أحوال

بعلبك ومهرجاناتها..كيف يُستعاد المجد الضائع للمدينة؟

هل ستعود المهرجانات إلى بعلبك هذا الصيف، وتعود معها الفرق الفنية لتدب الحياة بين أعمدة قلعتها، أم أن مصيرها ككل المناسبات والأحتفالات الأخرى تسابق الانهيار، لا ندري أيهما سيصل قبل الآخر. لكن بعيداً عن التوقعات لا طعم لصيف بعلبك من دون مهرجاناتها ولا طعم أيضاً لتلك المهرجانات حين تنقل خارج بعلبك وتبقى حاملة اسمها.

فالمهرجانات التي وُلدت في العام ١٩٥٦ بين أفياء معبدي جوبيتر وباخوس، حيث وقف عمالقة الفن في كنف عجائب الدنيا لا يمكن أن تُولد في أي مكان آخر.

هذه المهرجانات توقفت قسرياً لمدة عامين بسبب جائحة كوفيد ١٩، واقتصرت أنشطتها العام الماضي على مبادرة حملت عنوان “شمس لبنان لا تغيب”، وكانت عبارة عن حفلة رمزية عُرضت خلالها مقاطع لموسيقيين لبنانيين شباب، صوّرت في مواقع أثرية مختلفة، وتم عرض فيلم مدته ثمانون دقيقة يضم حوالي العشر حفلات مدة كل منها ٨ دقائق، وكان الحضور في العام الماضي باهتاً ومحدوداً واقتصر على بعض المدعوين بسبب جائحة كورونا.

هذا العام، تحدّت لجنة مهرجانات بعلبك الدولية كل الظروف والأوضاع الإقتصادية الصعبة في محاولة منها لزرع بارقة أمل وسط المشهد القاتم، وقررت العودة إلى إقامة مهرجانات بعلبك الدولية في قلعة بعلبك بعد انقطاع لعامين بسبب جائحة كورونا.

وتقرر إجراء المهرجانات بعد موافقة وزارة الثقافة. وكانت لجنة مهرجانات بعلبك قد أكدت استئناف نشاطات مهرجانات بعلبك الدولية للعام ٢٠٢٢ رغم كل الظروف التي تمر بها البلاد مع جمهورها في الاكروبوليس في مدينة بعلبك في خطوة تهدف إلى إعادة إحياء النشاطات الثقافية، داعية إلى حضور مؤتمرها الصحافي الذي كان مقررًا عقده الخميس الواقع بتاريخ ٢٦ أيار، ٢٠٢٢  لكن اللجنة عادت وألغت في وقت لاحق الإعلان عن البرنامج والمؤتمر الصحفي.

جريمة بحقّ بعلبك

في إطار الحديث عن مهرجانات بعلبك الدولية والسياحة في بعلبك، يتحدث عضو المجلس البلدي ورئيس اللجنة السياحية في بلدية بعلبك محمد عواضة، لافتاً إلى أن هذه المدينة التي سميت بمدينة الشمس، حيث تشرق الشمس فيها ٣٠٠ يوماً سنوياً نستطيع لو توفرت لها البيئة المناسبة والرعاية من الدولة أن نجعل منهم ٣٠٠ يوم سياحي، تحول مدينة بعلبك إلى أغنى المدن في العالم، ومن شأن ذلك أن يوفر ايراداً كبيراً للدولة اللبنانية.

عواضة أشار إلى أن هذه المعابد والهياكل التي كانت محجاً للامبراطورية الرومانية تُقام فيها الطقوس الدينية، لو أنها موجودة في دولة أخرى أو “بيئة” أخرى حسب ما ورد في دراسات عالمية، لكانت حققت إيرادات لبعلبك قدرتها تلك الدراسة بحوالى خمسة مليارات دولار كناتج سياحي، بغض النظر عن المهرجانات التي كانت عبارة عن ٧ إلى ٨ حفلات.

اقتصادياً

المفارقة أن بعلبك لم تستفد كما يجب من مهرجانات بعلبك الدولية، التي ليس لبعلبك صلة فيها سوى التسمية، إذ يعود معظم الريع المالي للمهرجانات للجنتها، ولا تستفيد بلدية بعلبك سوى من تذاكر وبطاقات الحفلة اللبنانية لأهالي بعلبك والتي غالباً ما يتم توزيعها على الفعاليات دون مقابل.

بحسب عواضة كانت تستفيد بعلبك من هذه المهرجانات، إبان عصرها الذهبي الذي امتد بين أعوام ١٩٦٥ و١٩٧٥ حيث كان هناك دورة اقتصادية كاملة يستفيد منها الجميع بدءاً ممن كانوا يعملون في مواقف السيارات ومسح الزجاج إلى المؤسسات والمطاعم والمقاهي. الجميع كان يستفيد من هذه المهرجانات.

غابت المهرجانات عن بعلبك خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في العام ١٩٧٥ إلى أن عادت وانتعشت قليلاً سنة ١٩٩٤، وسجلت حركة سياحية وصولاً إلى العام ٢٠١٨ الذي كان عاماً سياحياً مميزاً ، واليوم تراجعت حركة السياحة والمهرجانات مجدداً وتراجعت معها استفادة بعلبك بشكل كبير جداً، وتكاد لا تسجل نسبة العشرة بالمئة.

عن الأسباب يقول عواضة إنها أمنية بالدرجة الأولى، فالسائح الأجنبي الذي يقصد بعلبك، يحضر المهرجانات ويغادرها دون أن يتجول في شوارعها واسواقها ويعود ذلك إلى الأحداث الأمنية وحالة الفوضى الدائمة التي تشهدها المدينة، واللاستقرار الذي تعيشه بشكل دائم. والمثل على ذلك هو إطلاق النار المتكرر والذي هو في غالب الأحيان بسبب أو بدونه، وهذا ما لا يفهمه السائح الأجنبي ويشكل مصدر قلق ورعب وعدم أمان له.

إضافة لذلك يقول عواضة، لا زالت بعلبك تفتقر للجهوزية السياحية، فللأسف مشروع الإرث الثقافي توقف بسبب مخالفات، وتعاني المدينة من عدم توفر المطاعم والفنادق، والأخيرة تقتصر على فندقي بالميرا، وكنعان، وبالتالي فإن هذا يحول دون بقاء السائح في المدينة، وهكذا لا تستفيد بعلبك من زوّارها اقتصادياً. والسبب في ذلك بحسب عواضة يعود لأمرين، الأول “نفور” السائح من المطاعم في مدينة بعلبك، كون معظمها لا يقدم مشروبات كحولية، والثاني أن هناك مطاعم تفتح داخل المهرجانات وتؤمن للسائح ما يحتاجه دون أن يضطر إلى زيارة المدينة، وهذا من شأنه أيضاً ان يحول دون استفادة المدينة اقتصادياً.

أيضاً هناك أسباب أخرى وتتعلق بالسياح الخليجيين، وهؤلاء يمتنعون عن حضور مهرجانات بعلبك الدولية وزيارة المدينة بسبب الطابع الخاص لبعلبك الذي فرضه الواقع السياسي والحزبي للمنطقة.

بعلبك تستحق

تستحق بعلبك واقعاً مغايراً لجهة الاهتمام بها، فمن الناحية الثقافية بدأ يتراجع مستوى المهرجانات قياساً مع ما كانت عليه. ويصف عواضة هذا الواقع بالغربة بين مهرجانات بعلبك الدولية وبين أهل بعلبك، فمن حفلات السيدة فيروز والراحلة صباح والرحابنة وأشهر الفرق الأجنبية إلى حفلات تفتقر إلى تاريخ بعلبك وحضارتها، ويعزو عواضة هذا التراجع في المستوى الثقافي إلى الوضع الاقتصادي معتبراً أن الثقافة الراقية تحتاج إلى أموال.

بالإضافة لذلك، فإن الإهمال أيضاً يطال بعلبك لجهة خطة السير وفتح الطرقات السياحية المحاذية
للقلعة أمام العموم، وحالة الفوضى، وعدم التنظيم، وانعدام الرؤية متأسفاً أن الحكومات المتعاقبة لم تهتم بالمدينة التي تحتاج إلى مشروع متكامل ما بين وزارة السياحة ووزارة الثقافة ووزارة الأشغال العامة وتضافر جهودهم من أجل نجاح مهرجانات بعلبك الدولية أو أي نشاط سياحي في مدينة بعلبك.

نحو الالغاء

ربما كان تأجيل الإعلان عن البرنامج الخاص بمهرجانات بعلبك الدولية يعود إلى وجود النية لالغائها، وهذه الخطوة التي يتخوف منها عواضة، ويعود ذلك كما يقول إلى عوامل مختلفة منها ما هو أمني والأحداث الأخيرة التي شحنت أجواء المدينة، ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي، فقد كان بحسب البرنامج مقرراً أن تبدأ فعاليات المهرجانات في الأسبوع الثاني من الشهر المقبل وتستمر إلى حوالي الثلاثة أيام، وتتضمن الحفلة اللبنانية، وحفلتين أخريين.

ويرتبط انجاز هذه المهرجانات بعقبات اقتصادية مختلفة كما يقول عواضة منها ما يتمثل بعدم وجود مدرجات، وأن الحفلات ستكون على المرجة الخضراء، لأن المدرج ما يستلزمه مكلفٌ جدآ، ويضيف عواضة أن سعر البطاقة سيتراوح ما بين ٤٠٠ و٧٠٠ ألف ليرة.

المهرجانات اليوم

فيما لو حصل واستكملت فعاليات مهرجانات بعلبك الدولية ستشكل هذه المهرجانات بارقة أمل ومتنفساً لأهالي المدينة، وستساهم نوعاً ما بحسب تعبير عواضة بانتعاش المدينة ولو بشكل محدود ومتواضع، وستخلق حركة فيها، معتبراً أن الغاءها سيؤثر سلباً على بعلبك، فالناس تتحضر سنوياً لهذه المهرجانات منذ أكثر من أربعين عاماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى