات تتجاوز حدود الملكيّة إلى مسألة حماية الطبيعة والنظام المائيّ، معتبرين أنّ ما يحدث قد يغيّر واقعًا مائيًّا وبيئيًّا كان مستقرًّا منذ عقود طويلة.

صخور وردميات في مجرى الحاصباني (مناطق نت)
تبرير في غير محلّه

من جهته، يؤكّد هاني جنبلاط أنّ ما قام به “لا يشكّل تعدّيًا على نهر الحاصباني، بل يندرج في إطار استعادة حقّ مثبتًا قانونًا”. ويشير إلى أنّه تواصل “مع البلديّة والدرك والنيابة العامّة قبل المباشرة بأيّ عمل”. يتابع جنبلاط لـ “مناطق نت” أنّ “النيابة العامّة كلّفت مرّتين مسّاحًا قانونيًّا لتحديد الحدود العقاريّة، وبعد إجراء الكشف الميدانيّ وتثبيت النقاط، أُعطي الضوء الأخضر للبدء بالأعمال”. ويزعم جنبلاط أنّه “لا يأخذ شيئًا من النهر”، معتبرًا أنّ المجرى القائم منذ سنوات يقع داخل أرضه الخاصّة، فيما المجرى الطبيعيّ الأساسيّ، بحسب قوله “قائم على الضفّة المقابلة”.

وأشار جنبلاط إلى أنّ “النيابة العامة تتابع الملفّ حاليًّا، وربّما تقرّر إعادة النظر فيه من البداية، مع تكليف مهندس جديد لإعادة المسح، والكشف وتثبيت الحدود بصورة نهائيّة”. وأردف أنّ “القاضية المعنيّة حضرت شخصيًّا إلى الموقع، وأجرت كشفًا على العقارات، وطلبت إزالة تعدّيات قديمة”.

وفي هذا الإطار، تشير مصادر قانونيّة لـ “مناطق نت” إلى أنّ دور النيابة العامّة يقتصر على المتابعة القضائيّة، في حين تبقى التراخيص المرتبطة بمجاري الأنهر من صلاحيّة الوزارات المختصّة، وتحديدًا وزارة الطاقة والمياه.

قلق زراعيّ وبيئيّ

من جهته يرى عادل دربيّة، وهو مالك أحد البساتين المجاورة لموقع الأشغال، أنّ “المجرى قائم على هذا النحو منذ عشرات السنين، وأصبح جزءًا من الواقع الثابت”. وتساءل عبر “مناطق نت”: “هل يمكن تغييره بعد مرور كلّ هذا الوقت من الزمن؟”. ويعطي دربيّة مثالًا “إذا كان هناك طريق استُخدمت لعقود طويلة، ستصبح حكمًا ملكًا عامًّا ولا يمكن استرجاعها”. ويشير دربيّة أيضًا إلى أنّ الأضرار برأيه، “لا تقتصر على المساحات الزراعيّة، بل تمتدّ إلى إلغاء شلّال قديم في مجرى النهر يُقال إنّه يعود إلى عشرات السنين”، معتبرًا ذلك “يشكّل ضررًا بيئيًّا وتغييرًا في المشهد الطبيعيّ للنهر”. وتخوّف دربية من “انجراف الضفة في حال اشتدّ جريان المياه، بعد إدخال حفّارة ووضع أحجار وصخور داخل المجرى”.

أمّا ابن بلدة كوكبا المجاورة أنطوان صعب، فيرى أنّ “الضرر لا يقتصر على بلدة حاصبيّا، بل يمتدّ إلى كوكبا أيضًا”، معتبرًا أنّ “تغيير مجرى النهر ربّما يؤثّر في وصول المياه إلى القنوات الزراعيّة التي يعتمد عليها المزارعون في الريّ”. يتابع لـ “مناطق نت”: “الحدود القائمة قديمة جدًا، فما هي أسباب تعديلها اليوم؟”. وطالب صعب وزارة الطاقة والمياه “بإجراء كشف ميدانيّ، حفاظًا على حرمة النهر وحدود مجراه”. مؤكّدًا أنّه “من الطبيعيّ حصول أيّ طرف على حقّه القانونيّ، شرط ألّا يؤدّي ذلك إلى إلحاق الضرر بالآخرين”.

بدوره، يعبّر أنور وزير، وهو صاحب بستان في الجهة المقابلة، عن رفضه لأيّ تعديل في المجرى الحالي، مشيرًا إلى أنّ “هناك سدًا قائمًا منذ سنوات كان يساهم في توجيه المياه نحو الأقنية الزراعيّة، وأن تغيّر مسار النهر ربّما يمنع وصولها إليها”. ويرى وزير في حديث لـ “مناطق نت”: “أنّ النهر يُعدّ ملكًا عامًّا يجب الحفاظ عليه، وأنّ  الأضرار قد تطال مزارعي كوكبا وسوق الخان ممّن يعتمدون على مياهه للريّ. ويرى أنّ “السدّ القديم أصبح جزءًا من التراث المحلّيّ”. ويسأل: “ما مدى قانونيّة تغيير مجرى نهر يستخدمه المزارعون منذ عقود طويلة؟”.

النهر ليس أرضًا فارغة…

وفي موازاة السجال القانونيّ، يحذّر خبراء بيئيّون من أنّ أيّ تغيير في معالم نهر الحاصباني ربّما يحمل تداعيات تتجاوز النزاع العقاريّ، خصوصًا في ظلّ غياب دراسات أثر بيئيّ واضحة. من جانبه، يلفت الباحث في البيئة المائيّة الدكتور كمال سليم إلى أنّ “جميع الأنهار في لبنان تتمتّع بما يُعرف بحرم النهر، وهو نطاق ممنوع القيام بأيّ أعمال داخله من دون الحصول على الأذونات اللازمة والإشراف المتخصّص. يتابع سليم لـ “مناطق نت”: “إنّ أيّ تدخّل في مجرى نهر ما، سواء عبر الردم أو وضع الأحجار أو تعديل الضفاف، يستوجب إجراءات قانونيّة ورقابيّة مسبقة، تشمل الكشف الميدانيّ وإجراء الدراسات الضروريّة”.

ويشير الدكتور سليم إلى أنّ “تغيير معالم أيّ نهر أو مساره يُعدّ مسألة حسّاسة بيئيًّا، نظرًا إلى ما قد يخلّفه من آثار على جريان المياه والتوازن الطبيعيّ، وقد يرفع من مخاطر الفيضانات أو يبدّل طبيعة النظام البيئيّ المحيط”. ويؤكّد أنّ “الأنهار تُعدّ ملكًا عامًّا يجب احترامه، وأنّ إدارة أيّ تعديل في مجراها ينبغي أن تتمّ بإشراف وزارات وجهات رسميّة مختصّة، ليس من خلال مبادرات فرديّة أو قرارات محلّيّة منفردة”.

د. سليم: تغيير معالم أيّ نهر أو مساره يُعدّ مسألة حسّاسة بيئيًّا، نظرًا إلى ما قد يخلّفه من آثار على جريان المياه والتوازن الطبيعيّ

يضيف الدكتور سليم “يشهد  لبنان عديدًا من التجاوزات المرتبطة بالمجاري المائيّة، ما يستدعي تنظيمًا صارمًا لهذه المسائل، حتّى في الحالات التي تُطرح فيها حجج قانونيّة تتعلّق بالملكيّة الخاصّة”. ويرى أنّ الحفاظ على البيئة والمجرى التاريخي للنهر يجب أن يكون أولويّة، وإنّ “البيئة تبقى الأهمّ”، وأنّ أيّ تغيير في معالم الطبيعة يستوجب دراسة دقيقة توازن بين الحقوق الفرديّة والمصلحة العامّة.

احترام حرم النهر شرط أساس

من جهتها، تشير الخبيرة البيئيّة فيفي كلّاب إلى أنّ “الأملاك العامّة النهريّة والبحريّة نطاق لا يجوز القيام بأيّ أعمال داخلها من دون إذن مسبق من وزارة الطاقّة والمياه”. وتلفت في حديث لـ “مناطق نت”، إلى أنّ “الإطار القانونيّ في لبنان لا يزال يفتقر أحيانًا إلى الدقّة في تحديد بعض المناطق، إضافة إلى ضعف التطبيق العمليّ، ما أدّى تاريخيًّا إلى حصول تعدّيات”.

وتؤكّد كلّاب أنّ “أيّ نزاع من هذا النوع يتطلّب العودة إلى المسح الفعليّ للأرض مع الأخذ بعين الاعتبار جميع المعطيات الطبيعيّة والقانونيّة”، مشددة على أنّ “للبلديّة دورًا في المتابعة، خصوصًا في حال وجود اعتراضات من المالكين المجاورين”. وتوضح أنّه “حتّى في الحالات التي يتغيّر فيها مجرى النهر بفعل عوامل طبيعيّة، تبقى مسؤوليّة تنظيم المسار على عاتق الدولة، ما يستوجب الحصول على إذن رسميّ قبل المباشرة بأيّ عمل”.

وترى أنّ “الحقّ في الملكيّة مقدّس، إلّا أنّ الأولويّة تبقى لتقييم الأثر الناتج عن أيّ تدخل في الطبيعة”، مشيرة إلى أنّ “إجراء دراسة أثر بيئيّ يصبح ضروريًّا عندما يكون هناك اعتراضات أو احتمال تغيّر في جريان المياه، لما قد يسببه ذلك من أضرار على الأراضي المجاورة أو على وصول المياه إلى مستخدمين آخرين”.

وتضيف أنّ “إدخال آليّات أو وضع أحجار داخل مجرى النهر يستوجب رقابة صارمة وإجراءات قانونيّة واضحة”، لافتة إلى أنّ “دور النيابة العامّة والدرك يقتصر على ضبط المخالفات أو التأكّد من وجود التراخيص، وليس منح الإذن بالأعمال بحدّ ذاته، الذي يبقى من صلاحيّة الجهات الإداريّة المختصّة”.

من دون إذن مسبق

وفي إطار متابعة الملفّ، تواصلت “مناطق نت” مع وزارة الطاقة والمياه، التي أكدت مصادرها أنّ صاحب العقار لم يحصل على إذن مسبق من الوزارة حتّى الآن، مشدّدة على أنّ هناك عديدًا من المخالفات المرتبطة بالمجاري المائيّة في لبنان يجري العمل على متابعتها ومعالجتها وفق الأصول القانونيّة.

وأوضحت المصادر أنّ “القوانين المرعيّة الإجراء لا تمنع أصحاب العقارات من تثبيت حقوقهم ضمن حدود الملكيّة الخاصّة، إلّا أنّ أيّ أعمال تمسّ مجرى النهر أو ضفافه تبقى خاضعة لإذن مسبق من الوزارة حصرًا، باعتبارها الجهة الرسميّة المسؤولة عن إدارة الأنهار والأملاك المائيّة في لبنان”.

تعديات على مجرى نهر الحاصباني (مناطق نت)

وأشارت مصادر الوزارة إلى أنّ “تنفيذ أيّ أعمال داخل النهر سواء كانت ردمًا أو وضع أحجار أو تعديلًا في الضفاف، يستوجب إجراء كشف ميدانيّ من قبل فرقها المختصّة للتأكّد من عدم الإضرار بالمجرى الطبيعيّ أو بالمصلحة العامّة”. ولفتت إلى أنّ هذا “النوع من الملفّات يتطلّب تنسيقًا مباشرًا مع الوزارة قبل المباشرة بأيّ خطوة تنفيذيّة”.

البلديّة لن تقبل أيّ تعدٍّ

من جهته، يوضح رئيس بلديّة حاصبيّا لبيب الحمرا، أنّ البلديّة تعتبر الأعمال الجارية ضمن حدود الملكيّة الخاصّة بصاحب العقار، مشيرًا لـ “مناطق نت” إلى أنّ “ما يُنفّذ وفق الخرائط المتوافرة، لا يتجاوز الحدود الطبيعيّة للأرض ولا يشكّل تقدّمًا داخل مجرى النهر”. ويؤكّد أنّ “البلديّة لن تقبل بأيّ تعدٍّ، حتّى ولو كان سنتيمترًا واحدًا، إذا ثبت أنّه يقع ضمن حرم النهر أو أملاكه العامّة. لكن وزارة الطاقة تقدّم قراءة مختلفة لطبيعة الصلاحيّات المرتبطة بالمجاري المائيّة”.

ويرى الحمرا أن المجرى الحالي للنهر تغيّر عبر الزمن، معتبرًا أنّ الخرائط المساحيّة هي المرجع الأساس لتحديد الحقوق، وأنّ النهر عاد بحسب وصفه إلى مجراه الطبيعيّ. وفي الوقت نفسه، يشدّد على أنّه لا يحقّ لأيّ جهة القيام بأعمال مباشرة داخل النهر نفسه من دون الأطر القانونيّة اللازمة.

ويختم بالدعوة إلى “تهدئة الأجواء وعدم الانجرار خلف ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعيّ”، ويختم أنّ “معالجة الملف يجب أن تتمّ عبر القنوات القانونيّة والرسميّة بعيدًا من التشنّج”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى