متابعات

إضراب أساتذة “اللبنانية”.. صرخة لإنقاذ الجامعة

تتوالد أزمات الجامعة اللبنانية التي سلّمها السياسيون للإهمال المتعمّد والمقصود. فلقد قرّر أهل السلطة تجفيف منابع تمويل الجامعة اللبنانية وخفض ميزانيتها. هذا الإجراء ليس نتيجة الأزمة الاقتصادية الحالية، فمنذ أيار 2019 باشر الأساتذة إضرابًا محتجين على تخفيض مخصصات الجامعة، وها هم اليوم يعلنون الإضراب للسبب نفسه مطلقينها صرخة تحذير من مصير التلاشي الذي سيؤول إليه التعليم الجامعي، في حال لم يُتّخذ القرار السياسي الجدّي والمسوؤل لاجتراح حلول تحيّد الصرح الوطني الحاوي لحوالي 90 ألف تلميذ عن الانهيار الشامل الذي يغرق فيه لبنان.

الأزمة الآخذة في الاتّساع تتوزّع على مستويات عدّة تطال أهل الجامعة وكل من ينتمون إلى دائرتها؛ أساتذة بكل مسمياتهم؛ ملاك، متفرغين، متعاقدين، ومتقاعدين، عمداء، مدربين، موظفين، طلاب. حتّى الأبنية والمختبرات والمكتبات والأجهزة والمواد التشغيلية كلّها طالها الضرر وزحف نحوها الاهتراء. ينفّذ الأساتذة إضرابهم المحق، حيث تتشعّب مطالبهم وقضاياهم، ولكن تتوّج كل هذه الأزمات المتفرّعة أزمة مركزية تتلخّص بإشكالية وجود الجامعة اللبنانية وكيفية الحفاظ عليها واستمرارها.

من يهدم وطنًا يدمّر جامعة

تهاوي الجامعة اللبنانية يؤذن بانهيار القطاع التربوي وبالتالي الوطن، بحسب د. خالد كمّوني أستاذ ومدير قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية فرع الشمال. يتابع د. كموني لـ “مناطق نت” “الوطن يسقط عندما تصير الجامعة عاجزة عن إنتاج النخب والعقول التي يعوّل عليها في إعادة تأسيس المجتمع وبناء الدّولة. والطبقة السياسية عندما تنوي النهوض بالبلاد، فإنّها ستصلح أوّلًا من حال الصرح التربوي الأوّل وهو الجامعة، لكن الطبقة السياسية تقصد إلى إفساد ممنهج ومنظّم وعميق لمؤسسات الدولة وبخاصة التربوية منها، لأنّ المفسد يهدف إلى تعطيل العقل وضربه”.

الوطن يسقط عندما تصير الجامعة عاجزة عن إنتاج النخب والعقول التي يعوّل عليها في إعادة تأسيس المجتمع وبناء الدّولة

في السياق نفسه لا تفصل أستاذة الفلسفة في فرع الفنار د. نايلة أبي نادر، أزمة الجامعة عن المشكلات الكثيرة التي يغرق فيها اللبنانيون، ويبدي السياسيون بالمقابل عجزًا عن إدارتها، لانتشال المجتمع من السقوط الذي يهوي إليه. د. أبي نادر قالت لـ “مناطق نت” “يجب أن يسرعوا في إيجاد حلول لإنقاذ الجامعة التي تنازع، وإلا فإن مصيرها سيكون الهلاك، وهو سيؤدي إلى انهيار الوطن، لذا لم يعد مسموحًا إهمال التربية والتعليم”. ويذهب د. فداء بو حيدر أستاذ مادة علم الاجتماع، إلى أنّ الوطن كلّه يعاني والقطاعات كلّها هي ضحية نظام لا يريد أن يبني مواطنًا، بل يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه من خلال استمرار وضع يده على الجامعة.

الموازنة وصندوق التعاضد.. مطلبان أساسيان

يركّز رئيس الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانية، د. عامر حلواني على مطلب تعزيز الموازنة باعتبارها الإشكالية التي تتقاطع عندها المآزق ذات الأبعاد المتعدّدة التي تشلّ عمل الجامعة وتعيق إمكانية استمرار التعليم. فالأساتذة المتفرغون لا يتجاوز راتبهم المئتي دولار، والمتعاقدون يحصلون سنويًا على ما لا يتجاوز الألف دولار، من هنا شدد د. حلواني في حديثه لـ “مناطق نت” على ضرورة تثبيت الأساتذة وإدخالهم إلى الملاك، وتفريغ المتعاقدين، لأنّ الوضع المعيشي الذي ضاق بأساتذتها يدفعهم إلى الهجرة وبالتالي ستُفرّغ من طاقاتها.

من إضراب أساذة الجامعة أمس

كما أنّ عدم استجابة السلطة لمطلب دعم الموازنة يدفع إلى زيادة الأقساط على الطلّاب لسدّ حاجات الجامعة ومتطلّباتها، وهذا يعني إثقال كاهل الطلاب بأعباء مادية لا قدرة لهم عليها. كما أنّ صندوق التعاضد هو مكسب تاريخي وحقّ للأساتذة يجب العمل للحفاظ عليه”. يضيف د. حلواني “لا نلمس تعاطيًا جدّيًا من المسؤولين مع ملفات الجامعة، ومشروع الموازنة هو في عهدة مجلس النواب وإضرابنا نضعه في سياق الضغط لإيلائه الاهتمام اللازم، وإلا فنحن مستمرون بالإضراب القسري لأننا بتنا عاجزين عن المضي في ظلّ هذه الأوضاع المستعصية”.

لن نسمح بسقوط الجامعة

إذا حققنا بعضًا من مطالبنا وتركنا الجامعة إلى أزماتها، فكأننا لم نحقٌق شيئًا. يقول دكتور التنمية وعلم الاجتماع عبدالله محي الدين لـ “مناطق نت” “إنّ التحرّك الحاشد اليوم هو حراك أوّلي ينشد استعادة الجامعة الوطنية واللاطائفية التي باتت في خطر نتيجة إطباق السياسيين عليها، والذين لا يهتمّون بتخليصها من الهاوية التي أودوا بها إليها، لأنّ تراجعها يعني انتعاش جامعاتهم الخاصة، لذا يجب أن نكون الحماة والمدافعين الذين يدرأون عن الجامعة المصير الأسود ويريده لها النظام السياسي”. ولفت د. محي الدين إلى إصرار الأساتذة بأوضاعهم كافة على المضيّ في تصعيد نضالي متراكم وممنهج وهادف من خلال الهيئات والأطر النقابية التي يجب أن تراجع أداءها وتطوّره لتصير قادرة على التمثيل النقابي الصحيح. فتحرّك اليوم لن يكون يتيمًا أو مبتورًا بل سيُبنى عليه للضغط على المجلس النيابي من أجل إقرار الموازنة. وأشكال التحرّك من أجل مستقبل الجامعة التي لن نسمح بانهيارها، ستتعمّق وتتوسّع لتضمّ إليها الطلاب، فنقطة ضعف اعتصام اليوم هو عدم وجود طلابنا إلى جانبنا”.

الأزمة الآخذة في الاتّساع تتوزّع على مستويات عدّة تطال أهل الجامعة وكل من ينتمون إلى دائرتها؛ أساتذة بكل مسمياتهم؛ ملاك، متفرغين، متعاقدين، ومتقاعدين، عمداء، مدربين، موظفين، طلاب. حتّى الأبنية والمختبرات والمكتبات والأجهزة والمواد التشغيلية كلّها طالها الضرر وزحف نحوها الاهتراء
استعادة استقلالية الجامعة

بالإضافة إلى المشكلات التي أجمع عليها الأساتذة، يعتبر د. علم الاجتماع المتقاعد عماد سماحة، أنّ بداية تراجع الجامعة اللبنانية بدأ منذ 1997 حين فقدت استقلاليتها وأُلحقت بمجلس الوزراء، فصارت مستباحة أمام التدخّلات السياسية التي جرّتها إلى منطق التقاسم والتحاصص والتوزيع الطائفي والحزبي والسلطوي. وطالما أنّ هذه المنظومة السلطوية نفسها ستبقى جاثمة وقابضة على مصير الجامعة، فإنّ آفاق النهوض بها ستبقى مسدودة، إلا في حال تطوير شكل النضال لتحصينها من خلال حركة نقابية تعي تمامًا دور الجامعة الوطني فتكفّ يد السياسيين عنها.

علاقتنا بجامعتنا؛ طلابًا وأساتذة هي علاقة انتماء، مبنية على قناعة راسخة بأنّ الخروج من قاع الهاوية التي حفرتها لنا أيادي النظام الطائفي السوداء لا يكون إلا بالتربية والتعليم. والجامعة اللبنانية هي بناء تاريخي وطني، شيّدته نضالات وطنيين تسلحوا بالوعي التام  أنّ هذه الجامعة لن تكون فقط صرحًا تربويًا نفتخر به، بل هي أيضًا الواحة التي تذوب في رحابها حدود التفريق والتشرذم الطائفي والسياسي والأيديولوجي والمناطقي، فيلتقي عندها اللبنانيون جميعًا، إنها المكان الذي يصدح فيه صوت الشباب اللبناني بالتغيير والحرية والانعتاق من قيود الظلام الذي لن يبقى قدرنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى