أحوال

الحكومة والعام الدراسي.. وعود كثيرة وإمكانات ضعيفة

هل هناك عام دراسي وسط كل هذه الأزمات؟ سؤال ملح يطرحه الجميع! وزير التربية والتعليم العالي الجديد عباس الحلبي أصدر قرارًا لجهة تأجيل بدء التدريس للعام الدراسي 2021/2022 في المدارس والثانويات الرسمية لغاية 11/10/2021، وذلك إفساحا في المجال لمتابعة الحوار البناء مع ممثلي المعلمين. لكن هل هذا التأجيل سيعبد الطريق إلى العام الدراسي؟ وماذا عن المشاكل الأخرى الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى! إذ يبدو العام الدراسي محاصراً بالأزمات التي تهدد مصيره، ابتداءً من مطالب الأساتذة التي لا يبدو لها حل حتى الآن مروراً بتأمين الحد الأدنى من المستلزمات التي يتطلبها فتح المدارس، وصولاً إلى المشاكل الصحية وكلفة الأقساط وغيرها الكثير من المشاكل.

بات التحصيل العلمي في الخارج أمل كل شاب يسعى للحصول على حياة كريمة في بلد يستطيع فيه أن يحلم أحلاماً طبيعية، بعيداً عن القتل والخوف والتهجير والدمار. لكن بالنسبة لقسم كبير من هؤلاء الشباب، تبقى تلك الأحلام مجرّد أمنيات لأنها تصطدم بواقع صعب تحول الإمكانات المادية وغيرها دون أن تصبح حقيقة.

أزمة الكورونا

بالرغم من تراجع أرقامها، إلا إن تباطؤ حملات التلقيح، بالتوازي مع عدم اتباع معايير السلامة، يُعتبران التحدي الأكبرالذي سيواجهه العام الدراسي لحظة انطلاقه. إذ تُشكل العودة الى الصفوف حضورياً، الخطر الأكبر كونها أحد أكثر الأماكن ازدحاماً، ما يشكّل حاضنة للڤايروس. لكن تكاد تكون الكورونا من أبسط العوائق التي تواجه العام الجديد، مقارنة مع المشكلات الأخرى المستعصية كمطالب الأستاذة وتأمين مستلزمات المدارس، خصوصاً في المناطق الجبلية حيث الشتاء على الأبواب وأزمة المحروقات على أشدها.

بدورها حاولت إدارات جامعات عدة تأمين اللقاح لخلق مناعة مجتمعية ضمن حرم الجامعة تحمي من الانتشار وتسمح بالعودة الآمنة للطلاب. حتى أن بعضها، كالأميركية واللبنانية الأميركية واليسوعية والبلمند، أمنوا اللقاح للمجتمع الأبعد، أي عائلات الطلاب والموظفين. وقد اعتبرت هذه الجامعات أنها فعلاً تستطيع فتح أبوابها هذا الخريف، إلا أنها اصطدمت بأزمة جديدة هي أزمة المحروقات.

أزمة المحروقات

تعاني الجامعات كما البلد بكامله من أزمة محروقات حادة بسبب فقدانها أو غلاء أسعارها، حتى انها بدأت التقنين والتخفيف من الاستهلاك. فالجامعة الاميركية أعلنت سابقاً انها ستوقف عمل المكيفات إلا في الأماكن الحساسة تجاه الحرارة، حتى انها ستبدأ بقطع الكهرباء عن العديد من المباني. يذكر أن أزمة المحروقات قد أثّرت أيضاً على مستشفى الجامعة، كما باقي المستشفيات. وعند الحديث مع الطلاب، أشارت مصادر في جامعة البلمند أن حاجتها للمازوت تناهز ٢٥٠٠٠ ليتر أسبوعياً، قامت بتقليصها الى ٤٠٠٠ ليتر عبر إطفاء المكيفات وقطع الكهرباء عن العديد من الأبنية.

وبالرغم من أن أزمة المحروقات تراجعت نسبياً بسبب الرفع التدريجي للدعم عنها، إلا أن الارتفاع الكبير لأسعارها سيجعل قسم كبير من اللبنانيين ومنهم الأساتذة والطلاب عاجزين عن شرائها وبالتالي الوصول الى الصفوف. بدورها أصبحت أسعار وسائل النقل من سيارات وڤانات مكلفة للتنقّل اليومي، بسبب غلاء الوقود وبسبب انخفاض أعدادها، الأمر الذي أصبح يتطلب الانتظار لفترة غير قليلة قبل العثور على وسيلة تنقل الطلاب إلى المدرسة أو الجامعة.

انعدام وجود النقل المشترك وعدم امكانية استعمال السيارات الخاصة فاقم المشكلة، وأصبح التنقّل من والى الجامعات صعباً جداً. الجدير ذكره أن بعض الجامعات، كالبلمند في الكورة والعربية في الدبية، أمنت خدمات نقل بسيطة لجزء من الطلاب والأساتذة، إلا أن هذا النموذج لا يمكن تطبيقه على كل الطلاب، إذ لا امكانيات لوجستية لذلك.

أزمة التعليم عن بعد

تفتيشاً عن حلول مؤقتة لتفادي الأزمة، اتخذت معظم الجامعات قراراً ببدء السنة الدراسية عن بعد لمدة قصيرة، ثم الانتقال تدريجياً للتعليم الحضوري حالما تتوضح معالم الأزمة أكثر. لكن التعليم عن بعد يطرح جملة من المشكلات الخاصة به. فالكهرباء مقطوعة غالبية النهار في معظم البيوت، والانترنت تسوء خدمتها يوماً بعد يوم، أما باقات الانترنت الجوال، التي ما زالت تحتكرها شركتي ألفا وتاتش، فهي ضمن الأغلى في العالم، ولا يوجد أي عروض جيّدة تكفي الطلاب أو الاساتذة شهراً كاملاً. وحتى إن ارادت الجامعات حلّ المشكلة بالصفوف المسجلة، فإن الكثير منها سيتراكم على الطلاب، ما سيؤثر على صحتهم النفسية ويجعلهم يشعرون بالقلق، خاصة وأن الطالب الآن يشعر أنه عازف اوركسترا على سفينة التايتنك.

أزمات أخرى

بالاضافة إلى كل هذه الأزمات، هناك مشكلتان رئيسيتان تنضمان إلى سلسلة المشاكل. الأولى تكمن في ارتفاع أسعار السكن الجامعي الذي بات في متناول فئة قليلة جداً. إذ أن معظم الجامعات رفع أسعار السكن داخل الجامعة، حتى أن بعضها، كجامعة سيدة اللويزة، حدّد سعر ذلك بالدولار “الفريش”، أي أن على الطالب أن يدفع ١٠٠٠$ أو ما يوازيه على سعر سوق اليوم، في فترة ٤ أشهر فقط، ليسكن داخل الجامعة. أما الشقق والغرف خارج الجامعات فليست أفضل سعراً ومعظمها خارج قدرة الطلاب على الدفع. وهذا ما يتم لمسه أثناء الاطلاع على أوضاع الطلاب، حيث البحث الدائم عن شقة أو غرفة بسعر معقول منذ أشهر ولا يجدون شيئاً ضمن قدراتهم، مع أنهم يحاولون ذلك بكل الوسائل لكن، “لا أحد يرحم، كيف نعيش؟”.

المشكلة الثانية تكمن في أسعار القرطاسية، إذ أن قلم “البيك” الأزرق، الذي كان سعره لا يتعدى ال٢٥٠ أو ال٥٠٠، أصبح ب٥٠٠٠ ليرة الآن، وهذه الأسعار تنسحب على كل شيء، من الأقلام الى الدفاتر الى أسعار الالكترونيات التي أصبحت خارج متناول الجميع.

أزمة الأقساط

أخيراً، يبقى الفيل في الغرفة؛ أقساط الجامعات. في ظل غياب أي عقد طلابي يحمي الطلّاب من الزيادة في الأقساط، وعدم تدخل وزارة التربية إلا برفع “توصية لعدم الزيادة”، ترك الطلاب فريسة جشع ادارات الجامعات، فبدأت الزيادة بالأميركيتين على سعر ٣٩٠٠، وانسحبت على باقي الجامعات، كالبلمند والعربية واليسوعية وسيدة اللويزة والانطونية واللبنانية الدولية والحكمة وغيرها. ومع وقوع الجامعة اللبنانية تحت خطر الاغلاق، وكل الشائعات عن عدم وجود عام دراسي جديد، سيشهد البلد موجة تسرب كبيرة تؤثر كثيراً على المجتمع، الا من استطاع له سبيلا.

ومع موجة الهجرة الجديدة للاساتذة، ينضم القطاع التعليمي إلى لائحة القطاعات المنهارة، ويتحول التعليم من حق أساسي، كحق الحياة والسكن والطبابة، الى مقاومة يومية في وجه نظام مستعد لقتل الجميع في مقابل الحفاظ على نفسه. وتتجلى مقاومة الطلاب بنوادٍ علماني في الجامعات، تقف في وجه الإدارات وتحافظ على مصالح الطلاب، وتذهب في ذلك بعيدا، الى حد التشبيك بين جميع الجامعات، وإقامة تظاهرات مشتركة، وحتى رفع دعاوى مشتركة على الادارات. فمن يحمي طلاب لبنان؟ وهل سيكون هناك عام دراسي جديد وسط كل هذه المشاكل وانقطاع الحلول؟ ام سيكون التعليم حكرا على طبقة الــ ١%، كما هو كل شيء آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى