مُعاش

اقتناء المواشي والدواجن إلى ازدياد.. البقاعيون يصنعون أمنهم الغذائي بأيديهم

“اقتنيت بقرتين وثلاثة رؤوس من الأغنام، لتأمين حاجة عائلتي من الحليب ومشتقاته وليس للتجارة”. يقول الأستاذ في التعليم الرسمي من آل المولى، من سهل حربتا، ويضيف أنه لو استطاع اقتناء المزيد من المواشي والدجاج لفعل بغية تأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي لعائلته، وهذا ما أصبح هاجس معظم البقاعيين في بعلبك الهرمل. يشرح الأستاذ الذي يبلغ راتبه الشهري مليون وسبعمائة الف ليرة، أن ذلك الراتب لا يكفي لمعيشة فرد واحد من أفراد أسرته.

فقراء جدد ومستجدون على أبواب الانتخابات النيابية التي لن تغير شيئاً من واقع الحال. كانوا بمعظمهم من الطبقة الوسطى التي انحدرت إلى القاع ولم تعد موجودة. تقلصت لتصبح قاعدة موسعة من الفقراء الذين أفقرتهم السياسات الحاكمة والمتعاقبة على مدار السنوات المنصرمة. سياسات لم تقم وزناً في يوم من الأيام للاقتصاد الوطني وللعملة الوطنية، لا بل أورثت الدولة الكثير من الديون والعجز.

هؤلاء ضاقت بهم سبل الحياة إلى أبعد الحدود. هم ليسوا عاطلون عن العمل لديهم أعمالهم ووظائفهم التي كانوا يعتاشون منها بوفرة وبحبوحة. أحد منهم لم يكن يعتقد يوماً أن الحال ستؤول به إلى ما نحن فيه اليوم.

قن دجاج
ماعز وأبقار وأغنام ودجاج

ظاهرة لافتة في قرى وبلدات البقاع، لا سيما الشمالي منه في بعلبك الهرمل، وهي ظاهرة اقتناء المواشي من ماعز وأغنام وأبقار وأيضاً دواجن. إذ لا تخلو حديقة منزل في المنطقة من قن دجاج أو زريبة صغيرة للمواشي، مضافاً إليها مزروعات ضرورية من خضار وغيرها، حيث التوجه السائد لدى معظم الناس في تلك المناطق إلى تحقيق نوع من الأمن الغذائي بحده الأدنى، وأصبح هذا التوجه عمل من لا عمل لهم في محاولة للصمود أمام الأعباء الثقيلة التي تركها الانهيار الاقتصادي عليهم.

التوجه السائد لدى معظم الناس في تلك المناطق إلى تحقيق نوع من الأمن الغذائي بحده الأدنى

يقول أحد المزارعين من آل علام من بلدة “مقراق” وتقع في السلسلة الشرقية لـ “مناطق نت” إن الزراعة هي المورد الأساسي لرزقه وعيشه، وقبل سنوات كانت تغنيه عن أي عمل آخر. كان يعيش مستور الحال بفضل حوالي 20 دونماً، وقبل ذلك كانت مساحة أقل من ذلك بكثير كفيلة بأن تؤمن له عيشاً كريماً. يضيف “تمر علينا سنوات من القحط في الرزق. كنا بفضل مردود الزراعة نقيم الولائم في المناسبات، أفراحاً وأتراحاً. اليوم بات الوضع مختلفاً، لذلك قمت باقتناء حوالي عشرة رؤوس من الغنم، وثماني دجاجات. أجول بالمواشي خلال النهار، فيما تتولى زوجتي الاهتمام بالدجاجات، فهم السبيل الوحيد الذي تبقى لنا لنؤمن حاجاتنا من الحليب واللبن واللبنة والبيض واللحوم في بعض الأحيان”.

الأستاذ من آل المولى يشارك المزارع الظروف نفسها، فهو رب عائلة مكونة من أربعة أفراد. يقول “البحث عن عمل آخر بالرغم من توفر الشهادة أمر صعب، وإذا وُجد فبالكاد يكفي بدل انتقال، لذلك اقتنيت عدداً من رؤوس الماعز والغنم، ولو استطعت لاقتنيت المزيد، لكن الأمر يحتاج إلى رأسمال أكبر في ظل ارتفاع أسعار الأغنام والماعز”.

بدورها الحاجة فاطمة، باتت تعيش اليوم من هذا المورد. تأخذ حاجتها من البيض والحليب وتبيع ما يفيض عنها لتشتري احتياجاتها الأخرى. تقول لـ “مناطق نت” “قل رزق الناس منذ أن تركت أرضها تبور وتخلت عن حياتها السابقة” فبرأي الحاجة فاطمة أن أيام زمان كانت وبالرغم من الشقاء والتعب أفضل بكثير من الآن، فالناس عاشت بكرامة ودون أن تحتاج أحد. تزرع الحاجة فاطمة قرب منزلها حديقة صغيرة تؤمن منها بعض الخضار كالخس والبقدونس والنعناع والزعتر والبصل وغيرها.

جمعيات ومؤسسات

ظاهرة اقتناء المواشي والدواجن في بعلبك الهرمل تلقفتها بعض الجمعيات والمؤسسات التي عملت على دعم تلك المبادرات من خلال تقديم مواشٍ ودواجن للعائلات الفقيرة لتعتاش منها وذلك ضمن شروط محددة، منها ما يقضي بأخذ مواليد تلك المواشي لتستفيد منها عائلات أخرى، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة انتشار هذه الظاهرة، لا سيما في ظل غياب القدرة على شرائها، فمعظم العائلات أصبحت تُصنف ضمن فئة محدودي الدخل.

وبالرغم من حجم هذه المشاريع المتواضع إلا أنها تعتبر مكلفة، لذلك اكتفى البعض برأس واحد أو رأسين من الماعز، أو بدجاجتين أو ثلاثة. أحد المزارعين ابتاع سيارته واشترى بثمنها ماعزاً وأبقاراً لافتاً إلى حاجته لهم أكثر من السيارة، لا سيما في ظل غلاء البنزين وغياب القدرة على شرائه، وفي الوقت نفسه يستفيد من ثمنها ليطعم عائلته.

أحد المزارعين ابتاع سيارته واشترى بثمنها ماعزاً وأبقاراً لافتاً إلى حاجته لهم أكثر من السيارة
غلاء خيالي

يبدو واضحاً أن انتشار ظاهرة اقتناء المواشي والدواجن، مرده إلى الارتفاع الجنوني في أسعار الأجبان والألبان والحليب ومشتقاتهم، والتي أصبحت أسعارها كالبورصة لكن باتجاه واحد يومياً، وهي “غلاء فوق الغلاء” وفق أحد المزارعين الذي قال لـ مناطق نت” “نشتري كرتونة البيض اليوم بـ 85 ألف وغداً بمائة وما بعد غد بمئة وعشرين. وكذلك الأمر بالنسبة للألبان فالحليب يتراوح سعره ما بين 80 و100 ألف، واللبن واللبنة والأجبان أكثر من ذاك بكثير، بالإضافة إلى الخضار فالخسة يتراوح سعرها ما بين 15 و20 ألف والبقدونس والنعناع الضمة الواحدة بعشرة آلاف والبندورة والخيار 30 ألفاً”. “مضيفاً لم يعد أمام الناس خيار سوى أن تؤمن احتياجاتها بنفسها لذلك لم يعد هناك منزل لم يشترِ إما ماعز أو أبقار أو دجاج، لم يعد هناك منزل لم يزرع بمحيط منزله حتى لو كانت حديقة صغيرة بعض الخضار معتبراً أن الآت أعظم، لذلك تحاول الناس أن تجد مورد رزق لها”.

تسعى الناس من خلال اقتنائها للمواشي والدواجن وزراعة الخضار تأمين أمنها الغذائي بيدها، بعدما استفحلت أسعار المواد الغذائية ومنها الأجبان والألبان والحليب والبيض والخضار. تلجأ الناس لشتى الوسائل لتأمين ذلك في ظل غياب فاضح للدولة ومؤسساتها الراعية التي تركت الناس فريسة الفقر والجوع والعوز. يحاولون تأمين قوت يومهم لأطفالهم الذين لم يعيشوا من الحياة سوى قساوتها، شباب يهتمون بدارستهم صباحاً ويرعون الماعز في فترة ما بعد الظهر ليؤمنوا مصاريفهم الخاصة لأن ربّ الأسرة لم يعد يقوى وحده على مواجهة ظروف الحياة.

الواقع الأليم الذي تعايشه الناس في بعلبك الهرمل يلح بالسؤال؟ أي دولة هذه التي تعتبر نفسها ذات سيادة واستقلال، وهي لا تستطيع أن تؤمن لمواطنيها الحد الأدنى من متطلبات الحياة كي لا يفتك بهم الفقر والجوع؟!… وما نفع دحر العدو الخارجي، وعدو الإنسان فقره وجوعه ومرضه وتعبه ومعاناته وذله يقتلونه آلاف المرات يوميا؟!

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى