ذاكرة وأمكنة

محمد لمع يفتح صندوقة العمر: حكايته مع كامل مروة وخطبة العلايلي من 3 كلمات! (1)
زهير دبس

بعيداً عن الأرقام ولغتها وعن الاقتصاد ومادته الجافة، وقريباً من سردية السير الذاتية وجاذبيتها، سلكت المقابلة الصحافية مع محمد لمع طريقها إليه، فنائب رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان لم يهبط إلى مبنى الغرفة الكائن في شارع سبيرز بالمظلة، ولم ينتقل إلى ذلك الموقع بالوراثة أو بالتجيير، بل كان طريقه إليه متعرجاً وفيه الكثير من المنعطفات، وكانت مؤونته في رحلته الطويلة هي جسارته على احتمال الصعاب، واختزانه من المثابرة ما يفوق صبره، ووقوده شغف في الوصول لم ينضب.

في مكتبه، سنون عمره ما زال نصفها عالق على الجدران والنصف الآخر في الذاكرة، صور تؤرخ تاريخه بأحداث وعهود وشخصيات ومناسبات، فالتأمل فيها، إبحار في كل الاتجاهات، ومع شروحات الاستاذ محمد، كل منها، يغدو حكاية وقصة، لكن لا يخلو الأمر من حيرة أصابتنا…ماذا ننتقي وبمَ نبدأ؟

في سن مبكرة دخل محمد لمع سوق العمل.. لم يستهوه العمل في التجارة حيث عمل في محل لبيع الأحذية وهو لم يكن تجاوز الثلاثة عشر ربيعاً… أغوته الصحافة وسحره العمل بها، فهي الهواية التي أحبّها منذ الصغر وعشقها في الكبر، ساعده في ذلك لغته العربية المتينة وتنبؤ أستاذه جوزيف نعمة حيث كان يتلقى تعليمه في مدرسة المزرعة الرسمية للصبيان في العام ١٩٥٥ «بأن مستقبله سيكون في الإعلام».. في تلك المدرسة ألقى محمد لمع العديد من الخطابات، فلفتت الانتباه إلى مؤهلاته المنبرية وحسن استخدامه للكلمات والمفردات.

حلمه بالانتقال إلى الصحافة لم ينتظر طويلاً، ففي عمر الـ١٥ عاماً بدأ الكتابة لبريد القراء في صحيفتين كانتا تصدران حينها هما «بيروت المساء» للمرحوم عبدالله المشنوق و«السياسة» للمرحوم عبدالله اليافي، والأخيرة كان يرأس تحريرها محمد أمين دوغان، وفيهما نشر مقالاته الأولى، وكان لرؤية اسمه مُذيّلاً تلك المقالات أثراً بالغاً في نفس محمد الذي انتقل بعدها في العام ١٩٥٩ إلى العمل الفعلي في الصحافة، عندما اصطحبه الدكتور المرحوم محمد علي الرز الذي كان نائباً لرئيس حزب النجادة إلى الصحافي الراحل كامل مروة صاحب ورئيس تحرير جريدة “الحياة” حينها، فشكّلت تلك الزيارة صفحة أساسية في حياة محمد لمع.

اللقاء مع مروة بحضور الرز كان محورياً بالنسبة للمع وهو لم يخلُ من المشاعر الأبوية، وفيه قال مروة له: «بعدك ولد.. كاتب شي؟ ناشر شي؟». فأجابه لمع «نعم لدي مقالات نشرتها في صحف عدة». وأبرز مقالاته لمروة، فعلّق عليها الأخير «هالمقالات إلك أو حدا كاتبلك ياهن؟» فرد لمع بشكل حازم «لا ما حدا كاتبلي ياهن.. هيدي المقالات لإلي أنا كاتبها». حينها رد مروة موافقاً على عمل لمع في «الحياة» مشترطاً عليه البدء في قسم التصحيح، بغية التمرُّس أكثر على اللغة وعلى الأسلوب الصحافي.

عن تلك المرحلة يقول لمع: «تاريخ بدئي العمل في جريدة الحياة لا أنساه وهو كان في العشرين من آب من العام ١٩٥٩ وقد استمر حتى العام ١٩٧٥. ويتابع «عملت لأكثر من سبعة أشهر في قسم التصحيح إلى أن أرسل في طلبي مروة قائلاً لي: «ستبدأ بالنزول إلى بلدية بيروت وإلى مبنى وزارة المالية لتكون مندوباً للجريدة في هاتين المؤسستين الرسميتين مصحوباً ببطاقة تعريف كمندوب لـ «الحياة» هناك»، وهكذا حصل فبدأ لمع عمله. وعن تلك الفترة يقول «كان رئيس بلدية بيروت حينها أمين بيهم والمحافظ هو نقولا رزق الله، فكنت أبدأ عملي في «البلدية» متنقلاً بين طبقاتها مستطلعاً أمورها وشؤونها، وعندما كنت أنجز أعمالي فيها أنتقل إلى «المالية» وأقوم بالعمل نفسه حتى كسبت ثقة الجميع في «البلدية» و«المالية»، وهناك تعرّفت على العديد من الشخصيات التي كان لها وزنها في البلد أمثال وزير المالية حينها عثمان الدنا الذي كانت تربطني به علاقة صداقة متينة والدكتور خطار شبلي الذي كان رئيساً لمصلحة الموازنة والدكتور زكي مزبودي الذي كان رئيساً لمصلحة الواردات وأندريه تويني الذي كان مديراً عاماً للمالية وغيرهم». يتابع لمع «في المساء كنت أعود إلى الجريدة محملاً بالأخبار الخاصة غير المعروفة، الأمر الذي زاد من رصيدي الصحافي وعزّز موقعي في العمل».

عمل لمع تزامناً مع عمله في «الحياة» في سبع مؤسسات.. وصل الليل بالنهار وعندما كان ينام أربع ساعات يشكر ربه على تلك النعمة. من «الكفاح العربي» إلى «الأحد» و«المحرر» و«الأوريان لو جور» و«الدايلي ستار» وصولاً إلى «وكالة أخبار لبنان» و«وكالة الأوريون برس» مع رؤوف أبو زكي.

تنقل لمع بين أقسام «الحياة» بسرعة، ساعدته في ذلك، علاقاته التي كانت تنمو باضطراد يوماً بعد يوم، فتم تعيينه رئيساً للقسم الاقتصادي وهو في سن صغيرة، وقد كتب له حينها كامل مروة «إلى ولدي المدلّل محمد لمع». ويقول لمع إن «الحياة» حينها كانت الأقوى بين الصحف توزيعاً وانتشاراً، لأنها كانت تصل إلى أميركا وتدخل الأسواق العربية من دون مراقبة وكانت تضم نخبة الصحافيين في البلد أمثال جاكلين نحاس، محمد حوماني، باسيل دقاق، جورج شامي، راجح الخوري، هنري حاماتي، رفيق المعلوف وعرفان نظام الدين، حيث كنا نشكّل عائلة واحدة متكافلة ومتضامنة الكل يكن المحبة والمودة للآخر.

ويذكر لمع أن المرحوم غسان تويني طرح على مروة في أكثر من مرة الدمج بين جريدتي «الحياة» و«النهار» لكن مروة لم يوافق. وأشار إلى أن عروضاً كثيرة انهالت على مروة لكي يكون وزيراً أو نائباً لكنه كان يرفض ذلك، قائلاً «لا أريد لا وزارة ولا نيابة اتركوني في جريدتي». وقال لمع أن معظم شخصيات البلد كانت تزور مكاتب «الحياة» منهم كميل شمعون وشارل مالك والإمام الصدر وعادل عسيران. ويتذكر لمع سيارة الرئيس صائب سلام التي كان يرفرف عليها العلم اللبناني وتحمل لوحتها الرقم ٣ وهي تقف أمام مبنى الجريدة لينزل منها «صائب بيك».

عن كامل مروة يقول لمع «كان قامة إعلامية كبيرة وتوجيهاته لنا كانت التحذير من اللعب في الخبر، أما الرأي فنحن أحرار فيه». يتابع «كان يأتي إلى الجريدة الساعة الثانية بعد منتصف الليل فيعدل المانشيت ويعاود كتابة الافتتاحية تبعاً للأحداث الحاصلة». ويروي لمع إحدى الصدف التي حصلت معه في العام ١٩٦١ وهي عندما حضر مروة في الرابعة صباحاً بسبب انقلاب حصل في سوريا وكان الخطاط غائباً، فغير مروة المانشيت لتصدر«الحياة» في اليوم التالي بخط محمد لمع الذي يتمتع بخط جميل، والسبب في ذلك هو أن مروة أرسله ليتعلم الخط عند الخطاط كامل البابا الذي تلقى على يديه أصول الخط ومن ثم تابع ذلك لدى الخطاط فريد عنداري.

في عمله مسؤولاً لقسم الاقتصاد في «الحياة» نسج لمع علاقات عديدة وكثيرة منها مع الشيخ بطرس الخوري ورفيق الغندور وعبدالله خوري، وأيضاً مع الشيخ عبدالله العلايلي، وعن الأخير يقول «ربطتني صداقة مع العلايلي من خلال مقابلات أجريتها معه، فكنت أقرأ له وأعرض عليه ما أكتب. وتشاء الصدفة أن دُعينا لمناسبة تأبين شهيد، فطلبت منه أن يُلقي كلمة في الحفل وكان برفقة طلال سلمان فصعد إلى المنبر وقال: «ما عرفته إلا شهيداً.. وكفى» في الإشارة إلى أن العلايلي لم يكن يعلم شيئاً عن الشهيد.

عن حادثة اغتيال مروة في مكاتب «الحياة» يقول لمع: «كان يوم إثنين وكنا قد أنهينا اجتماع التحرير نهاراً وانصرف مروة بسبب انشغاله في حفل عشاء على شرف الرئيس السنغالي ليوبولد سنغور في القصر الجمهوري الذي كان سيقام مساءً، وقال مروة بعده «سأسافر لمدة عامين وسأجول العالم»، وعيّن مكانه متابعاً لأعمال الجريدة أكرم زعيتر الذي أصبح رئيساً للديوان الملكي في الأردن ووزيراً للخارجية. يتابع لمع: «في المساء اتصل أحد مدبري عملية الاغتيال طالباً من مروة الحضور بسبب أمرٍ ما، فما كان من مروة إلا أن توجه إلى مبنى الجريدة، فقام بتغيير المانشيت وببعض الأمور استعداداً للصعود إلى القصر الجمهوري». يتابع لمع: «في ذلك الوقت كنت أنا خارج الجريدة لاستلام رسالة مراسلنا في عمان التي بعث بها مع السيدة آسيا الخرسا. فعدت إلى الجريدة لأجد الشرطة وسيارات الإسعاف أمام مبنى الجريدة، ثم عرفت أن المرحوم كامل مروة قد قضى اغتيالاً على يد عدنان سلطاني الذي كان يزور الجريدة يومياً ويلتقي مروة في مكتبه وذلك بالاشتراك مع عامل الهاتف في الجريدة محمود الأروادي، الذي كان يرصد تحركات مروة لحظة بلحظة. وهكذا قضى مروة في ١٦ أيار من العام ١٩٦٦ عن عمر ناهز ٥٢ عاماً».

بالإضافة لعمله في «الحياة» تولى لمع تحرير مجلة «غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان» بدءاً من العام ١٩٦٣ حيث عمل أيضاً مستشاراً لرئيسها حينها كمال جبر إلى أن أصبح عضواً في مجلس الإدارة في العام ١٩٩٢ وصولاً إلى نائب رئيس في العام ١٩٩٦ وحتى الآن.

 

 

 

 

 

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق