رومين، زقاق البلاط، مدريد.. تراجيديا التشكيليّ حسن جوني

نعتلي بهدوء، تلك الدرجات القديمة، صعوداً نحو ذلك الباب “الحروفيّ”، الذي تتداخل فوقه الحِكَم، والوصايا: “الفنّ هو لغة الله”، “الوعي العظيم يؤدّي إلى قلق أعظم”، “يا فنّ حرّرني من سجن أحلامي”… خطّ الفنان حسن جوني تلك الجمل على صفحة بابه، من دون أن ينسى تنبيه الزائر إلى أهمّية الاقتصاد في الزيارة، لأنّه يحضر كل يوم إلى هنا ليرسم، لا ليتكلّم. مع ذلك طال حديثنا معه على مدى ساعتين ونصف الساعة، مقتطعين مِزَق الذكريات من زمن الجدّ الإسكافيّ، إلى زقاق البلاط، والدراسة في جامعة الألبا، ثمّ منحة السفر إلى مدريد، وصولاً إلى حضور البحر في لوحاته، ذلك الأزرق الذي كان ولا يزال يهابه، فلا يمسّ ماءه، ولا يستسيغ هواءه، منذ أن اعتلى تلك الباخرة التركيّة الضخمة من ميناء بيروت، باتجاه اسبانيا.

يقع محترف حسن جوني على بعد أمتار قليلة من المنارة القديمة لبيروت، العاصمة التي يعيش في رأسها، وتعيش في قلبه.

الفنان حسن جوني متحدثاً إلى الزميل الفنان عبدالحليم حمود
سيراً على الأحلام

أدرتُ آلة التسجيل، ليبدأ شريط السّرد منذ رحلة جدّه، سنة 1885 من قريته الجنوبيّة “رومين” باتجاه العاصمة، سيراً على الأقدام، في الزمن الذي شحّت فيه وسائل نقل بمحرّكات، فكانت الأقدام المعين الأكثر ضمانة، فمشى نافراً من مزاج زوجته الصلبة، الجبّارة، فكأنّه قد غادر الجدّة ولم يغادر رومين.

في بيروت اشتغل حسن جوني الجدّ، الذي يحمل الحفيد الفنان اسمه، إسكافيّاً، يشتري الأحذية بثمن بخس، ثم يجدّدها ليبيعها بأثمان أعلى. غير أن لهذا الرجل غوايات وهويات، تبدأ بنظم الشعر، ولا تنتهي بالتمثيل، وسرد الحكايات، فكان “أقرب إلى الكوميديا منه إلى التراجيديا”.

في بيروت اشتغل حسن جوني الجدّ، الذي يحمل الحفيد الفنان اسمه، إسكافيّاً، يشتري الأحذية بثمن بخس، ثم يجدّدها ليبيعها بأثمان أعلى. غير أن لهذا الرجل غوايات وهويات، تبدأ بنظم الشعر، ولا تنتهي بالتمثيل، وسرد الحكايات، فكان “أقرب إلى الكوميديا منه إلى التراجيديا”.

بعد رحلتين، أو ثلاثة إلى قريته للإطمئنان إلى أحوال عياله، طلبت منه زوجته بأن يأخذ ابنه الصغير ليربّيه في بيروت، بينما تتكفّل هي بشؤون بناتها الثلاث. فدلف الصغير مع والده مشياً، ليبلغا “زاروب الجمّال”، حيث يقع ذلك البيت المكوّن من غرفة واحدة، في المكان ذاته المسمّى اليوم بمبنى “الإسكوا”. في تلك الأيام كانت الأحياء والزواريب تضمّ عائلات من البلدات عينها، بحيث يتجمّع أهل الدوير في دائرة واحدة، وأهل ميفدون في نقطة تجمّع، وكذلك أهل شقرا، وياطر، وكفركلا، وهكذا…

لم تنتهِ رفقة الأب مع ابنه، حيث لازمه الصغير في دكّانه البسيط، ليرث عنه مهنة طرق المسامير في كعوب الأحذية، ثم تلميع جلدها لتعود “جديدة”. رحل الجدّ عن عالمنا، ليستكمل أبو حسن المهام المعروفة، وليكون سيّداً على مهنته، ثم عائلته، هو الذي كوّن عائلة من سبعة أولاد، يحتلّ الفنّان حسن جوني فيها موقع الوسط.

من لوحات الفنان جوني
المصفّق في عرس فيروز

في محلّة زقاق البلاط ولد الفنّان حسن جوني في العام 1942، ليترعرع في فضاء هندسيّ عثمانيّ، محتشد يسمّونه “الحوش”، حيث تتلاصق غرف العائلات، ضمن العقار عينه. وكان منزل أهل السيدة فيروز، ملاصقاً لبيت آل جوني، فكان ينصت يوميّاً لدندنات ابنة الجيران، التي تكبره بسنوات. “لقد صفّقت كثيراً مع باقي صِبية الحيّ في عرس فيروز على عاصي الرحباني”، يقول حسن جوني، ويضيف: “بعد مرور سنوات كثيرة، في حرب تموّز 2006، وبعد ان تلقّت المنارة صاروخاً اسرائيليّاً، جاءني موفدٌ من قبل السيدة فيروز، ليطمئنّ عن أحوالي، ويخبر السيّدة بأنّ الجار القديم لا يزال بخير”.

من الليل إلى الليل

تمتّع والد الفنّان جوني بموهبة نظم القصائد الزجليّة، ولهذا كانت اجتماعاته كثيرة مع زملائه الشعراء، فكانوا يغنّون ما يؤلّفونه، لتكون أصواتهم بداية علاقة حاسّة السمع بالغناء والطرب، إذ لم يكن في البيت “فونوغراف” أو راديو. أمّا “الفراقيّات” فقد أنصت لها من هؤلاء الشبّان الذين يشدّون مكانس القشّ، في الحديقة القريبة.

الفنان حسن جوني في محترفه

“كانوا نحو سبعة أفراد، من بلدة الغسّانية، وجميعهم مشتاقون إلى أهلهم، وأحبائهم، فكانت أصواتهم طافحة بالشجن، الذي يمسّني حدّ الكآبة، بل ويزيد حزني حزناً، حيث كنتُ أهتزّ لشقاء والدي اليوميّ في عمله، الذي يبدأ في الليل، لينتهي في الليل، إذ كان يغادر المنزل فجراً مع العتمة، ثم يعود مساءً بعد أن تحلّ العتمة” يقول حسن جوني، الذي كان يتنبّه إلى الدماء والكدمات الكثيرة في أصابع والده، كأحداث عمل يوميّة. كان هذا السبب المباشر الذي دفع الإبن الأوسط حسن ليقسّم نهاره بين الدراسة والعمل في مصرف. في حينه، طلب من والده أن يتقاعد في وقت مبكر، على أن يتولّى هو المساهمة في مصاريف البيت. أمّا الأب فكان يردّد تلك المقولة: “أشعر وكأنّ حسن هو أبي وليس ابني”.

الرسم بالشمع

نسأل الفنّان جوني عن طريقة تأمينه موادّ الرسم، في فترة الطفولة، فيشرح لنا عن كيفيّة اقتطاعه جزءاً من “الخرجيّة” اليوميّة، التي كانت مخصّصة لشراء الكعك، الذي يمثّل وجبة غدائه كتلميذ، فيؤثر بعض الجوع ليؤمّن مبلغاً صغيراً ويشتري به أقلام تلوين “شمع”، ليرسم على الورق، والجدران، وفي الجزء الآخر من ذلك الإدّخار، يشتري مجلّة “الهلال” الشهريّة، الآتية من مصر، ليقرأ فيها مقالات الكبار، وسط دهشة بائع الصحف الذي لم يقتنع أن ابن الثامنة هذا، قادرٌ على فهم ما تقع عليه عينيه في تلك المجلة النخبويّة مقارنة مع غيرها من المجلات.

كان الفنان جوني يقتطع جزءاً من “الخرجيّة” اليوميّة، التي كانت مخصّصة لشراء الكعك، ويشتري به أقلام تلوين “شمع”، ليرسم على الورق، والجدران، وفي الجزء الآخر من ذلك الإدّخار، يشتري مجلّة “الهلال” الشهريّة، الآتية من مصر، ليقرأ فيها مقالات الكبار.

تعرّف جوني إلى كتابات المنفلوطيّ، وقرأ له “تحت ظلال الزيزفون”، ثمّ، مع الأيام، راح يقضم الكتب على أنواعها، بما فيها “تاريخ العرب” لفيليب حتّي، حيث وجده مرميّاً في مكبّ نفايات، فحمله واستنقذ بعض صفحاته الممزّقة. عن نظرته للتاريخ، يقول جوني بكثير من الخيبة والأسى: “حينما خرج العرب من الأندلس في العام 1492، خرجوا من التاريخ إلى غير رجعة”.

الفن الحرام

في المرحلة المتوسّطة، كان الفنّان ناظم إيراني استاذاً لحسن جوني في ثانوية “العامليّة”، فتنبّه إلى تلك الموهبة المميزة عند حسن، وعلّق إحدى لوحاته “سهرة حول النار”، في واجهة المدرسة، رفقة اسم هذا التلميذ “النجم”. بعث الاستاذ إيراني إلى والد حسن ثلاث رسائل يلفت فيها نظره إلى خصوصيّة ابنه قائلاً: “عليك أن تهيّئ نفسك لفكرة أن يكون ابنك رسّاماً”، وهو أمر لم يكن بالسعيد عند الوالد المتديّن، وكان يعتقد آنذاك أن الرسم من ضمن المحرّمات الشرعيّة، كما كان يفتي الكثير من رجال الدين. لكنّ إلحاح الوالدة، وإصرار الإبن، دفعاه للقبول بذلك الخيار الجامعيّ، على مضض.

الفنان حسن جوني ستينيات القرن الماضي، يرسم بالألوان زمن الأبيض والأسود

في تلك الأيام، لم يكن أبو حسن ليتهاون في الشؤون الدينيّة، فلا يسمح بأيّ إهمال لأيّ فرض من فروض الصلاة، تحديداً صلاة الصبح، حيث كان على الجميع أن يستيقظوا ليؤدّوا تلك الفريضة اليوميّة، والحال نفسه مع الصيام.

يؤكّد حسن جوني أنّه لم يعرف مشاغبات الأطفال في صغره، ولا يكاد يتذكّر اسم لعبة من تلك الألعاب التي يبرع بها أترابه. كانت طفولته جادّة، وفيها ما فيها من إلفة، وفنّ، وحزن.

البؤبؤ المتجمّد

نال الفنان جوني منحة للدراسة في اسبانيا، تزامن الأمر مع افلاس المصرف الذي يعمل به (البنك التجاري)، فنال تعويضه، ما سمح له بتوزيعه بين مصاريف بيت الأهل، ومصاريفه هو في الغربة، حيث كان يستيقظ فجراً، في حرارة متدنيّة تقارب السبع درجات تحت الصفر، فيرتدي ذلك المعطف الروسيّ الثخين، ويتوجّه إلى جامعته بعينين متجمّدتين من كثرة البرد، فيجول بنظره من خلال تحريك رقبته، لا بؤبؤيه!

في إسبانيا، لم يتعمّق جوني بالرسم فحسب، بل كذلك عرف الموسيقى عن قرب، حيث كان يزور أماكن تُقدَّم فيها الموسيقى (مثل حديقة الريتيرو) بواسطة فرق تابعة لبلدية مدريد، لتكون المقطوعات لباخ، وبيتهوفن، وموزار، وغيرهم، بينما يتمّ توزيع “البروشورات” لشرح مضامين تلك المقطوعات، فراح يميّز منذ ذلك الحين الفرق بين الأوبرا والأوبريت، والصولو والجماعي…

لكنّ جوني لم يهمل المنابع الشرقيّة للموسيقى، فراح ينصت إلى الأصالة في أعمال زكريّا أبو العلا، وزكريّا أحمد، وسيّد درويش، ومحمّد عبد الوهاب، وصولاً إلى عبقريّة بليغ حمدي. “أمّا فريد الأطرش، فقد التقيته لمرتين في بيروت” يقول حسن جوني، الذي كان قد شاهد أعمال الأطرش، وغيره من النجوم العرب والعالميّين في صغره، في دُور بيروت: “ميتروبّول”، “كابّيتول”، “روكسي”، “أمبير”، و”أوبرا”.

طالباً في أسبانيا
شاش ورسم على قماش

اضطرّ جوني في فترة دراسته في جامعة “ألبا” في بيروت، إلى إجراء عمليّة جراحيّة، فلم يخبر أهله بذلك، بل ادّعى أنه سوف يحضر عرس صديق له، لتتمّ العمليّة من دون أن يقلقهم. حينما علم الطبيب أن مريضه رسامٌّ، عرض عليه صفقة رابحة للطرفين، إذ طلب إليه ان يقدّم له لوحة من أعماله، بينما يقوم هو باجراء العمليّة من دون تكاليف ماليّة، وهو ما حصل فعلاً، وكان أن سافر جوني، ليعود بعد سنوات، ويتبيّن له أنّ هذا الطبيب صار أيضاً استاذاً لمادة التشريح في كلّيّة الفنون، فالتقاه، وأخذه الطبيب ليريه لوحته المعلّقة على جدار مكتبه.

لوحات من تراب

في السبعينيّات والثمانينيّات، ومع المدّ اليساريّ الجارف، اقترب جوني من تلك الفضاءات النضاليّة، مشاركاً بفرشاته وألوانه، وكان صديقاً لناشر “السفير” طلال سلمان، وقبلها كان سلمان قد عرّفه إلى الأديب غسان كنفاني، فترة صدور جريدة “الحرّيّة”. في تلك المرحلة خصّص حسن جوني معرضاً كاملاً للقضيّة، والعمل الفدائيّ، فكانت أسماء لوحاته: “هنا باقون”، “حسناء تلّ الزعتر”، “أحلام أسرة جنوبيّة”، “العودة من الحقل”… وقد نفّذ بعض تلك الاعمال بتراب أحضره من الجنوب، حيث مزجه بمواد عديدة مثل غراء عظم الأرنب، وصفار البيض، وزيت الكتّان…

خصّص حسن جوني معرضاً كاملاً للقضيّة، والعمل الفدائيّ، فكانت أسماء لوحاته: “هنا باقون”، “حسناء تلّ الزعتر”، “أحلام أسرة جنوبيّة”، “العودة من الحقل”… وقد نفّذ بعض تلك الاعمال بتراب أحضره من الجنوب، حيث مزجه بمواد عدّة مثل غراء عظم الأرنب، وصفار البيض، وزيت الكتّان

المتحف حلمه البعيد

في وقت مبكر، أخذت لوحة الفنان جوني هويّتها بتلك الضربات القويّة من الفرشاة، والتواءات العناصر كأنّها في حلم، وجرأة الألوان التي لا تغادر الخامة، حتى لو كان موضوع اللوحة مأساويّاً، مثل رجل يبحث عن الطعام في حاوية نفايات.

احتلّت لوحات حسن جوني مساحات في متاحف عالميّة، وكذلك جدران قصور الرئاسات الثلاث في لبنان، كما نال الكثير من الجوائز والتكريم، بينما سلك الطريق الأكاديميّ كمعلّم، ثم كرئيس قسم للفنون وعلى مدى سنوات. لذلك هو من القلّة الذين يعايشون نجاحاتهم، دون الشعور بالغبن العظيم، ولذا، هو لا يحلم لذاته بل لوطنه، حيث يتمنّى بناء متحف للفنون التشكيليّة. ولم يبخل بعرض الفكرة، وطرح المكان، والتبرّع بلوحتين من أعماله في حال سلوكها المسار الطبيعيّ. لكنّه يتحدّث عن الأمر بيأس يمنع تحقيق هكذا مساحة مضيئة، في بلد عوّدنا على ارتكاب الحروب كلّ بضع سنوات، كروتين دمويّ لإعادة ترسيم مراكز النفوذ والقوّة.

من لوحات الفنان جوني
مفتاح المحترَف

في العام 1979، تلقّى حسن جوني اتصالاً من السيّد صلاح اللبابيديّ، طالباً إليه إعطاءه دروساً في الرسم. الصوت المتهدّج يدلّ على أنّ الرجل في عمر متقدّم، وكان السبب الدّافع في ذهاب جوني إلى منزل اللبابيديّ، وليس العكس، ليتبيّن له أنّ طالبه تخطّى الثمانين من العمر، وكان ذات يوم مديراً للشرطة عند الرئيس كميل شمعون. بعد بضعة أيام قدّم اللبابيديّ مفتاحاً لجوني، هو لمكان في منطقة المنارة، يصلح لأن يكون محترفاً له، مؤكّداً أمامه “أن هذا المكان سيبقى لك ما دمتَ أنا حيّاً”. بالفعل هذا ما حصل، وقد تبين للفنّان جوني أن هذه الشقة كانت محترفاً لمصمّمة ازياء تدعى روسو روسّي، ثم آلّ المكان لمصمّمة الرقص جورجيت جبارة، إذ علّمت فيه رقص الباليه مدّة من الزمن.

بعد سنوات على مواظبة جوني الرسم في محترفه المطلّ على البحر، توفّي صلاح اللبابيديّ، فبادر إلى زيارة نجله الذي يشغل مكتباً في “سنتر الجيفينور” في الحمرا، مقدّماً له المفتاح مع فائق الشكر، غير أن الإبن كان بنبل الوالد عينه وبرقيّه، فلم يرضَ بمغادرة جوني ذلك المرسم، قائلاً: “نحن نفتخر بأنّ الفنّان حسن جوني قد أنجز لوحاته في هذا المكان”.

زاوية كتب في محترف الفنان جوني
كتابات على جدران محترف الفنان جوني

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى