“زعتر” صوفيا فرحات.. تغريبة القصيدة والأرض وذاكرة الحرب

يخرج الشّعر من أزقّة القرى، من رحمها من أكثر الأمكان المنسيّة ويقص حبل السرة في المدن القريبة والبعيدة فتأخذ المدن المجد عنه. ولكن هل يمكن لقرانا التي عشنا فيها صبانا وبداية مخاض الشعر أن تختفي مع الوقت من هويتنا وأن لا يعود المجد إليها؟ تجيب “صوفيا فرحات” عن هذه التساؤلات في ديوانها الشعري “زعتر” الصادر حديثًا في فرنسا عن دار “برونو دوساي”.

“صوفيا كارامبلي فرحات” كما تحب أن تمزج بين عائلة والدتها اليونانية ووالدها الكاتب محمد فرحات الذي حمل بلدته جرجوع في كتبه وأورثها لإبنته التي خرجت من جرجوع في عمر الثامنة عشر وحطت في فرنسا حاملةً معها الزعتر الجنوبي والعود الأبدي للحنين.

صعتر جرجوع
تغريبة شجر الزّيتون

كتبت صوفيا الشعر في فرنسا وكأنها تكتبه من وراء شباك غرفتها في جرجوع وهي طفلة. لم تحب صوفيا طفولتها رغم أنها كانت حاضرة معها في كل صفحات الديوان. هذه الثورة على الطفولة التي تمتزج بين الحنين والغضب هي التي ولّدت “زعتر”. تقول صوفيا أنها كانت طفلة وحيدة دائمًا، تشعر بالغربة بين سائر الأطفال حولها، فلجأت إلى الكتب هربًا من نمط العيش في الجنوب. اكتشفت باكرًا واقع السياسة اللبنانية فهربت إلى الكتب بحثًا عن أبواب جديدة لحياةٍ خيالية، فتحت أبواب الكتب وعاشت بداخلها مغلقةً أبواب الحقيقة خلفها. لذلك يبدو “زعتر” مخلوقًا من الخيال، كما هي معظم الكتب التي نهرب إليها جميعًا.

صوفيا طفلة مع والدتها

يبدأ الشّعر من علاقتنا بالطبيعة، بالشجر والزهور والمساحات الواسعة التي تفتح لنا الأبواب للتأمّل، هذا بالتحديد ما تفتقده المدن. تحكي صوفيا عن أكثر المشاهد انطباعًا في ذاكرتها من الطفولة فتقول أنها حديقة منزلهم في جرجوع. تسرد تفاصيل الحديقة بعين طفولتها وتسرد حب والدها للشجر واللون الأخضر للطبيعة، وكيف كانت تقرأ الكتب تحت شجرة الزيتون في حديقتها.

هاجرت إلى فرنسا، المدينة الخيالية التي منحت صوفيا الشعور بالأماكن الخيالية التي كانت تبحث عنها في الكتب. تقول أنها تركت جرجوع كي تبدأ حياة ثانية، تعلمت الفرنسية جيدًا كي تستطيع البدء من جديد بلغة جديدة وشخصيّة جديدة وأفكار وهوية من اختيارها، كما توقفت عن القراءة باللغة العربية وعن تذوق الأكل اللبناني. “أردت أن أصير فرنسيّة” تقول صوفيا. ولكنها لم تستطع بناء ذاكرة جديدة. ظلت جرجوع وبقي الزعتر الجنوبي وبقيت لعنة الذاكرة التي لم تستطع فرنسا بأكملها محوها.

الأرض تتغلّب على الوطن

“الشعر بالنسبة لي هو المنزل، هو حيطان منزلي القديم التي لا تنهدم مهما قصفت الحرب كما فعلت في بيوتنا الحقيقية”. لا ينفك الخوف يظهر في ذاكرة صوفيا، تحكي عن ذاكرتها في جرجوع وهي تستذكر الحرب والدمار وجرائم النظام السياسي التي تثور عليها بالكلام والشعر. يبدو واضحًا أنّ هذه الحرب هي السبب الرئيسي لهربها من هذه الأرض إلى الكتب وإلى المدن الوهمية. امتزجت هذه العوامل فأتى الشعر ممتزجًا، من حبها للأرض وكرهها للنظام السياسي. “عندما أقول لبنان، أقصد به الأرض لهذا سميت ديواني زعتر. سميته من الأرض، من الوطن الحقيقي” تضيف صوفيا.

خلال إحدى الجلسات في الطبيعة في جرجوع

أشكّ إذا كان “الإستسهال” مرتبطًا ومحفّزًا حقيقيًا لاكتمال الفن. لا يمكن أن تسعى الفنون إلى الكمال المطلق دون الوقوع في الصعب والتحديات، خاصة في اللغة. أغلب الذين يهربون من العربية لأنها لغة صعبة على الرغم من معجمها الواسع والشامل، لكن هل يمكن أن نصير شعراء وفنانين دون الخوض في المصاعب؟ لم يأخذ “زعتر” مجده في لبنان كما أخذ مجده في فرنسا، المكان الذي احتواه وأصدره باللغة الفرنسية نفسها.

تعترف صوفيا أنها لا تستطيع الكتابة بالعربية رغم أنها اللغة الأجمل والأكثر اكتمالًا بالنسبة إليها. تقول ممجّدةً الشّعراء العرب أنها تنظر إليهم على أنهم من كوكب آخر. ارتبطَت الفرنسية بطفولتها، بالخيال واللعب والمساحة الآمنة التي تستطيع من خلالها قول ما تريد بكل أريحية. لم تشعر فرحات أنها تستطيع لمس اللغة العربية أو الإحساس بها حتى الآن. “لا أعتقد أنه لدي النضج الكافي لأشعر باللغة العربية. لكنني بلا شك سأكتب بالعربية يومًا ما” تضيف صوفيا.

كتبت صوفيا “زعتر” في أسبوعين، في غرفتها في فرنسا التي لا تزيد مساحتها عن 18 متر مربّع. في أسبوعين أرادت أن تنهي غضبها الذي وُلد مع تفجير 4 آب في بيروت وبعد أحداث ثورة 17 تشرين. كتبت ديوانها الشعري الأول موجهة رسائل مخفية تطلب فيها “حياة ثانية”. حاولت أن تخلق حياة جديدة لها ولوالدها المعتقل السابق في معتقل أنصار خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان العام 1982. تقول “الديوان مهدى إلى أبي. زعتر يطلب نظامًا جديدًا، رغم أنه كتاب شعر لكن السياسة مخفية بين رسائله”. أرادت صوفيا أن تزرع نبتة الزعتر فتتغلب النبتة والأرض على النظام والبلد.

كتبت صوفيا “زعتر” في أسبوعين، في غرفتها في فرنسا التي لا تزيد مساحتها عن 18 متر مربّع. في أسبوعين أرادت أن تنهي غضبها الذي وُلد مع تفجير 4 آب في بيروت وبعد أحداث ثورة 17 تشرين.

هل يمكن أن يفهم الفرنسيون طباعنا وحياتنا وحروبنا وأفكارنا حتى لو كان الديوان الشعري مكتوب باللغة الفرنسية؟ يحمل “زعتر” الهوية والذاكرة اللبنانية، ليس فقط في اللغة بل في إحساس صوفيا بالكلمات التي كتبتها. اللغة فرنسية ولكن الشعور الموجود بين القصائد عربي ولبناني أكثر. كتبت بالفرنسية لكنها لم تكتب كالفرنسيين. تعرف صوفيا أن الفرنسي لم يشعر حقيقةً بكل ما كتبته في “زعتر” كونه لم يعايش تلك الذاكرة والحروب والهوية اللبنانية ولكنها تعول على الشعور الذي بثّته في الكلمات. يمكن لصوفيا أن تخرج من دار اللغة العربيّة ولكن لا يمكنها الخروج من شعور اللغة وهويتها. هذا التجديد بالتحديد ما أعطى المجد لزعتر في فرنسا، صوفيا كاتبة جديدة بالنسبة إليهم، صوت جديد، صوت غريب.

قصف بين القصائد

لا تغيب الحرب في قصائد صوفيا، لا تزال في ذاكرتها وهي إبنة الأحد عشر عامًا. في حرب تموز بقي والدها محمد فرحات في منزلهم في جرجوع، تقول أنه ظل ليهتم بالحديقة بينما هاجروا جميعًا من لبنان. تصطدم صوفيا دائمًا في ذاكرة الحرب، في زعتر الذي حمل هذه الذاكرة في أغلب صفحاته وفي جلسات مناقشتها للديوان في فرنسا. “بدأت الديوان بالحرب. كتبت عن أمي وإخوتي وجدتي وعمتي فدوى. كل الناس الذين حملتهم من ذاكرة الحرب” تقول صوفيا.

مع والدها في جرجوع

بين صفحات الديوان خليط وتصادم بين ذاكرتين لا يمكن تجاهلهما، اضطراب في الهويّة، بين ذاكرة الحرب وذاكرة الجمال والزعتر والأرض. بينما كان الهروب متاحًا دائمًا، استطاع والد صوفيا بمشهد واحد وهو يرفض الهرب للبقاء مع الأرض والإهتمام بها لتصير صبية، أن يغرس هذا الإضطراب في ذاكرة صوفيا. هذا التصادم الذي يذكرها دائمًا بالوطن والحنين وغريزة البقاء حتى لو كانت في أبعد مدن العالم. لولا مشهد واحد لما كتبت صوفيا “زعتر” هكذا، لما خُلق الشّعر فيها بهذه الهيئة. “الشّعر هو المساحة الوحيدة التي يمكن أن نجمع فيها الحرب مع الجمال، فينتصر الجمال” تضيف.

هل يمكن أن نخرج كليًا ونتجاهل هويتنا وذاكرتنا عن الحرب دون ترجمتها في عمل فني ما؟ هل كانت ستنتهي الصدمة دون أن تكتب صوفيا الشعر؟ تقول فرحات أنها لا تعرف إن خرجت كليًا من صدمة الحرب، ولكنها تشعر أنها بنت لنفسها “لبنان جديد” لا تستطيع أي قذيفة الوصول إليه. كتبت صوفيا كل القذائف التي لم تستطع ردها عن أرضها، أخذت الكلمات في زعتر مكان القذائف في رأسها. تربط صوفيا بين مفهوم “بيت الشعر” و”البيت” الذي شعرت دائمًا بالحاجة إلى بنائه والهرب إليه. تقول أنه لا شيء أقوى من الكلمات.

لا تزال رغبة صوفيا في إعادة “زعتر” إلى مكانه في جرجوع تلحّ عليها. تقول أنه لا رغبة واضحة لديها بترجمة ديوانها الشعري إلى اللغة العربية لكنها تسعى إلى ترجمة عدد من المقاطع لأنها لا تريد أن يصل “زعتر” إلى مكانه في الأرض التي خرج منها مترجمًا. تريد أن تكتب يومًا ما باللغة العربية، أن تختبر نفسها وهي تعيش متعة اللغة وكمالها وصفائها.

لا أعمال مستقبلية واضحة بعد زعتر لكننا نترقب أعمالًا تحمل لبنان في ذاكرة صوفيا فرحات. نترقّب أعمالًا تحمل حلم صوفيا الجنوبي إلى العالم بالشّعر والأماسي. وهنا بعض من قصائد “زعتر” التي ترجمها الدكتور “محمد علي مقلّد”..

ولدت تحت القذائف
وسأموت بين الكلمات
ولو سقط المطر على رأسي زخّات زخّات
سأنهض بشعري المبلّل
وسأتابع الرقص.
* * *
إن شئت أن تتعرف عليّ،
قطّعِ الأسلاك الشائكة وارمها بعيداً،
نقّب في أحشائي،
ففي داخلي
سيتفتّح زهر
اللغة.
* * *
حدود بلادي تمتد كالقوس
على الأغصان العالية لرمّانة
زرعها والدي وسقتها والدتي.
وهناك مثل يقول:
« من يقدّم لك رمانة مقشّرة
يبدِي لك حبّاً أصفى من ماء الجداول.»
أبي لم يقل لي أحبّك
شغلته الحرب عنّي
لكنّه قشر لي أكواز رمان
في كلّ واحد منها
مئات الكلمات
أحبك
ومن كلّ حبّة
كان يطلّ عليّ
فجر جديد
* * *

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى