الحكواتي روجيه عسّاف آخر الثوريين الحالمين بعدالة الأرض

دمث، خلوق، وشديد اللطف هو رجيه عسّاف. كذلك هو المناضل، السجاليّ، الميدانيّ، كأن فلسفة أنطونيو غرامشي، قد فُصِّلَت على هذا المسرحي، المثقّف العضويّ، الذي مزج مواهبه وخبراته بأهالي القرى وحكايات الناس، ناقلًا الفنّ إليهم، ومعيدًا للتعريفات الكلاسيكيّة، التي خلَعها خلعًا، فلا ينتهي مسرحه مع آخر مقعد في المسرح.

يتوهّج عسّاف توهّجًا برّانيًّا، كانعكاس لما يختلجه جوّانيًّا مِن أسئلة فلسفيّة وجوديّة، فيكون ذلك المارونيّ بالولادة، ثم الماركسيّ بالاختيار، والمسلم بالاقتناع، ليبلغ اليوم مرحلة رابعة، يقول فيها إنّه اليوم مسيحيّ وماركسيّ ومسلم في آن.

روجيه عسّاف تاريخ على المسرح
الطبيب السابق

في مدرسة الفرير- فرن الشبّاك، تلقّى روجيه معارفه الأولى، لتظهر ميوله المسرحيّة في وقت مبكر، حيث راح يشارك في جميع الأعمال التمثيليّة، خصوصًا تلك التي تُعرَض في نهاية العام الدراسي. ذاع صيته، فطلبه هنري خيّاط كي يلعب دور صبي له توأم، فيجسّد روجيه شخصيّتيّ الأخوين، الشرّير والطيّب، فعايش أجواء المسرح الاحترافي، إذ كانت مسرحيّة جوّالة، مع خيّاط المسرحيّ الشغوف الذي توفّي على خشبة مسرح فينيسيا في وقت لاحق.

في مدرسة “الفرير” في الجمّيزة، درس عسّاف المرحلة الثانويّة، ثمّ شرع في دراسة الطبّ في جامعة القدّيس يوسف، أربع سنوات، قرّر في نهايتها مصارحة والده: “لا أريد متابعة دراستي. أنا أحبّ المسرح”. فينزعج أبوه على هذا التصريح المفاجئ، ثمّ يسارع إلى القول: “أنا أثق بك. مؤكَّد أنّك تعرف ما تريده”.

زواج مسرحي

حتى في خياراته العائليّة عاش عسّاف نقلات حادّة، هو المتزوّج من ماري كلود إدّه، التي أنجب منها ابنًا واحدًا، ثم لفتته تلميذته المسلمة الجنوبيّة ابنة النبطية حنان الحاج علي، فطلبها للزواج في أوّل جلسة بينهما في مقهى، فكان الزواج بعد ثماني سنوات، بسبب اختلاف الديانتين وزواجه السابق، وكذلك فارق العمر الذي يصل إلى ثماني عشرة سنة، فروجيه عسّاف من مواليد العام 1941، لوالد لبناني وأمّ فرنسيّة.

حتى في خياراته العائليّة عاش عسّاف نقلات حادّة، هو المتزوّج من ماري كلود إدّه، التي أنجب منها ابنًا واحدًا، ثم لفتته تلميذته المسلمة الجنوبيّة ابنة النبطية حنان الحاج علي، فطلبها للزواج في أوّل جلسة بينهما في مقهى

في منتصف الثمانينيّات تزوّج من حنان التي كانت قد سافرت للدراسة في فرنسا، وعادت مرتدية الحجاب، وتستكمل أدائها المسرحي، بشكل يُعتبَر ثورة على النمط السائد. أنجب الزوجان أربعة أولاد، وتابعًا سويًّا مسيرة مسرحيّة وسينمائيّة وتدريسيّة.

ثورة “مجدلون”

حينما قرّرت الرقابة منع عرض مسرحيّة “مجدلون”، أصرّ عسّاف مع نضال الاشقر وباقي أعضاء الفرقة، على عرضها فصعدت قوّة من الشرطة على خشبة المسرح لمنعها بالقوّة، فما كان من المسرحيّين سوى أن اجتمعوا في الخارج وعرضوها وسط متابعة من الجمهور الذي تحلّق حولهم في الشارع. كان ذلك في العام 1969، أيّ بعد عام من ثورة الشباب في فرنسا، التي أعطت زخمًا كبيرًا للشباب في العالم، خصوصًا في ما يتعلّق بالحرّيّات وانتزاع الحقوق. لكن أيضًا كان هناك إحباط مستبطن جرّاء “نكسة” العام 1967، التي يختصرها عسّاف بجملة: “صرت إنسانًا آخر بعد النكسة”.

محترف بيروت المسرحي

قبيل “مجدلون”، قدّم روجيه عسّاف مع نضال الأشقر عملًا لأوغست ستريندبرغ، هو “الآنسة جولي” التي أخذت شكلًا مختلفًا حين اشتغل عليها أنسي الحاج ليقدّمها باللغة العربيّة، باسلوب شيّق. أنسي الذي آمن بقدرات عسّاف، نصحه بتقديم أعمال باللهجة المحكيّة، كأنّه زمن التحوّلات، فكان “محترف بيروت للمسرح” في العام 1968، نتاجًا لكلّ ما يحصل في السياسة والفكر والمجتمع. شاركتهم في مشروعهم شخصيّات كبيرة مثل: أسامة العارف ونبيه أبو الحسن وعصام محفوظ وفؤاد نعيم ونقولا دنيال، كذلك كانت مواكبة من الشاعر طلال حيدر والشاعر نزار قبّاني والموسيقيّ وليد غلميّة. فكانت النتيجة: “المفتّش غوغول” (1968)، “طبعة خاصّة” (1968)، و”كارت بلانش” (1970) وقد تعرّضت للتضييق.

روجيه عسّاف وزوجته حنان الحاج علي
آخ يا بلدنا

كان عسّاف بحاجة إلى جمهور أوسع، وكان شوشو (حسن علاء الدين) بحاجة إلى تغيير في وجهة مسرحه، وعمق رسالته، فكان التعاون في العام 1972، وجاءت “آخ يا بلدنا” مسرحيّة مختلفة بنصّها وأغنياتها ومقارباتها السينوغرافية والإخراجيّة، وتحقّق نجاح تمّ البناء عليه في ما بعد بإنجاز “خيمة كركوز” سنة 1974، بطولة شوشو، وكتابة فارس يواكيم، واخراج روجيه عسّاف.

الحكواتي

مع اختمار التجربة، ولِد “مسرح الحكواتيّ” في العام 1978، بنجوم جدد يشبهون المرحلة، فكان عبيدو باشا، رفيق علي احمد، مارسيل خليفة، زياد الرحباني، سمير خداج وجان شمعون. تغيير له بعده الايديولوجيّ، وكان المشروع مرفق ببيان صدر في العام 1979، يعلن فيه القطيعة مع المسرح الغربيّ، كونه غريب وبعيد عن مشروع التغيير، ولا يلبّي الحاجات التعبيريّة.

كما دعا البيان إلى الاقتراب أكثر من الناس، وسماع حكاياتهم، كي يكونوا جزءًا من المختبر المسرحيّ. هكذا ولدت: “عيناتا” (1978)، “حكايا 1936″، (1979)، “أيّام الخيام”، (1982). وكان فيلم “معركة” في منتصف الثمانينيّات، نتاجًا مبكرًا حول قضيّة الاحتلال لجنوب لبنان، ومقاومة الأهالي، تحديدًا دور النساء في مقارعة المحتلّ.

في العام 1991 قدّم مسرح الحكواتي واحدة من روائعه التي عرضت كثيرًا في لبنان وخارجه، مسرحيّة “الجرس” التي أبدع رفيق علي أحمد بأداء أدوارها المتعدّدة، من الفلاح إلى الفدائي، والأمّ، ومختلف الوجوه التي اجتمعت في ممثّل واحد.

وفي التسعينيّات أيضًا، قدّم روجيه عسّاف مسرحيّة “مذكّرات أيّوب” على خشبة “مسرح بيروت”، وكان هو أيوّب الذي يحكي حكاياته المرتبطة ببيروت في فترة الاجتياح الإسرائيليّ. ثمّ أتت “جنينة الصنايع” بعدها بسنوات قليلة.

جمعيّة شمس

أطلق عسّاف “جمعيّة شمس”، ويصبح مسرح “دوّار الشمس” منصّة الاعمال الاحترافيّة والجامعية، كذلك مسرح الطفل مع كريم دكروب.

لجغرافيّة المسرح عند مستديرة الطيّونة أهمّية توازي ما يعرض بداخله، فـ”دوار الشمس” يحتلّ نقطة مفصليّة على طريق صيدا القديمة، أيّ الخطّ الفاصل بين ما سمّي بالشرقيّة والغربيّة، كذلك يقع عند مفترق ثقافيّ وطبقيّ ودينيّ، بين بدارو وقصقص والشيّاح وعين الرمّانة.

آخر الرومانسيين

“إيماني اليوم أنّه لا يوجد مكان أفضل من المسرح من أجل تطبيق الأفكار ضمن جماعة تتواصل مع البيئة”. يقول روجيه عسّاف، الحامل ذات القناعة منذ أواخر الستينيّات، واستمر معاندًا التحوّلات والصفقات والتواقيع وناقلي البندقيّة من كتف إلى آخر. يكاد أن يكون آخر الرومانسيّين الثوريّين، الحالمين بعدالة على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى