قضايا ومتابعات

أعداد المغتربين.. مبالغة وتوظيف

زهير دبس

خلال مؤتمر صحافي عقده في مبنى وزارة الخارجية والمغتربين وقطعت المحطات التلفزيونية برامجها لنقله مباشرة، أعلن وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل أن عدد المغتربين الذين سجلوا أسماءهم للمشاركة في الانتخابات التي ستجرى في ايار من العام ٢٠١٨ بلغ 90 الف لبناني. الرقم الذي اعلن الوزير انه مصدر فخر واعتزاز وانجاز يسجل للوزارة التي يترأس، يطرح تساؤلات عدة منها نسبة هذا الرقم لعدد المغتربين، ويطرح أيضا حقيقة الارقام التي انزرعت في الذاكرة الجمعية اللبنانية والتي تقول أن أعداد المغتربين اللبنانيين والمتحدرين من أصل لبناني في العالم هي أربعة عشر مليون مغترب ثمانية ملايين منهم في البرازيل وحدها. وإذا كان متعذراً حساب نسبة المغتربين الذين تسجلوا قياساً لأعداد المغتربين نظراً لعدم وجود أرقام دقيقة، فإن نسبة هؤلاء تبلغ ٢.٥ في المئة نسبة لعدد الناخبين المقيمين في لبنان والذي يبلغ نحو٣ ملايين و٦٢٧٩٦٥  ناخب.

وإذا كان الرقم هو الفيصل في تصويب الأمور والبت بها، فإنه في لبنان الذي يعيش حمى الأرقام في كل شيء عبارة عن سلاح يتقاذفه الجميع في ميزان الغلبة التي لم تستطع أرقامها ترجيح أي فريق على آخر. من هذه الخلفية يتم زجّ ملف المغتربين في معركة الأرقام والتي تدخل في بازار موازين القوى السياسي والطائفي. ومن باب الخلل الديمغرافي الذي شهده لبنان منذ بداية سنوات الحرب وحتى الآن، يجري توظيف أرقام المغتربين لعلها تعيد من الخارج تعديل ما أصاب أرقام الداخل من خلل. وبالرغم من أن إحدى خلاصات إتفاق الطائف تقوم على مبدأ “وقف العد” من خلال المناصفة بين المسلمين والمسيحين، إلا أن ذلك لم يطمئن الشريك الآخر الذي يفتش بلا هوادة عن سبيل يعيد فيه التوازن الطائفي إلى ما كان عليه.

وليس من باب الصدفة أن نجد معظم المشاركين في مؤتمر الطاقة الاغترابية بنسخاته الأربع والتي نُظِّمت في السنوات الأربع الماضية والذين يتم دعوتهم وفق لوائح إسمية هم من القارة الأميركية (بشقيها الشمالي والجنوبي) وكندا وأستراليا وأوروبا، فيما المشاركة الاغترابية الإفريقية والخليجية تكون عادةً شكلية.

وفي العودة إلى موضوع الأرقام، لماذا يتم تضخيم حجم الإغتراب اللبناني والمتحدرين من أصل لبناني (من حيث العدد)، والذي يفتقد إلى الكثير من الدقة والموضوعية، ومن أين يأتي المسؤولون بها؟ وكلما تبوأ واحد منهم منبراً يبدأ بتوزيع الأرقام يميناً وشمالاً، وكيف يحتسب هؤلاء هذه الأرقام؟ وهل استندوا في أرقامهم هذه إلى دراسات حول السكان وهذا علم قائم بحد ذاته. وبمعادلة بسيطة، كيف يصبح عدد المهاجرين الذين بدأوا هجرتهم قبل مئة وخمسين عاماً أكثر بأربعة أضعاف من أعداد المقيمين. وإلى أي معادلة حسابية استند هؤلاء. وإذا افترضنا أن نصف عدد سكان لبنان هاجر منذ ذلك الحين واستمر في الهجرة حتى الآن، فكيف يكون وصل أعداد الذين هاجروا إلى أربعة عشر مليوناً فيما عدد المسجلين في دوائر الأحوال الشخصية في لبنان بما فيهم المقيمون خارج لبنان، ومنهم من يحمل جنسيتين وفق «الدولية للمعلومات» هو خمسة ملايين وثلاثمائة ألف نسمة. والسؤال الذي يطرح وهو مثير للتساؤل من أين جاء رقم الثمانية ملايين في البرازيل؟

الاغتراب اللبناني ليس واحداً في العالم، لا من حيث الانتشار والأماكن التي قصدها اللبنانيون، ولا من حيث المناطق التي هاجروا منها من لبنان، ولا من حيث المسافة الزمنية الممتدة مئة وخمسين عاماً، وبالتالي فإن العديد من اللبنانيين الذين غادروا لبنان منذ فجر الهجرة وخلال فترات بعيدة، اندمجوا في البلدان التي أقاموا فيها وأصبحوا مواطنين فيها ولم يعد لبنان بالنسبة إليهم سوى حكايات الأجداد، ونحن نتحدث عن أربعة أجيال وأكثر… لم تعد النوستالجيا تصلح لإعادة لبناني استوطن بلداً وأصبح مواطناً فيه مع كل ما يقدمه ذلك البلد من خدمات ورفاهية. والأوطان لم تعد حفنة من الذكريات بل أصبحت فلسفة حياة وأسلوب عيش. وهنا لا بد من التساؤل عن حجم الاستثمارات التي قرّر البدء بها الملياردير اللبناني كارلوس سليم أثناء زيارة بلده الأم الذي هجره جده عام ١٩٠٢. لذلك لا بد من سؤال؟ كم هو عدد اللبنانيين الذين سجّلوا أسماءهم لاستعادة جنسية آبائهم وأجدادهم، وبناءً عليه يتم تبيان حقيقة الأربعة عشر مليون متحدّر من أصل لبناني.

بالعودة إلى رقم التسعين ألفاً الذين تسجلوا في الانتخابات المقبلة وبالمناسبة هو أقل من عدد ناخبي قضاء النبطية بحوالى عشرين ألفاً، فإن توزّع الأرقام الكبيرة من المشاركين وفق بعض المصادر جاء من برلين في ألمانيا، وولايات ديترويت،  واشنطن، لوس انجلوس وأريزونا في الولايات المتحدة الأميركية، مونتريال واوتاوا في كندا، وأبيدجان في أفريقيا. وعليه، هذه الرقم خجول، بينما لم نلحظ أرقاماً مهمة في الدول التي ندّعي أنها تحتضن جاليات لبنانية تضمّ مئات الآلاف، لا بل ملايين.

المبالغة في مقاربة ملف الاغتراب بالرغم من أهميته، يثير جدلاً ويطرح علامات استفهام حول مقاربة هذا الملف والذي من المفترض أن يكون حيوياً بالنسبة لبلد كلبنان، في ظل ما يعانيه من مشاكل تعصف به وكادت أن تؤدي إثر استقالة الرئيس سعد الحريري أن تعيد اللبنانيين في الخليج قسراً وبالرغم عنهم إلى بلدهم. فالمقاربة تتطلّب أن تكون وطنية شاملة تعيد اللبنانيين كمواطنين إلى وطنهم، لا أن تعيدهم أرقاماً في حسابات الطوائف. وقبل أن ندعو المغتربين للعودة إلى حضن الوطن من خلال المشاركة في الانتخابات وبالتالي المشاركة في القرار السياسي، فلنبادر إلى بناء وطن يليق بتطلعات المقيمين والمغتربين على السواء. وأن نبادر إلى إزالة الأسباب التي أدّت إلى هجرت هؤلاء منذ عشرات السنين. وهنا يُطرح سؤال بسيط حول إسم الوزارة التي يقترن إسم المغتربين بها «وزارة الخارجية والمغتربين»، والسؤال هل هناك سياسة خارجية واحدة موحّدة يطل بها لبنان على العالم، وما هي ثوابت هذه السياسة وهل هناك إتفاق وتنسيق بين الوزير الذي يترأس هذه الوزارة وبين رئيس الحكومة.

وبعيداً عن المبالغة، المغتربون اللبنانيون في العالم يلعبون دوراً مهماً في إبقاء هذا البلد قابلاً للحياة بفضل تحويلاتهم التي تبلغ سنوياً حوالى سبعة مليارات دولار وفق أرقام البنك الدولي وتشكّل نسبة مهمة من الناتج المحلي. وتحويلاتهم هذه تؤمن صمام أمان ومظلة إجتماعية لمئات الأسر التي تعتاش بفضل هذه التحويلات. إن تحويل المغتربين إلى طاقة في وطنهم يحتاج ليس إلى إشراكهم في الانتخابات فقط، بل استعادتهم كمواطنين كاملي الانتماء من خلال وطن حاضن يؤمن الحد الأدنى من قيم المواطنة التي يفتقدها المقيمون ويتوقون إليها وفي كثير من الأحيان يحسدون المغتربين على غربتهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق