البصل يثأر من اللبنانيين.. وكفرفيلا تتفرج!

“أرضها خصبة، غنية بالينابيع، لذا تشتهر بإنتاجها الزراعي الموسمي، خصوصًا البصل الأبيض الفاخر، الذي بات مقصدًا للمونة من مناطق صيدا والنبطية..” هذا ما يذكره “محمد أبو جهجه” في كتابه “حكايات جنوبيّة” متحدثاً عن بصل “كفرفيلا” في إقليم التفاح.

قبل شهرين أو أكثر بقليل لم يكن البصل قد خرج بعد من المعادلة الرمزية الراسخة في أذهان اللبنانيين، من أنه مرادف للرخص والنتانة ومادة دسمة للتنمر والحط من قدر الآخرين. بسحر ساحر وبمعيّة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بكل شيء، ثأر البصل من اللبنانيين، وانتصر عليهم بمعركة حاسمة خاطفة، أسقطت كل ما سبقها من نعوت. أمّا كفرفيلا ببصلها الأبيض المجدول فقد وقفت لتستعيد شريط شهرتها وتضرب الحائط بمذاقه الحلو كالقطر وقشرته السميكة، فهل أنصفها انقلاب الزمن؟

هل انقلب السحر على الساحر وصار البصل جدائلاً يُهدى للعشاق بدلاً من الورود؟ هذا ما انتشر بشكل كثيف على وسائل التواصل خلال عيد العشاق الماضي، حيث اجتاحت جدائل البصل وقشوره المناسبة كتعبير رمزي لغلائه وقيمته المادية المرتفعة، ولم يعد مرادفاً للرخص أو النتانة بل صار جميلاً ورائحته زكية.

صورة (مجهولة التاريخ) لأحد حقول كفرفيلا مزروعاً بالبصل
تاريخ من البصل

يروي أمين صندوق بلدية كفرفيلا “حسن اسماعيل اسماعيل” لـ “مناطق نت”، نقلًا عن جدّه الذي كان من كبار مزارعي البلدة، أن زراعة البصل تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حيث استُبدلت حينها زراعة التبغ بزراعة البصل نظراً لإنتاجيته الكبرى. ويعزو اسماعيل أسباب شهرة بصل كفرفيلا إلى نوعية بذرته العالية الجودة التي تمّ استقدامها إلى البلدة وهي مجهولة المصدر. الذي ساعد في ذلك هو تربة البلدة التي تجعل البصل حلوًا، وبحسب آراء مهندسين زراعيين فإنّ نسبة الكبريت العالية في التربة هي التي تمنح البصل حلاوته.

عندما يُقلع البصل، يأخذ حقّه في التشميس، قبل أن يُرتَّب على شكل جدائل جاذبة، إضافة إلى قابليّته للتخزين بعيدًا عن الهواء وأشعة الشمس وعن الرطوبة في مكان يتعرّض للهواء باستمرار.

زراعة البصل في كفرفيلا تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حيث استُبدلت حينها زراعة التبغ بزراعة البصل نظراً لإنتاجيته الكبرى. وتعود أسباب شهرة بصل كفرفيلا إلى نوعية بذرته العالية الجودة التي تمّ استقدامها إلى البلدة وهي مجهولة المصدر.

يُزرع “البعدرون” وهو بذر البصل، فينتج عنه قنّار (بصيلات صغيرة). في المرحلة الثانية يُقلع القنار ويتم تشميسه، ثم يُعاودون زراعته. يحتاج القنار من شهر نيسان حتى آخر شهريّ حزيران وتموز، ليدخل عمليًا في مرحلة الإنتاج الزراعي.
عندما يصل البصل الى مرحلة النضوج النهائية وفق طرق علميّة وطرق يعرفها المزارعون، من خلال انحناء أوراق البصل ودورانه يعرفون أن البصل صار جاهزًا لينتقل إلى الحصاد.

عندما يُجنى البصل من الأرض يوضع في (مسطاح) للتشميس حتى تجف أوراقه بشكل نهائي، فأية رطوبة متبقيّة في الأوراق تؤثر على مدّة التخزين. أمّا المرحلة الأخيرة فهي مرحلة تنظيف وتجديل البصل وعرضه للبيع.

مصدر رزق

يشرح اسماعيل أن هذه الزراعة كانت مصدر عيش أساسيّة للعائلات المزارعة، فهي زراعة موسميّة لا تحتاج إلى الكثير من التسويق، وهي مقصد للزبائن من أنحاء لبنان ويضيف قائلًا “في طفولتي كان لدينا بسطة على الطريق وكان الناس يأتون أفواجًا، وكان لذلك أهمية لديهم”.

مع مرور الوقت وانصراف الناس نحو التوظيف والسفر، تضاءلت الأيدي العاملة في المنازل، وبذلك انخفضت الإنتاجية، فالإنتاج الحالي لا يغطي المناطق جنوبية، بالإضافة إلى كلفته العالية والغبن الذي تعرض له سعر البصل خلال السنوات الثلاث السابقة، فسعر البصل الأحمر مثلًا يتجاوز المئة ألف ليرة لبنانية اليوم. وقد تراجعت الأسعار نتيجة الاستيراد من الخارج، وهناك مناطق أخرى تزرع البصل مثل عكار والبقاع، فاتجه المُستهلك نحو الرُخص نتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة، ولم يعد يسعى إلى رفاهية الاستهلاك كالسابق. أما الذين يعرفون نوعية وخصائص بصل كفرفيلا فما زالوا يحافظون على عادة تموينه وشرائه، ولكن بكميات أقلّ.

شهرة بصل كفرفيلا انتشرت في كل لبنان
انحسار الأراضي وتكاليف عالية

يلفت اسماعيل إلى أن زراعة البصل في كفرفيلا اشتهرت في مرحلة الثمانينيات، فيقول: “كان جدي وحده يزرع حوالي 15 دونم بصل، أمّا حاليًا لم نعد نتحدث عن زراعات كبيرة، فأكبر مزارع يزرع مساحة 4 دونمات”. وانحصر عدد المزارعين في البلدة بأربعة فقط بحسب كلام المزارع عباس قاسم الذي قال لـ “مناطق نت” إن العديد من المزارعين إتجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، بسبب التكاليف العالية المُرهقة من كلفة البذار فكيلو القنار يُباع بـ 30 $.

توجّه المزارعون إلى استئجار “الحراثة” لتقليم الأرض في ظل غلاء المحروقات، فالفرامة وحدها لا تقشّر الطبقة الخارجية للتربة بحسب المزارع قاسم حمدان. إضافة إلى غلاء الأسمدة الكيميائية والسماد العضوي. في السابق كان سعر طن الكيماوي يقدر ب 150$، أو 300 $ كحد أقصى أما اليوم فقد تجاوز الـ 1000$. ناهيك عن أجرة العمّال التي وصلت إلى مليون ليرة لبنانية.

لم تعد زراعة البصل في كفرفيلا من الزراعات الكبيرة، فأكبر مزارع يزرع مساحة 4 دونمات”، وانحصر عدد المزارعين في البلدة بأربعة فقط

يذكر اسماعيل أنّ زراعة البصل في كفرفيلا تراجعت بنسبة 80 ٪ وحلّت مكانها زراعات بديلة أقل كلفة على الفلاحين وأكثر إنتاجية، مثل زراعة الزيتون التي لا تحتاج لمتابعة دائمة مثل البصل.

الغشّ التجاري.. دود الخلّ منو وفيه

لـبصل كفرفيلا شُهرةٌ تسبقه على مستوى لبنان، وكإسم تجاري لافت يقوم بعض التُجار بوضع لافتة مكتوب عليها “بصل كفرفيلا” أمام بسطاتهم. حتى وصل الأمر -بحسب أحد المزارعين- إلى قيام بعض التجار وأصحاب الملاحم – بحماية من بعض عناصر الشرطة- بشراء البصل من مناطق أخرى (كفررمان مثلا) بسعر زهيد وخلطه بكمية قليلة من بصل كفرفيلا من باب تشريع الحرام بحسب قوله.

يستلمون أطنانًا من البصل، ويغزون به أسواق بيروت وغيرها، والمحال التجارية والتعاونيات الكبرى، بهدف تحقيق الربح بمبالغ خيالية مما يتسبب بضرر للمزارعين ويسيء لسمعة البصل في كفرفيلا. بات الناس يفقدون الثقة ببصل كفرفيلا ويحارجون المزارع فيما إذا كان البصل أصلي أم مغشوش. وما شجّع على رواجه، اعتماد تجار الغش على توصيل البصل إلى طالبيه في ظل غلاء البنزين. وفيما اذا كان هناك تحركات لوضع حدّ لهؤلاء يعلّق:” دود الخل منه وفيه”.

أمّا من جهة البلدية، ينفي اسماعيل وجود هذه الظاهرة حاليًا داخل البلدة، ويقول أنّه في السابق لاحقت البلدية هؤلاء التجار وتمّ وضع حدّ لتجارتهم المغشوشة، أمّا خارج البلدة فلا تملك البلدية صلاحية ملاحقة هؤلاء وكل ما يمكن فعله هو تبليغ البلدية التي تحصل ضمنها هذه الخروقات، والادّعاء على المروجين.

أثناء تجديل البصل
مخاوف

انعكس الوضع الاقتصادي المتقلّب في البلد على حال الزراعة والمزارعين، الذين باتوا يخشون خسارة جنى مواسمهم وعدم إنصاف الدولة لجهودهم وتركهم من دون أي دعم أو تقديمات. لذا هناك مخاوف لدى المزارعين من بيع مواسمهم بالليرة. وتحسباً لذلك ينشط المزارع عباس قاسم وزوجته اللّذان يمتلكان أكبر مساحة زراعية في كفرفيلا، في زراعة الملوخية وبعض أنواع المزروعات الأخرى إضافة إلى البصل الذي هو الأساس. “اذا البصل ما وفّى معنا السنة؛ وما بعناه بالدولار مننكسر ووقتها ما منعود للزراعة” يقول قاسم.

لا يُبدي حمدان تفاؤلا بخصوص تحسُن وضع الزراعة لجهة التسويق وارتفاع التكاليف التي يتكبّدها المُزارع وعدم استقرار سعر الصرف، فيقول أنهم لم يستفيدوا من ارتفاع أسعار البصل هذا العام حتى ظهرت النتائج في شهر تموز. فمع ارتفاع قيمة الدولار مقابل الليرة بما يعادل ثلاثة أضعاف عن السنة الفائتة، الأمور عمليًا ما زالت كما هي.

والتحسن مهما بلغ ذروته فهو تحسن آنيّ. أما تجار المناطق الأخرى كالبقاع فلديهم إنتاج جيد ولكن الأسعار “عدم”. وقد تمكنوا من تصدير البصل إلى الخارج بربع سعره. وهذا التصدير يقابله استيراد ضروري والاستيراد يكون بسعر مضاعف عن التصدير مما سيؤدي الى غلاء الناتج المحلي.

هناك خطر واضح أن تصبح زراعة البصل في كفرفيلا محصورة بسدّ احتياجات العائلة. “نزرع فقط مونتنا ومونة أبناءنا”، يعلّق قاسم. ومع فقدان الجيل الحالي لحسّ الاهتمام بالزراعة، يبدو أن البصل لن يُعمّر طويلًا، إلا إذا اعتمدت الدولة سياسة احتواء لهؤلاء المزارعين.

مع فقدان الجيل الحالي لحسّ الاهتمام بالزراعة، يبدو أن بصل كفرفيلا لن يُعمّر طويلًا، إلا إذا اعتمدت الدولة سياسة احتواء لهؤلاء المزارعين.
بصل كفرفيلا شيء من الذّكرى!

يتحدث اسماعيل عن مرحلة ازدهار انتاج البصل في التسعينيات، وعن التراجع الذي بدأ منذ العام 2014 بشكل حاد، وللمفارقة في عام 2019 أيّ في مرحلة وباء “كورونا” والأزمة الاقتصادية عاد الناس للزراعة بشكل عام. وبدأ يتحسّن مستوى الزراعة، ولكنّ الهوّة بين كلفة الإنتاج والتّسويق القليل سبب تراجعًا في الروح المعنوية عند المزارع، ومع أزمة البصل الحالية وغلاء سعره استعاد الناس ثقتهم بأهمية هذه الزراعة كمدخل اقتصادي ولكن باتوا يزرعون بكميات أقل.

على مستوى البلدية يذكر اسماعيل أنه تمّ التعاون مع مؤسسة جهاد البناء واتحاد بلديات إقليم التفاح لإقامة ورش وندوات زراعيّة لمساعدة المزارع على التعرّف إلى أمراض البصل، وتقديم بعض الأدوية لمكافحة الآفات والأمراض التي تظهر عمليًا بعد الشتاء، من خلال احتراق بعض أوراق البصل. إضافة إلى المشاركة في معارض زراعية. ويقرّ بأن ذلك ليس كافيًا، بسبب الإمكانيات المحدودة التي لا تؤثر على كلفة انتاج المزارع.

ويتابع: “اليوم هناك مساحات زراعية مهمة ونشطة، بكل أنواع الخضروات. وإذا حصل دعم للقطاع الزراعي من قبل وزارة الزراعة والجهات الداعمة دوليًّا ومحليًّا والمؤسسات الخاصة من خلال إقامة مشاريع زراعية فمن الممكن النهوض بهذه الزراعة” .

بانتظار حصاد الموسم هذا العام في شهر حزيران المقبل، يواجه بصل كفرفيلا خطرًا وجوديًا في ظلّ غياب السياسات الحكوميّة الداعمة زراعيًا، ويجد المزارع نفسه في العراء يُكابد وحيدًا إما يُكمل أو يرفع الراية البيضاء استسلامًا للتكاليف العالية والمردود المالي غير المُنصف، في ظل الأزمة الاقتصاديّة الخانقة التي عكست أزمة أخلاقيّة قادها التُجار فصار الربح هو المعيار حتى وإن كان ذلك على حساب الأبيض المجدول. على أمل حدوث استثمارات زراعيّة نافعة تُعيد للزرع شيئًا من عافيته التي وإن لم تكن تُحقق اكتفاءً على مستوى الوطن إلّا أنها ستُحافظ على تراث كفرفيلا ورحلتها مع البصل، فلا يصبح بصل كفرفيلا شيء من الذكرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى