ذاكرة و أمكنة

شادي منصور وعبدالحليم حمود يطلقان “زمكان”.. مبادرة ثقافية في زمن الانهيار

الجميع يهاجر.. الخبر صار عادياً ومألوفاً، الصفوف الطويلة للناس أمام مراكز الأمن العام للحصول على جوازات السفر تقول ذلك. والبعض يبيت ليلته هناك انتظاراً لتلك القطعة البيومترية التي وحدها تشكل خشبة خلاص من الجحيم. قاعات المغادرة في المطار تحاكي الازدحام أمام مراكز الأمن العام وترسم صورتها التوأم. كل ذلك أصبح عادياً فنحن نعيش في القعر، نعتاد يومياته وتفاصيله. الخبر غير العادي الذي تقع عليه، ويحفزك لتعرف تفاصيله هو أن مغترباً لبنانياً مهتماً بالثقافة والفن، قرر الآن العودة إلى لبنان وتأسيس دار النشر للكتب يكون منصة ثقافية يُطلق من خلالها ما يمارسه في فرنسا حيث يقيم منذ وقت طويل.

شادي منصور قرّر ذلك الآن، عكس السائد حيث البلد يتجه نحو الارتطام الكبير، بالتزامن مع هجرة قل نظيرها.. يقوم منصور بالتعاون مع صديقه الكاتب عبدالحليم حمود بمبادرة ثقافية من خلال إطلاق دار نشر “زمكان”. وهي في الحقيقة مغامرة.. كيف ولماذا الآن؟ يجيب منصور الذي التقته “مناطق” أنه حين تتعرض بلادنا لشتى أنواع الضربات، يستوجب على الابناء في الاغتراب بأن يهبّوا ليأخذوا أدوراهم في عملية الصمود، كلّ في مجاله، وحيث يستطيع.

يتابع منصور “أنا من هؤلاء المهتمين بالشأن الثقافي. حيث ساهمت في رعاية وانتاج مسرحيات لبنانية في باريس، ولي أدوار في متابعة التحقيقات الصحافية ومواكبة الاصدقاء في مهمات فرنسية كوني لصيق بالأجواء هناك، ولي صداقات. لطالما استفدت منها لخدمة بلدي، والقضايا التي أؤمن بها. من هنا كانت فكرة دار النشر للكتب  “زمكان”، كفعل مقاوم مع الصديق عبد الحليم حمود الذي يمتلك باعاً طويلاً في عالم التأليف والنشر”.

اغتراب وثقافة ونبي كافر

بين بلدته الجنوبية أنصار، ونشأته في الشياح، كانت السيرة المغمسة برائحة البارود، وعطر أشجار الليمون، وألعاب الأزقة، وحرية الركض في الفلوات. نشأة ريفية مدينية في بيت معتدل، لم يتحزّب لجهة طيلة الحرب اللبنانية. ثم كان خيار السفر الى فرنسا، حيث عمل منصور في أكثر من مهنة، إلى أن دخل مجال الأعمال، حيث ترسخت خبراته في هذا العالم.

منصور وحمود لم ينتظرا انتهاء المعاملات الرسمية والقانونية للدار لكي  يباشرا أعمالهما، فبادرا قبل ذلك إلى الإصدار الأول الذي حمل عنوان “زياد النبي الكافر” ويتحدث عن سيرة الفنان زياد الرحباني الفنية والشخصية، لكن السؤال الذي يحضر فوراً هو كيف يستقيم النشر في ظل الانهيار بعيداً عن الواقع؟ يجيب منصور أنه “اذا كان عنوان الكتاب مشوقاً ومطلوباً من القراء، سيجد طريقه الى المهتمين. وهكذا كان، حيث نفدت الطبعة الأولى خلال شهرين فقط، على الرغم من هول الأزمة التي نعيشها في لبنان.

بين جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي المريع الذي يشهده البلد، لم يعد الكتاب أولوية للمواطن. فتأمين مستلزمات الحياة وضرورياتها طغت على ما عداها.. كيف سيواجه دار النشر للكتب هذه المعضلة؟ سؤال وجّهناه إلى منصور الذي قال “لم تشكّل الأزمات والحروب على مرّ التاريخ عائقاً أمام الثقافة والنشر، لا بل على العكس زادت من فاعليتها. وبالرغم من أن الكتاب لم يعد أولوية للعموم، إلا أن ذلك لا يمنعه من أن يجد طريقاً له إلى المهتمين به، لذلك يعتمد الدار على خطة متشعبة الأوجه، بالطبع أخدنا الأزمة بعين الاعتبار، حيث لن نرفع أسعار كتبنا، وسنتعاون مع الموزع والبائع دون أن يكون هذا على حساب القارئ. سرّنا أننا لا نبتغي الربح من هذا المشروع، بل المساهمة في تحريك العجلة الثقافية. لذلك هي مغامرة محسوبة.

النشر بين التقليدي والالكتروني

تحديات عديدة تعترض عمل دور النشر منذ أن بزغ فجر الشبكة العنكبوتية وحتى الآن، منها أن النشر التقليدي الكلاسيكي طواه الإلكتروني! فكيف ينظر شادي منصور ويوائم بين “تقليدية” النشر وجائحته الالكترونية؟ عن هذا يقول منصور “لا شك سنصل إلى مرحلة سنجمع فيها الورقي بالالكتروني مواكبةً لمتغيرات هذا المجال. لكن أجزم أن الكتاب الورقي باقٍ ولن تهزه أية تحولات إلكترونية، ومكانته راسخة إلى آجال طويلة. وأوضح منصور أن دار النشر للكتب له صلات في فرنسا وبعض العواصم ستساعد في عملية التوزيع.

النشر هو الابن الشرعي للثقافة وحركتها وأنشطتها، بينما شهدت الأعوام الأخيرة ضموراً مخيفاً في النشاط الثقافي نتج عن جائحة كورونا ومن ثم الانهيار الاقتصادي، وهو ما أودى بمعرض الكتاب لعامين متتاليين. يقول منصور “توقف معرض بيروت للكتاب لعامين متتاليين كان ضربة إضافية لدور النشر، فكيف إذا لم نشهد معرضاً لهذا العام أيضاً؟! المعارض هي مهرجانات ثقافية، من دونها يبقى مشهد المدن جافاً بارداً. وهي ليست فعل اتصال بين الناشر والقارئ فقط، بل بين دور النشر أنفسهم، حيث يلتقي اللبناني بالمصري والتونسي والسوري والكويتي. فتعقد صفقات توزيع وتبادل كتب، بما يحرك المشهد العام.

سنكون جزء من هذا العالم الرافض

منذ اندلاع ثورة ١٧ تشرين يشهد لبنان تضييقاً للحريات، ما هو السقف الذي سيصل إليه دار النشر للكتب في نشره لقضايا الثقافة عموماً والمجالات المقرر نشره خصوصاً؟ يجيب منصور “قلتها في كلمتي لحظة اطلاق كتاب “زياد النبي الكافر” بأننا غير ملزمين بأي سقف، وجاهزين لتبني اي كتاب يمتلك المواصفات الابداعية. لطالما كانت بيروت عاصمة الحريات، من كتب ليلى بعلبكي إلى غادة السمان. مدينة الرفض والتنوع.

عن سياسة النشر في الدار، وفي أي المجالات ستكون؟ يقول منصور “سنطرق جميع الأبواب، لكننا سنبدأ من كتب السير الذاتية، بداية مع زياد الرحباني، ولنا موعد مع كتب عن السيدة فيروز، وأنطون سعادة، ومارسيل خليفة…

هل بيروت لا زالت حاضنة ثقافية؟ أم أن الكثير من ذلك قد خسرته لصالح عواصم أخرى؟ يختم منصور “هناك فضاء حر لبيروت، تساعده أجواء الفوضى في هذه العاصمة. هنا ثمة حرية حقيقية، وتجارب دار الريس والجديد والجمل والطليعة والفارابي، خير دليل على مشاكسة السائد، ومعاندة الواقع. سنكون جزء من هذا العالم الرافض”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى