ذاكرة و أمكنة

“الجامع الخربان” في شمسطار.. من زمن ابراهيم باشا إلى الاندثار

إسمه يخالف المفهوم الإيماني، ويُدخلكَ في المحظور الديني. لكنه ثابت بالمسمى التاريخي المتواتر، ما يجعلك تُطابقُ بين التسمية وأصل المسمى، لتنطلق في رحلة البحث عن الحقيقة.

هو “الجامع الخربان” في بلدة شمسطار البقاعية، الذي يدفعك إلى جملة من التساؤلات حول كيف أن يكون جامعًا “للمؤمنين” يؤمّه المصلون مع ما في ذلك من ارتباط روحي بالله، وصفة الخراب الملتصقة به وهو ما ينافي كونه بحماية الله.!

أرض الجامع

تقع أرض الجامع في وسط بلدة شمسطار القديمة، أي عندما كانت البلدة لا تزال عبارة عن عدد من البيوت الترابية لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، في منطقة منخفضة كثيرًا عن الأعالي حيث جبل صنين يشرف عليه مباشرة.

وكان من الطبيعي في العهود السابقة، أن تُبنى المراكز الدينية وسط القرى، حيث السهولة في التنقل والوصول إليها. أما اليوم، فأرض الجامع أضحت أرضًا مملوكة وحولها عشرات المنازل والكروم والبساتين، لكنها لا تزال تحافظ على تصنيفها كنقطة وسط البلدة كون التوسع السكاني انطلق من منطقتها وانتشر بإتجاه المرتفعات.

مرويات شعبية عن تاريخ الجامع

يُجمع عجائز بلدة شمسطار على أن تاريخ بناء “الجامع الخربان” يعود إلى حقبة ما قبل وجود سكان البلدة الحاليين أي إلى أكثر من مئة وخمسين سنة. ويؤكدون أن قصة وجود الجامع سمعوها من أهاليهم وأجدادهم على مدى قرن ونصف من الزمن. وأن ما وصلهم من معلومات حول الجامع كان بالتواتر الذي لا تزال الأجيال الحاضرة تتناقله.

والمروية الجامعة بين العجائز أن تاريخ بناء الجامع يعود إلى زمن دخول إبراهيم باشا بلاد الشام وإقامته لمدة زمنية في بقاع لبنان حيث كان في صفوف جيشه جنود من دول إسلامية كأفغانستان، ما يشير إلى وجود الجامع كمركز صلاة للجنود العابرين أو المقيمين مؤقتًا. أما عن سبب غياب معالم بناء الجامع فيشير العجائز إلى أن مرور عشرات السنوات من الزمن اخفى جزءًا من المعالم، والجزء الآخر من حجارة جرى رفعه من المكان بعد أن تحول إلى ملكية خاصة، دون الإلتفات إلى الجانب التاريخي والأثري له بسبب الإهمال وعدم المبالاة.

مقابر في أرض الجامع

يؤكد كبار السن في شمسطار أنه في ثمانينيات القرن الماضي، قام أحد الشبان في البلدة وهو من عائلة الحسيني، بعملية حفر في المكان المفترض للجامع، فعثر على عمق حوالى المتر، على رفات وعظام في قبر مصنوع من الصخر وإلى جانب الرفات قطعٌ من الخشب المهترىء. لكنه عاد وردم الحفرة معتقدًا أن المكان عبارة عن مقبرة علمًا أن لا دليل أو إشارة تدل على ذلك، ما يترك تساؤلاً حول هوية القبر وتاريخ وجوده. وحتى الآن لم يهتم أحد بهذا الأمر.

أصل التسمية

روايةٌ واحدة في ذاكرة أهالي شمسطار حول أصل تسمية الجامع بـ “الخربان”وهي أنه تعرّض للسقوط والخراب، بعد أن كان قائماً، بسبب غضب إلهي ناتج عن خطيئة كبرى ارتُكبت في منطقة الجامع من قبل من ارتادوه قبل سكانها الحاليين. وهذا السبب الوحيد الذي وصلهم، دون أن يتسنى لهم البحث في أسباب أخرى لعدم توفر المصادر التاريخية الدقيقة لتلك الحقبة الزمنية. في حين أن هناك رأيا آخر لبعض شباب البلدة يقول بأن خراب الجامع جاء نتيجة لتعرّضه لسيلٍ جارفٍ منحدرٍ من جبل صنين المطلّ على شمسطار، والذي لا يزال مجرى مياهه موجودًا حتى اليوم حيث يخترق منطقة الجامع من أولها إلى آخرها.

وبالفعل فإن هناك وادياً يبدأ من جهة البلدة الغربية حيث “مزرعة بيت صليبي” وينحدر بطول ألفي متر تقريباً ليصل إلى ما قبل مكان الجامع بمئات الأمتار فترتفع أرضه قليلاً ليجتاز وسط البلدة وصولاً إلى سهلها في الجهة الشرقية.

ويبقى أن “الجامع الخربان” في شمسطار، وإن كان قائماً في ذاكرة ابناء البلدة على مدى قرن ونصف القرن، فإنه شاهد على تاريخٍ ورجالاتٍ كان لها صولات وجولات لا تُمحى مع الزمن، سكنت البلدة أو عبرت منها مخلّفة وراءها أثراً عابراً للأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى