أحوالمُعاش

السياحة على العاصي تحتضر.. وعشرات العائلات مهددة بلقمة عيشها

ليس جديداً القول إن الهرمل هي إحدى مناطق الأطراف المقصية جغرافياً والمعزولة إنمائياً. هذا الواقع المكرّس بقرار سياسي تُلمس آثاره على أكثر من صعيد. الإهمال يلفّ المنطقة الحدودية ويتمظهر في القطاعات كافة، الزراعية، الاقتصادية، التعليمية والطبية، وليس آخراً السياحة حيث تنال جارة العاصي نصيبها من ذلك الإهمال تهاوناً وتقصيراً.

غزارة نهر العاصي ودفق مياهه وجمال الطبيعة من حوله، لم تشفع للهرمل المقصية، لكي يتمّ وضع مقاهيها ومطاعمها ومشاريعها السياحية على خارطة اهتمام وزارة السياحة.

80 منشأة سياحية

46 كلم يسلكها العاصي في الأراضي اللبنانية، حيث تتناثر على جوانب ضفتيه حوالى 80 منشأة سياحية، منها نوادي Rafting وشاليهات يبلغ عددها الـ 70 تقريبًا، ومنها مقاهٍ ومطاعم وغيرها. تعتمد هذه المشاريع على مبادرات أصحابها الفردية، وعلى المعطى الطبيعي وما يوفره من مياه واخضرار وأراض مزروعة، لا تمتدّ إلا على مساحة محدودة للأرض المحاذية للنهر، مما يعكس ثقافة زراعية بدائية، وهدر للطاقة المائية الهائلة التي يختزنها العاصي، فلا استصلاح للأراضي ولا استجرار للمياه ولا استغلال للثروة المائية الدافقة للنهر في تطوير قطاع الزراعة، وهذه دلالة أخرى على الإهمال.

التشابه والتقليد يراكمان صورة نمطية تترسخ أكثر وأكثر، وترافق الزائر أثناء تنقله بين المقاهي على العاصي، حيث الطريقة المتّبعة في تقديم الخدمات ووجبات الطعام واحدة، لم تعرف تحديثًا وتطويرًا إلا في السنوات الأخيرة. وذلك يعود لإسهامات فردية وذاتية قام بها بعض أصحاب المقاهي، فتنوّعت الخيارات التي يمكن للسائح الوافد أن يستمتع بها بعد أن يقطع مسافة شاسعة، قبل أن يحطّ رحاله عند النهر النائي.

جانب من المقاهي على العاصي

تتنوع الأنشطة الترفيهية على ضفاف العاصي بين الرافتينغ Rafting وهو نزهة نهرية ممتعة وآمنة تنتهي عند الشلال الساحر. وأيضا لـ Zipline لمن يهوى المغامرة والتسلية، والشاليهات لمن يطيب له المقام، ويرغب في الإقامة الليلية وتمضية أيام عدّة.
شهدت السياحة حول النهر والتي تعتبر المقاهي والمطاعم ركيزتها الأساسية في بعض الفترات اهتزازات أثرّت سلبًا على الموسم السياحي. فكان لمعركة الجرود مثلاً تأثيرها الذي حدّ من الإقبال الكثيف على المقاهي والذي تشهده عادة في فصل الصيف. كذلك حالت إكراهات كورونا وما اقتضته من عزلة وعدم تجول والتزام التباعد دون الاكتظاظ والتجمّعات التي كانت تعجّ بها المطاعم، مستقبلة الزائرين من لبنان وخارجه.

أزمة خانقة تشهدها المطاعم

عبد المنعم عابدين وهو صاحب مقهى عريق يقع بالقرب من جسر العاصي، قال لـ “مناطق نت” إن أسوأ حال شهدته السياحة حول النهر بدأ منذ العام 2019 وأسفر عن أزمة متعددة الوجوه، لا زالت حدتها تتفاقم وتزداد تأزماً حتى اليوم.

يشعر عابدين بالقلق حيال المآل الذي وصل إليه مطعمه الذي يزدهر موسميًا في فصل الصيف، وهو باب رزقه الوحيد. يعرض تداعيات الوضع المأزوم، بدءاً من ارتفاع سعر صرف الدولار وما استدعاه من تبعات انعكست شحّاً شديداً في المحروقات، مروراً بفقدان مادة البنزين ومن ثم ارتفاع أسعارها، الأمر الذي شكّل عائقًا أمام من اعتاد أن يقصد الهرمل وعاصيها بفعل بعد المسافة. وصولاً للانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، الأمر الذي رتّب أعباءً وخسائر إضافية على أصحاب المطاعم. واقتضى الأمر اعتماد المولدات كبديل تشغيلي عن الكهرباء، وهو ما يتطلب توفير المازوت الذي عزّ تأمينه والحصول عليه، ما رتّب على ذلك خسارات وإتلاف كميات من اللحوم والخضار والمأكولات.

تُلحظ آثار التعثر الاقتصادي أيضًا في مظاهر غير مسبوقة. فرواد المطاعم ذي الطلبات المدروسة تقلّصوا بنسبة ستين في المئة، وغاب عنهم الموظفون وذوو الدخل المحدود. وحتى قاصدي تلك المطاعم حصروا طلباتهم من لائحة الطعام التي غابت عنها اللحوم الحمراء بأصناف محددة من الطعام دون أخرى. فسعر الفاتورة ارتفع أضعافًا مضاعفة وهو معرض للتذبذب والارتفاع بحسب سعر الصرف، فلا ضوابط للأسعار المحلّقة التي تسير على هواها.

الموسم السياحي توقف منذ شهرين
غياب رسمي تام

عن دور البلدية أو الجهات الرسمية المعنية، يجيب عبد المنعم بأن وزارة السياحة لا تعير إهتمامًا بمقاهي الأطراف وبمطاعمها، بالرغم من أن هذه الأخيرة تحوز على تراخيص وعلى علم وخبر. وأشار عبد المنعم إلى ما حصل في العام 2017 وشكّل نموذجًا صارخاً للإهمال واللامبالاة. حينها فاض العاصي نتيجة الأمطار الغزيرة وألحق أضراراً جسيمة في المطاعم والمقاهي. على إثر ذلك صرفت الهيئة العليا للإغاثة تعويضات مالية يسيرة لا توازي حجم الضرر الذي استطلعه وزير الزراعة آنذاك، وتم تحويل الأموال إلى وزارة المالية، وما بين حانة الهيئة العليا للإغاثة ومانة وزارة المالية، اندثرت الوعود ولم نقبض منها فلسًا حتى اليوم.

بدوره يؤكد محمد الساحلي الذي يملك مشروعاً سياحياً يضم مطعماً وشاليهات ورياضة الرافتينغ ما عرضه سلفه عن تداعيات الوضع الاقتصادي الصعب، فقال لـ “مناطق نت” إن إقبال الناس من أهالي الهرمل وخارجها على المقاهي تراجع بنسبة تزيد عن الستين في المئة وهي قابلة للازدياد في حال استمرار الأزمة المرشحة للتفاقم. فارتياد المطاعم صار ترفًا لا يقوى عليه فئة كبيرة من أهل المدينة.

يعرض الساحلي للأسعار في مشروعه فيقول “بالإضافة إلى ارتفاع كلفة المأكولات، اضطررنا إلى تخفيض بدل الرافتينغ من عشرة دولارات للشخص الواحد إلى ستين ألف ليرة، وخفضنا إيجار الشاليه لأربعة أشخاص مقابل قضاء ليلة واحدة من مئة دولار إلى أربعمائة ألف ليرة.

ارتفاع الأسعار وانخفاض الزوار

ارتفاع الأسعار وما ينتج عنها من شح للزبائن ليس الوحيد الذي يعترض عمل المنشآت السياحية على العاصي. إهمال الدولة والجهات المعنية أيضاً يعمّق من أزمتهم. وفي هذا الإطار يقول الساحلي “الطريق التي يؤدي إلى الشواغير وتضم عدداً كبيراً من المقاهي والمطاعم غير آمنة وتفتقد للحد الأدنى من مواصفات الطرق السياحية. إضافة إلى الطريق التي تمتد على مسافة خمسة كيلومترات وذلك من الجسر حتى الشلالات في بيت الطشم هي ضيقة ووعرة أحيانًا.

تلتقي مخاوف محمد مع هواجس عبد المنعم حول استمرارية العمل في المقاهي والمطاعم مستقبلاً. حتى الآن تم الاستغناء عن الأرباح والاكتفاء بقليل منه، لكن التخوّف الحقيقي هو من عدم إيجاد حلول لا يقوى على اجتراحها أصحاب المقاهي والمطاعم من دون جهة مساندة وداعمة، ما سيؤدي إلى الإغلاق وتسكير المقاهي وشل هذا القطاع وضربه.

عن التواصل مع نقابة أصحاب المقاهي والمطاعم في لبنان، أو القيام بأي حركة احتجاجية واعتراضية لإيصال الصرخة المنبّهة إلى كارثة تهدد المطاعم بالإقفال، يشير عبد المنعم بأن مبادرة دعا إليها في هذا الصدد لكنها لم تلق قبولاً لدى مجموع أصحاب المقاهي والمطاعم الذين يفضلون البحث عن حلول فردية كل حسب مصالحه. ومصلحة صاحب المطعم مثلاً تقتضي تقليص عدد العاملين إلى الحد الأدنى وصرف العدد الأكبر منهم، والحد من أجورهم قدر الإمكان.

من شلالات العاصي
سياحة العاصي في مهب الريح

هذا ما عانى منه خالد العلي وهو عامل سوري الجنسية في أحد المطاعم المتاخمة للشلالات. فهو يتقاضى مليون ليرة لا تكاد تسد رمق عائلته المكونة من سبعة أفراد. لا يلوم خالد مالك المقهى، فهذا الأخير يعاني من تراجع كبير في إيرادات المطعم، وبعد أن كان يعوّل على أواخر أيام الأسبوع التي كان يزدهر فيها العمل واستقبال الزبائن، تقلّص العمل في هذه الأيام إلى حد كبير ومخيف، وفي حين كان الموسم السياحي يمتد حتى أربعة أشهر، انخفض إلى نصف هذه المدة، “فنحن متوقفون عن استقبال السياح والزائرين منذ شهرين تقريباً” يشير خالد.

اعتاد أهل الهرمل الإهمال، واستبطنوه قدراً ارتضته لهم سياسات تحرك إيقاع التنمية وفق حساباتها ومصالحها وتجاذباتها. في هذه الأزمة كما دائماً يُترك العاصي ومطاعمه التي يستضيفها على ضفتيه ليشق طريقه وحده، وفي حين يسلك العاصي المجرى الذي اختارته له الطبيعة غير آبه بالأزمة وناسها، يبقى قطاع المقاهي والمطاعم والسياحة بشكل عام في مهبّ ريح غير معروف أين ستنتهي به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى