“عانس” أم “عزباء”.. النساء ضحايا العرف المجتمعيّ والثقافة الذكورية

لم تكن عانسًا أبدًا، بل تمتلك حياة رائعة، تذهب إلى العمل الذي تحبّ وترغب، تمارسه بكلّ عنفوان وشغف، تسهر ليلًا في الحانة رفقة أصدقائها، تسافر في العطلة الصيفيّة وتزور البلاد البعيدة. كانت حياتها رائعة ومكتملة كيفما أحبّت وتمنّت، ولم تشعر يومًا أنّها بحاجة إلى زوجٍ كي لا تكون عانسًا، بل كمّلت نفسها بنفسها وكانت كما أرادت أن تكون هي وليس مجتمعها.

على الرغم من كلّ ذلك، لم تستطع أماني م. أن تبعد عنها “شبح” هذه الكلمة في أصوات أقربائها وعمّاتها وخالاتها، خصوصًا بعدما اقتربت من ربيع عقدها الرابع، تقول: “لقد كنت ناجحة وسعيدة وعازبة ولم أكن يومًا عانسًا”.

كلمة عانس في بعلبك الهرمل

لا يختلف المجتمع البعلبكيّ- الهرمليّ في نظرته تجاه المرأة التي لم تتزوج، عن نظرة المحيط البعيد أو القريب، سواء اللبنانيّ أو حتّى العربيّ، إذ تُوسم بتلك العبارة التي تحمل الكثير من الانتقاص من حقّ المرأة كإنسان، وصولًا إلى جعل تلك الكلمة “عانس” تهمة، لصيقة بالنساء فقط، ترتقي في الكثير من الأحيان إلى جريمة يعاقب عليها المجتمع، بينما يفوز الرجل غير المتزوّج بتعبير “عازب” بفضل الثقافة الذكوريّة الطاغية.

لم تفرّق اللغة العربية بين الرجل والمرأة في معنى كلمة عانس (عَنَسَتِ الْبِنْتُ: طَالَتْ عُزُوبِيَّتُهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ؛ عَنَسَ الرَّجُلُ: أَسَنَّ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ)، لكنّ المجتمع المتخم بالثقافة الذكورية اختزل المعنى وجعلها لصيقة بالمرأة فقط، ولم يكتفِ بذلك المعنى التوصيفي المجرّد، بل حوّله إلى نقيصة ينمّط بها المرأة التي لم تتزوّج، فيما عفا الرجل من معناها تحيّزًا إلى ذكوريّة فاقعة لا زالت مجتمعاتنا ترزح تحتها، وتحصد المرأة نتائجها ظلماً وإجحافاً.

لم تفرّق اللغة العربية بين الرجل والمرأة في معنى كلمة عانس (عَنَسَتِ الْبِنْتُ: طَالَتْ عُزُوبِيَّتُهَا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ؛ عَنَسَ الرَّجُلُ: أَسَنَّ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ)، لكنّ المجتمع المتخم بالثقافة الذكورية اختزل المعنى وجعلها لصيقة بالمرأة فقط.

لا تجد النسوة خلاصًا من تلك الثقافة ومن تلك الـ”عانس” سوى بالزواج، هربًا من نظرة المجتمع القاسية، ومن واقع يربط العنوسة بها فقط، تمامًا مثل ارتباط جريمة الشرف بها فقط. وعلى الرغم من أن قرار الزواج يجب أن يكون خيارًا شخصيّا حرًّا لا إكراه فيه، تُفسد كلمة عانس هذه القيمة المقدّسة، وتجعل الزواج ضرورة اجتماعيّة، متجاهلةً كلّ ما تحمله المرأة من عواطف وأحاسيس وخصوصيّة، مقدّمةً مصلحة نظرة المجتمع على مصلحتها النفسيّة والعاطفيّة.

عندما تصبح العزباء ضحيّة

غالباً ما تكون المرأة في مجتمعاتنا الشرقية في مقدمة ضحايا التمييز القائمة على أساس النوع الاجتماعيّ فقط لأنّها امرأة، من دون أيّ ذنب آخر، مع ما يستتبع ذلك من ضغوط تحت عدّة مسمّيات تطال أوضاعها الاجتماعيّة، وتضعها تحت خانة التمييز الاجتماعيّ والنظرة الخاطئة، على نحو: عانس، مطلّقة، أو أرملة، ولا يمكن تصنيف ذلك إلّا بعنف اجتماعيّ ثقافيّ قائم على النوع الاجتماعيّ.

قصّة أماني ورفيقاتها

تبلغ أماني م. الثامنة والثلاثين، هي صاحبة مركز تجميل في الهرمل، وهي عازبة غير متزوّجة، وتؤمن بأنّ نجاح المرأة يكمن في تحقيق استقلاليّتها المادّيّة وتحقيق أحلامها بشغفها الخاص.

عزت أماني عدم زواجها إلى قرار ذاتي اتّخذته، “وبالتالي أنا راضية تمامًا عن نفسي ومكتفية ذاتيًّا. شغلي جيّد والحمدلله، ومصروفي من شغل يديّ. أمّا مادّيًّا فلست محتاجة لأحد”.

وعن البيئة المحيطة بالمرأة العازبة اعتبرت أماني أنها “بيئة آمنة، بمعنى الأمان من الأذى الجسديّ، وطالما إنتِ قدّ حالك وحرّة نفسك قادرة تحمي حالك بحالك”، تقول.

وعن حياتها تحكي لـ “مناطق نت”: “أمضي معظم يومي في عملي. وبحكم هذا العمل ألتقي بكثيرات من البنات، ممّن يعشن ظروفًا مشابهة، وقد بنين حالهنّ بحالهنّ، ولم يعتمدنَ على وجود رجال في حياتهنّ كي ينجحنَ. بالعكس لقد تفوّقن في أعمالهنّ الخاصّة وفي كلّ المجالات، ولم يربطن النجاح بالزواج، وهناك كثيرات يعتبرن الزواج مقبرة النجاح، وربّما يكون ذلك صحيحًا”.

لا تجزع أماني من كلمة عانس، لكن “من المؤكّد أنّ الأمر سوف يزعجني عندما أسمعها وأشعر للحظات بنوع من الإهانة، خصوصًا عندما توجّه إليّ وكأنّني متّهمة أو مرتكبة لذنب ما! ناهيك عمّا تحمله تلك العبارة أحيانًا من سخرية واستهزاء”.

أماني م.

تشير أماني إلى أنها في الكثير من الأحيان تتلقّى السؤال عينه “لماذا لم تتزوجي حتى الآن؟”، تعلّق: “أواجه هذه الأسئلة بالكثير من التريّث والوعي والشجاعة، واللامبالاة كذلك تجاه نظرة المجتمع الرجعّية والمسيئة”.

بغضّ النظر عن الأسئلة “الحشريّة” وهذا التصنيف، تشعر أماني “بين فترة وفترة بلحظات خوف من الوحدة، ويخطر ببالي كيف سأكبر غدًا لوحدي؟ إنّه القلق الوحيد الذي ينتابني. أمّا كلام الناس وتصنيفهم لي بالعزباء أو العانس، فهذا أمر لا يعنيني أبدًا، ولا أعطيه أكثر من لحظات قليلة بين سماعه والتفكير فيه”.

تعتبر أماني توصيف الحالة الاجتماعيّة للرجل والمرأة بأنّه على القدر ذاته والأهمّيّة عينها، “ولا يستدعي التمييز الحاصل، والذي مردّه إلى الصورة النمطيّة تجاه المرأة في البيئات الشرقيّة بشكل عام”.

لا تنفي أماني أهمّيّة الزواج في حياة الناس، “وليس في حياة البنت فحسب، وهو مشروع بناء ركن أمان تجاه المستقبل البعيد، للرجال والنساء على حدّ سواء، لكن في المقابل لا يمكن حصر الحياة ومعناها في مشروع الزواج دون غيره. نعم هو مهمّ لكنّه ليس محور الحياة كلّها ومن دونه تنعدم هذه الحياة، يعني أنّ “العزوبيّة”  أبدًا ليست إهانة أو نقصًا كي تتّهم المرأة بكلمة عانس”.

“خلص تعوّدنا”

تبلغ غادة زين الدين، 41 عامًا، من بلدة يونين (بعلبك)، قرّرتْ أن تظلّ عزباء بإرادتها، وأن تعيش مع أسرتها في مدينة بعلبك. تقول في حديث لـ “مناطق نت”: “إنّ فكرة الزواج وبناء العائلة مرتبطة بقرار المرأة فقط، إذا ما وجدت الرجل الذي يناسبها، وإلّا فلا داعٍ لذلك”.

أمّا عن التمييز وتوصيف الحالة الاجتماعيّة بين الرجل والمرأة من خلال المجتمع، فتقول: “بحسب نظرة الناس تكون العزوبيّة عند الرجل طبيعيّة جدًّا، فهو يستطيع الزواج أكثر من مرّة، وبأيّ عمر كان. أمّا المرأة فمقيّدة بعمر تقليديّ محدّد تكون فيه مؤهّلة لتكوين أسرة أو لتكون زوجة صالحة، وألّا تكون متزوجة من قبل، لأنّ هذا الأمر كذلك من المؤثّرات السلبيّة على سمعتها بحسب نظرة المجتمع المحيط الرجعيّة”.

غادة زين الدين: بحسب نظرة الناس تكون العزوبيّة عند الرجل طبيعيّة جدًّا، فهو يستطيع الزواج أكثر من مرّة، وبأيّ عمر كان. أمّا المرأة فمقيّدة بعمر تقليديّ محدّد تكون فيه مؤهّلة لتكوين أسرة أو لتكون زوجة صالحة.

أمّا عن كلمة “عانس” فتعتبرها غادة “في الغالب تأتي من البيئة المحيطة وخصوصًا من الدائرة القريبة جدًّا مثل الأقارب والجيران”.

وعن هواجس المفردة “عانس” تعتبر “أنّ الهواجس ليس من الكلمة بحدّ ذاتها، إنّما الخوف الحقيقيّ من المجتمع الذي لا يرحم، وسط تعدٍ دائم على خصوصية المرأة العازبة بجملة من الأسئلة: كيف؟ لماذا؟ متى؟ من دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تحيط بشخصيّة المرأة ومشاعرها. أو نعتها بعبارات قاسية لتبرير عدم الزواج مثل: “حلوة”، “بشعة”، جيّدة غير جيّدة وصولاً إلى سمعتها. ما يشعرها بالنقص ويثقلها بالمخاوف”. وتعلّق: “لكن خلص تعوّدنا”.

للعائلة الدور الأكبر في خيار المرأة من أن تكون عازبة بإرادتها أو زواجها لمجرّد الزواج فقط، برأي غادة لكن “ظروف المرأة الكثيرة ربّما تجعل إرادتها الحرّة لا تتوافق مع فكرة الزواج في سنّ معيّنة قد يعتبرها الناس السنّ الأنسب للزواج. وهنا يأتي دور العائلة الحمائي في بناء بيئة آمنة حول المرأة أو تركها في العراء”.

وتخلص زين الدين إلى أنّ كلمة عانس كلمة مؤذية والزواج ليس معيار نجاح المرأة أبدًا، إنّما تنجح المرأة عندما تتابع تعليمها وتحقّق ذاتها وتعيش الحياة التي تحبّها وتكون استثنائيّة ومتميّزة بعين نفسها، وتتزوّج عندما تريد، مع مراعاة السنّ المناسب لتكوين الأسرة وإنجاب الأطفال”.

مطلّقة أفضل من عانس!

تشير رولا زعيتر، الناشطة في التجمّع النسائي الديمقراطي اللبنانيّ، والمدربة في مجال حقوق النساء إلى “أنّ المجتمع اللبنانيّ وعلى الرغم من التطور الذي ألغى الكثير من العادات والتقاليد، إلّا أنّ نظرته من فئاته المختلفة ترفض عدم زواج الفتاة، ويعتبر أنّ الفتاة مهما علا شأنها وتقدّمت أوضاعها في العمل والتعليم والفرص الاجتماعيّة يبقى الزواج هو السلاح الأفضل والأجدى لها، حتى وإن كان مصير زواجها الفشل، فكلمة مطلّقة وبإجماع كبار السنّ في البيئة المحيطة أفضل بكثير من عانس”.

السيدة رولا زعيتر، ناشطة في التجمّع النّسائي الدّيمقراطي

تضيف زعيتر في حديث إلى “مناطق نت”: “إنّ المجتمع يميز ثقافيًّا بين الفتاة غير المتزوّجة وبين الرجل العازب. ولا يلوم الرجل إذا ما تاخّر في الزواج، بل ويعتبر أنّ من حقّه اختيار الفتاة التي يرغب بها. أمّا الفتاة التي لا تتزوج فيعيّرها المجتمع بأنّها أصبحت كبيرة السنّ ويصفها بأنّها غير مؤهّلة للزواج”.

و”على الرغم من أنّ الفتيات، اليوم، تغيّر تفكيرهنّ بالنسبة للزواج، فمنهنّ من تريد إثبات ذاتها، ومنهنّ من تريد أن تعيش حياتها وتؤمّنها مادّيًّا واقتصاديًّا وأن تكون سيّدة نفسها. فهنالك كثيرات منهنّ ندمن على التأخّر في الزواج وقبلن برجال أقلّ منهنّ ثقافيًّا واجتماعيّا، لأنّ الرجل وفق المجتمع الشرقيّ لا يعيبه شيء” تقول زعيتر.

بنت “إخت الرجال”

لكن لا يخلو الأمر، وبحسب زعيتر “من وجود الكثير من العائلات وبناتهنّ اللاتي بدّلن من نظرتهنّ لهذا الأمر وخصوصًا تلك التي تبدّلت ظروفها وأصبحت مسؤولة عن عائلتها، وأضحت شريكة في الاقتصاد العائليّ، وناجحة ومتميّزة في مجتمعها، ولكن، التمييز يطالها هي الأخرى ويجري توصيفها بـ “إخت الرجال” أو إنّها بألف رجل”.

وتختم رولا زعيتر الحوار بالإشادة بدور الجمعيّات النسائيّة ومنها “التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ في البقاع الذي يعمل على تعزيز ثقة المرأة بنفسها وتقوية قدراتها. لدينا الكثير من الأمثلة الناجحة لفتيات ونساء تغيرت نظرتهن لأنفسهنّ وأصبحت لهنّ مواقع ومكانات بين أقرانهنّ وعائلاتهنّ والمجتمع الذي يعشن فيه. كلّ الأنشطة التي ننفذّها تسعى إلى مجتمع تكون فيه الفتيات والنساء مشاركات ورائدات، ولهنّ دور في تطوير المجتمع، لأنّ المجتمع لا يستقيم سوى بتطوّر المرأة، وكذلك بتطوّر نظرة المجتمع الشرقيّ واحترامه لها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى