أحوال

الزراعة بقاعاً.. التكاليف أصبحت خارج قدرات المزارعين

قد يكون الحديث عن ارتفاع الأكلاف التشغيلية في قطاع الزراعة وأنه يهدد المزارعين بلقمة عيشهم ليس بجديد. لكن تفاعل ذلك ينذر بكارثة على المستوى الزراعي، سيؤدي حتماً إلى انحسار مساحة الأراضي الزراعية. وأيضاً بارتفاع قيمة الواردات من الخضار والفاكهة من الخارج، وذلك بفعل انخفاض الإنتاج. كل ذلك ولم نتحدث بعد عن التداعيات الكارثية على الأمن الغذائي جرّاء الحرب الروسية – الأوكرانية التي قد تفضي إلى أزمة غذاء وفق كل المؤشرات، حيث تضم السلة الغذائية في لبنان بقسم كبير من مكوناتها منتوجات أوكرانية من القمح والزيوت والبذار وغيرها.

على مشارف الربيع وهو الفصل الذي يستعد له المزارعون لزراعة مواسمهم الصيفية، تبدو الأوضاع بالغة الصعوبة لناحية الأكلاف العالية التي على ما يبدو قد تودي بالطفرة التي شهدها القطاع الزراعي إثر جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي واللذان دفعا بشرائح واسعة من الناس للإنضمام إلى المزارعين، وذلك خوفاً من أزمة غذاء، وتعويضاً لما لحق برواتبهم من خسائر والتي لم تعد تساوي شيئاً.

من هؤلاء الطبيب والأستاذ والمهندس وموظف القطاع العام، بعضهم عاد إلى أرضه التي لربما “بوّرها”منذ سنين، ليهتم بها ويزرعها لتكون هي ومنتوجها سنداً له في تحصيل لقمة عيشه. قسم من هؤلاء توجّه نحو الزراعات الموسمية، وقسم آخر شجّر أرضه، أو إهتم بأشجار كان أهملها سابقاً، والبعض اشترى الأبقار والماعز والأغنام كمشروع استثماري في هذا الوقت نظراً لغلاء الألبان والاجبان واللحوم.

ارتفاع كلفة العمالة في الزراعة
حراثة الأراضي تحلّق

استفحال الأزمة الاقتصادية التي لامست مستويات لم تكن بالحسبان، حتّمت على المزارع الذي يحاول استكمال موسمه الزراعي مواجهة ارتفاعات في الأسعار أصبحت أضعاف مضاعفة لما كانت عليه سابقاً. أحد المزارعين تحدث لـ “مناطق نت” من أن العمل في القطاع الزراعي مع غياب الدعم من الدولة ومن وزارة الزراعة بات مستحيلاً، فالتكاليف أصبحت أرقاماً ليست بمتناول المزارع العادي، أو حتى المزارعين الكبار، فكلهم سواسية أمام الارتفاع المتمادي للأسعار.

أولى الأكلاف العالية التي تواجه المزارعين في التحضير لزراعة أراضيهم واستصلاحها تأتي حراثة الأرض، وهي المرحلة التي تضعهم أمام ارتفاع الأسعار. قسم كبير من الزارعين لا يملكون جرارات زراعية نظراً لثمنها المرتفع والتي أصبح اقتناؤها مستحيلاً مع ارتفاع الدولار. يلجأ المزارعون إلى أصحاب الجرارات الزراعية والذين يتقاضون بدلاً عن حراثة الدونم الواحد ما بين 250 ألف و 400 ألف ليرة، وذلك حسب حجم الجرار وصلابة الأرض وسكة الحراثة، وذلك حسب أحد المزارعين. الكلفة الثانية التي تشد صعوداً هي اليد العاملة الزراعية حيث ارتفع أجر العامل اليومي إلى 150 ألف ليرة بعدما كان يتقاضى 30 ألفاً، ما يعني أن الكلفة تضاعفت خمس مرات.

يلجأ المزارعون إلى أصحاب الجرارات الزراعية والذين يتقاضون بدلاً عن حراثة الدونم الواحد ما بين 250 ألف و 400 ألف ليرة
النصوب والبذور بالدولار

من أكلاف الحراثة والعمالة إلى النصوب والتشجير، مرحلة ثانية من ارتفاع الأسعار تضغط على المزارعين حيث أسعار النصوب تضاعفت وأصبحت بالدولار. يقول أحد المزارعين الذي يمتلك مشتلاً لبيع النصوب لـ “مناطق نت” أنه يبيع النصبة الواحدة ما بين دولار ونصف الدولار ودولارين، لافتاً إلى أن هذه الأسعار مختلفة عن الأسعار المتداولة لدى المشاتل الموجودة على الطرقات والتي تبيع النصبة الواحدة بدءاً من 4 إلى 10 دولارات، وذلك حسب نوعها وعمرها، موضحاً أن كافة الأنواع المهجّنة متشابهة من حيث السعر بفارق بسيط، أما النصوب الأجنبية فهي مرتفعة الثمن ويصل سعر الواحدة منها إلى 20 دولاراً.

الجدير ذكره أن دونم الأرض الواحد يحتاج إلى ما بين 28 شجرة (مشمس) إلى 36 شجرة (تفاح) حسب المسافات بين الأشجار.

لم يقتصر التسعير بالدولار على أسعار النصوب، بل امتد إلى البذور وأنواعها المختلفة كالخيار والبندورة والبقدونس وغيرها، يقول أحد المزارعين إن الأسعار على حالها ولكن البيع حسب الدولار، لذلك أصبحت مكلفة بالنسبة للمزارع الذي يتقاضى مردود محاصيله بالليرة اللبنانية.

تحتاج الأشجار خلال فصل الصيف إلى الري مرتين على الأقل أسبوعياً، وخلال ذلك تحتاج إلى 4 ساعات من الري المتواصل وأكثر، وبعض الزراعات تحتاج إلى 3 مرات وأكثر
مشكلة المشاكل.. الري

بالانتقال إلى مشكلة المشاكل وهي الري والتي تُعتبر عصب المزروعات، يضيف المزارع أن تركيب شبكة ري أمر مكلف، وحتى من يمتلك شبكات قديمة، لا يحل المشكلة، فهي بحاجة إلى تعديل وصيانة بين الوقت والآخر، مشيراً إلى أن كلفتها ترتفع حسب صناعة المنشأ سواء كانت سورية أو إسبانية أو إيطالية أو وطنية، ولكنها بشكل عام مكلفة. عن أسعار “نباريش” المياه يقول إن سعر المتر لتلك التي يبلغ قطرها 2 إنش يفوق الدولار وذلك حسب النوعية، أما الصغيرة فبحوالي النصف دولار بالإضافة إلى نقاط الري التي يختلف عددها حسب اختلاف نوع الزراعة.

ويشرح المزارع إلى أن شبكات الري تختلف ما بين الأشجار والخضراوات، فبينما يحتاج دونم الأرض المزروع بالخضراوات إلى شبكة بطول 1000 متر مجهزة بنقاط الري وباقي المستلزمات، تحتاج الأشجار إلى عدد أقل من حيث نقاط الري نظراً للمسافات المتباعدة بين الشجرة والأخرى، لكن بالإجمال يبلغ سعر تلك الشبكة المذكورة حوالي 500 دولار.

لا تنتهي أزمة الري مع توفير الشبكة، ففي ظل غياب الكهرباء والحاجة الدائمة إلى المولدات الكهربائية للري تبدأ مشكلة أخرى في ظل تحليق أسعار مادة المازوت. وبحسب المزارعين تحتاج الأشجار خلال فصل الصيف إلى الري مرتين على الأقل أسبوعياً، وخلال ذلك تحتاج إلى 4 ساعات من الري المتواصل وأكثر، وبعض الزراعات تحتاج إلى 3 مرات وأكثر أسبوعياً.

الزراعة في البيوت البلاستيكية
البيوت البلاستيكية

الحديث عن الزراعات الموسمية وفي الأراضي المكشوفة تختلف عن تلك التي تزرع داخل البيوت البلاستيكية، والأخيرة تصبح تكلفتها أكبر وهي ليست بمتناول جزء كبير من المزارعين في البقاع، فبحسب أحد المزارعين فإن كلفة الخيمة البلاستيكية الواحدة بعرض 8 أمتار وطول 40 متر تتراوح ما بين 1500 و1800 دولار، وأي مشروع زراعي تجاري هو بحاجة إلى ما لا يقل عن 4 بيوت بلاستيكية ليحقق أرباحاً.

كل ذلك ولم نتحدث بعد عن الذي ممكن أن تتعرض له المواسم بسبب الطقس والأمراض معطوفاً على موضوع تصريف الإنتاج ومشاكله وعوائقه، الأمر الذي يجعل درب المزارعين محفوفاً بالمخاطر، وهو ما أدى أيضاً إلى شبه انتهاء للفورة الزراعية التي بدأت مع جائحة كورونا وتوسعت مع الانهيار الاقتصادي، حيث يشعر كل الذين انخرطوا في ذلك العمل بخيبة كبيرة، في ظل تخلي واضح للدولة المفترض أن تلعب الدور الراعي لأبنائها لا أن تتركهم في العراء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى