أمكنة

الدستور الأمني الأول بين البعلبكيين والحماديين..وثيقة من سنة 1858 م

مناطق نت

لم يكن الأمن الداخلي في زمن العثمانيين من وظائف الدولة إلا عندما يتعلق الأمر بالولاء للسلطان أو التمنع عن تأدية الضريبة، فكانت وظيفة الأمن متروكة للمقاطعجي أميرا  كان أو شيخا، لكن توليد الأمن بمفهوم حماية الحقوق وإشاعة السلام والطمأنينة وتثبيت العلاقات الرحيمة بين الناس، لم يكن بممارسة الترهيب الخالص، إنما كان يرتبط بمجموع من القيم والمثل والتقاليد، وهذه يتم رفدها بالقوة، فيتحقق الأمن الداخلي.

حدثت تغييرات ديموغرافية في منطقة بعلبك الهرمل عند منتصف القرن السابع عشر، بعد موجات تهجير الشيعة من جبل لبنان واستيطانهم في بعلبك، وكان من جملة التحديات التي واجهت المنطقة، هو إعادة ترتيب المعادلة الأمنية فيها، لتيسير عملية الدمج السكاني وعدم تعطيلها بانفجار المشاكل والفتن وانفلات حبل الأمن في تلك المنطقة.

في كتابه “تاريخ الشيعة في لبنان” نشر الدكتور سعدون حمادة وثيقة موقعة، أسماها محرروها “الرقيمة الشرعية”، وهي تنطوي على تعبيرات اجتماعية وسياسية ودينية وإنسانية في ذلك العصر، إلا أن الأهم فيها، هي أنها بصدد معالجة المسألة الأمنية وتدارك إي اهتزاز فيها مستقبلا، وإذ نعيد نشرها في “مناطق نت”، نلفت ألا تذهب سذاجة البعض إلى اننا من دعاة إحيائها، إنما ما نريد التأكيد عليه، هو أن تراثنا الأمني جرت مراكمته من خارج الدولة وليس خروجا عليها، وهذا ما كان هدفا للوثيقة، اي سد الفراغ الأمني، عبر تبني أحكام وأعراف وشرائع وأداء يؤسس ويتجه نحو حكم الدولة. وفيما يلي نص الوثيقة.

«نحن الواضعين أسماءنا وأختامنا بذيل هذه الرقيمة الشرعية عموم أمراء آل حرفوش وكامل مشايخ آل حمادة ووجوه وعمد واختيارية وعقلاء وأفراد طوائف بيت حمادة القاطنين في جبل لبنان، وقرى لواء بعلبك، وعمد ومشايخ ووجوه، واختيارية اللواء المرقوم، من رفيع ووضيع. قد توافقنا على بركات الله خاضعين من كلا الطرفين لجناب افندياتنا آل حرفوش وجناب مشايخنا آل حمادة في الإدارتين جبيل وبعلبك وتوابعهما، الواضعين اسماءهم وأختامهم بصحيفتنا هذه، المشتركين معنا بهذا الصنيع. وأنه بقوة هذه المعاهدة والرابطة الشرعية المرعية أن نكون جميعاً كشخص واحد (لأجل؟…) المجد والوطنية والغيرة والمحبة منضمين بوحدة الإنسانية لما تقتضيه حقوق النسابة والأصول المرضية ما هو من عن الله جل وعلا عاقدين الأيامين الشرعية بالارتباط القويم، بأنه متى حصل مقدور أو تعدي من شخص على آخر بدون استثناء البتة، حمادياً أو بعلبكياً، في جبيل والهرمل وتوابعهما أو من ساكنين اللواء كبيراً كان أو صغيراً، فقيراً أو غنياً، فبدون الالتفات الى الغاية والتعصب، ينظر ماذا يقتضي لمنع ورد ذاك المعتدي وبالحال من طرف المأمورين المقررة اسماؤهم يجري ايجاب منعه وترتيب جزاؤه حسب ما يقتضيه الحال والاستدلال. وهكذا من بعد الآن كامل الحقوق تحفظ بالتساوي، غير مجاز لأحد بأن يتميّز بقوله حمادياً أو بعلبكياً، بل الجميع باليد الواحدة كما تقدم آنفاً كشخص واحد، كما وأنه إذا صار غدر على أحد الإدارتين أو على أحد أفراد أهاليها أو من يلوذ بهما كبيراً أو صغيراً، فملزومون ومضطرون بحق الحقوق الدينية الشرعية الذي صار بتها وتأسيسها الآن. إن جميع الجمهور من كلا الطرفين معاضداً له ومؤازراً إىاه لأجل استخلاصه مما هو فيه؟ ومكلفين أن تكون يد واحدة… لصالح الجميع..

بل مجندين ومجدين، لكافة ما من شأنه أن يفيد جمهورنا المتفق نجاحاً وتقدماً وكمالاً واستكمالاً، حالاً واستقبالاً. ولقد انتزع بعونه جل جلاله من بيننا كل روح معاندة ومعاضدة ومماحكة وانقسام، ولم يبق سوى المحبة والمودة والانضمام، تاركين كل تحيز وضغينة وتحزب وجمهورية، عند وقوع أمر ما كلي أو جزئي حتى لارتكاب جريمة القتل القطعية، فوّض الأمر لرأي وإدارة ولاة أمورنا جناب افندم الأمير سلمان المأمور حالاً، ولجناب المشايخ السابق الايحاء اليهم، كي يتدبروا بما يروه موافق للعدل والاستقامة. ولا يحق لنا معارضتهم بذلك، طالما هم يحكمون بموجب الحقانية الملتزمة وعندما احد منهم يتراضى بمأموريته، ويبطىء عن إجراء وظيفته السياسية، ولا يتدارك منع المهيجات والحركات الردية عند وقوعها أو يستعمل عدم الراحة العمومية بوسائل تدخيل اساليب الفتن المزعجة، فنكون جميعاً بوحدة الحال لمنعه ورفعه من مأموريته.. قطعاً وقاطبة كما أنه يحق بعدل لجناب الأمير سلمان الحرفوش أحد مشاركي هذا الجمع الرضا بأنه عندما يحصل اختلاف ما فيما بين كلا الطرفين الذين هم نحن وبعضنا الواضعين اختامنا  بذيلها المتوطنين بلاد بعلبك ان يستعمل امر السياسة مع الأشخاص المجنوحين بحسب عوايد اسلافه دون مراعاة. ولجناب المشايخ المقررة أسماؤهم عندما يحصل من بعضنا الذين نحن تبعتهم من احد او تعدي فبدون فتور يقتضي منا عقاب ذاك المعتدي غب الفحص المدقق من مقدار استحقاق جنحة. كي بهذا تدوم سلاسل المودة، المأثورة والمحبة المرموقة لا يحق التحشد والتعصب ولولا كان، رفيعاً أو وضيعاً. وهكذا الجمهورية والهيجان المذموم بل حتى حصل سبب فيما بين البعض منا ممضوض أمرها لمن سبق الإيحاء عنهم، ولهم الحق بترتيب الجزاء، حيث إنه استلزم بشأن توطين وتجديد مألوف الطبائع الانسانية، هو قائم بتوطيد أمر أساس المحبة، ولا سيما من الرفيع الى الوضيع. وهذا الأمر من خاصيته أن يرقينا لدرجة التمدن الممدوح. فما يوجد أمر مهم بأكثر من انضباط الحركات المغايرة أو المحارزة من الأسباب التي نؤمل بحمده تعالى مساعدة عزمنا الضعيف لإيجاد الراحة والأمنية والسلامة.

ولما تم الحال على هذا المنوال، تحررت هذه الوثيقة الشرعية نسختين لتحتفظ بيد كل من جناب افندم الأمير سلمان،والنسخة الثانية بيد جناب المشايخ مأمورين آل حمادة. وبموجبه يكون نهج العمل الخالي من كل شين وملل. حرر وجرى في اليوم الحادي عشر من شهر ربيع أول الذي هو من شهور سنة خمسة وسبعين ومائتين بحضورشهود ذيله أدناه.

عموم آل اسماعيل وعموم الحمادية

محسن حمادة ــ طعان حمادة

وعموم أهالي لواء بعلبك سلمان الحرفوش،

ويليه اختام مشايخ القرى في المقاطعات المذكورة في الوثيقة ومنها: بعلبك ـ نحلة ــ طاريا ــ العين ــ الفاكهة ــ بريتال ــ الحدث، الخ…

(جميع قرى الشيعة في بعلبك والهرمل والجبل) ووجهاء العشائر والعائلات وسائر التجمعات السكنية في بلاد الشيعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى