تحقيقات

عشيرتا “القليطات والعرامشة” في أقصى الجنوب.. جمعهما نبع يارين وفرقهما “سايكس بيكو”

قبل حوالي ثلاثة قرون حط “قاسم القليط ” جد آل القاسم الملقب بالهرش، الذي شكل مع أبناء عمومته “فخذ النهيشات” عند عين بلدة يارين الجنوبية مع ماشيته قادمًا من صوب فلسطين على الأرجح. يذكر ذلك عدد من المعمرين في البلدة وأنسبائهم من عشيرة “القليطات” في بلدات وقرى يارين والبستان ومروحين – أم التوت والزلوطية. البلدات تلك تشكل بقعة جغرافية وديمغرافية واحدة إلى جانب عشيرة عرب العرامشة في بلدة الضهيرة، وجميعها تؤلف حدودًا مع بلدات وقرى فلسطين المحتلة، وتقع بين علما الشعب في منطقة صور غربًا وراميا وعيتا الشعب في منطقة بنت جبيل شرقًا.

تُعرف هذه البلدات والقرى “السنية” بحسن ضيافتها ونخوتها، وتقديم الأرواح في سبيل قضية فلسطين ومقاومة لبنان بكل ألوانها وأطيافها، ابتداء من العام 1948 وصولًا إلى العام 1956 و1977 وتوجت بمجزرة ارتكبتها إسرائيل بحق الأبرياء من أبناء مروحين. وجلهم من الأطفال، أدت إلى استشهاد 21 شخصًا إبان عدوان تموز- آب 2006. تربط تلك البلدات علاقات وثيقة مع جيرانها، تسودها المودة والإلفة والتزاوج والتبادل الثقافي والاجتماعي. وبرز من أبنائها شخصيات حقوقية وإعلامية وفكرية. وما يميز أبناء هذه البلدات لهجتهم العربية البدوية وسحنتهم السمراء.

عين بلدة يارين

لكن هذه البلدات والقرى إسوة بجيرانها، لم تحظ بالخدمات الأساسية بعد التحرير العام 2000، لبقاء غالبية أهلها فيها، والذين يتوزعون منذ أكثر من أربعة عقود في مناطق صور والزهراني وبيروت وبلاد الاغتراب، من أجل لقمة عيشهم غير المتوفرة في بلداتهم، التي تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 120 كيلو مترًا وترتفع عن سطح البحر أكثر من أربعماية متر. وهي بلدات ريفية تعتمد على الزراعات البعلية نظرا لندرة المياه فيها.

عرب القليطات

يُعد المربي حسن دياب الاسماعيل 85 عامًا، كتابًا توثيقيًا يؤرخ لوجود عشيرة عرب “القليطات” في منطقة الجنوب – صور والتي قد تكون الوحيدة في لبنان.

المربي حسن دياب الاسماعيل

يروي الاسماعيل لـ “مناطق نت” مرحلة قدوم عرب القليطات إلى المنطقة ويقول “إن هذه العشيرة هي فرع من قبيلة “عنزة” الموجودة بكثرة في المملكة العربية السعودية والكويت وسوريا والعراق والأردن، ومنها آل علي الصغير في لبنان وغيرهم. وقبيلة عنزة تنسب إلى عمرو ابن ربيعة ابن نزار ابن مُعد وابن عدنان والعنزة هو الرمح القصير، الذي كان يحمله عمرو دائمًا.

يضيف الاسماعيل أن “القليطات” تنسب إلى قليط وهو لقب لرئيس قبيلة، ومعنى قلط أنه شجاع وصاحب رأي. ويتناقل أبناء المنطقة من كبار السن بالتواتر أن قاسم القليطي جاء إلى عين بلدة يارين مع رعيه وسكن المكان نظرًا لوجود المياه لتلبية حاجته وحاجة ماشيته قبل نحو ثلاثة قرون، قبل قانون “فرمان” تملك الأراضي الذي أقره الأتراك حينذاك.

يتابع حسن الاسماعيل أن قاسم القليطي ذهب من يارين إلى “المنوات” في فلسطين المجاورة لطحن كمية من الحنطة في إحدى المطاحن الحجرية هناك، حيث التقى في طريقه بشابين قادمين من شرقي الأردن إلى شمال فلسطين بحثًا عن الرزق، ودار بينهم حديث، ثم أخبراه أنهما من بني وائل، فقال القليطي أنا أيضًا من بني وائل وأقيم في يارين فاصطحبهما في طريق العودة إلى مكان أقامته، فسكنوا المنطقة جميعهم، ثم تكاثروا ولهم حاليًا أجباب من الخبابزة والبدادرة من ضمن عشيرة القليطات التي تتفرع منها أيضًا “النهيشات والخبابزة والبدادرة وعرب الخريشة”.

توجه حسن الخريشة إلى بلدة عين إبل القريبة في منطقة بنت جبيل، وهناك تزوج من امرأة مسيحية واتبع ديانة زوجته، وآل خريش في عين إبل هم أبناء عمومة أبناء البستان وينتسبون إلى الخريشة
عرب الخريشة

“للخريشة” أيضًا حكاية أخرى وهم “فخذ” من عرب القليطات. فقد جاؤوا إلى قرية البستان من الأردن التي يوجد فيها أعداد كبيرة من عرب الخريشة، الذين يتواصلون مع عرب الخريشة، التي يعود أصولها إلى عشائر بني صخر، ومن أبرز مشايخها حديثة الخريشة.

رئيس بلدية البستان عدنان الأحمد

يؤكد الناشط الاجتماعي رئيس بلدية البستان عدنان الأحمد، نقلًا عن خاله مختار مروحين محمد طه القاسم، الذي عاش قرابة المئة عام أن الشقيقين حمد وحسن الخريشة حطّا رحالهما في قرية البستان قادمين من الأردن، وفيما استقر حمد وتزوج في البستان، توجه شقيقه حسن إلى بلدة عين إبل القريبة في منطقة بنت جبيل، وهناك تزوج من امرأة مسيحية واتبع ديانة زوجته، وأن آل خريش في عين إبل هم أبناء عمومة أبناء البستان وينتسبون إلى الخريشة.

ويلفت الاحمد لـ “مناطق نت” إن منطقتنا يشهد لها بالوطنية، وتبني أبنائها للقضية الفلسطينية منذ نكبة العام 1948 وانخراط عدد كبير من شبانها في صفوف المقاومة الفلسطينية والأحزاب اليسارية والمقاومة الوطنية اللبنانية.

وقال الأحمد “علاقاتنا مع جيراننا متلازمة في كل شيء، وما يصيبهم يصيبنا، مستذكرًا العدوان والمجازر الاسرائيلية بحق أبناء قرى عرب القليطات والعرامشة، لا سيما في تموز العام 1977، حيث هجر أبناؤها ودمرت منازلهم واستشهد 23 منهم في هذا العدوان انتقامًا لوقوفهم إلى جانب المقاومة، لافتًا إلى أن عدد سكان هذه البلدات والقرى يتوزع كما يلي: يارين 4500 نسمة، البستان 3000 نسمة، مروحين 2800 نسمة، الزلوطية 300 نسمة، والضهيرة ألفي نسمة.

التمسك بالعادات والتقاليد

يتمسك حسن علي سمير 85 عامًا بكوفيته التي تغطي الجزء الأكبر من وجهه الذي لوحته الشمس. يواصل سمير عمله في زراعة أرضه، التي يقلب تربتها لتنبت زرعًا أفضل ورزقًا أوفر من التبغ والزيتون والقمح والخضار.

حسن علي سمير

يقول لـ “مناطق نت” إن عشيرتنا المتجذرة في هذه الارض منذ حوالي الثلاثماية عام، تحافظ على عاداتها وتقاليدها، المعروفة بالنخوة العربية والاندفاعة تجاه المظلومين وأصحاب الحقوق وهم كانوا وما زالوا يدافعون عن قضية فلسطين وعن أرضهم اللبنانية المتجاورة مع فلسطين.

تولى حسن علي البردان مختارية بلدة يارين لأكثر من 45 عامًا، أعقب مختارًا من آل الباي كان على سدة المخترة في العهد العثماني. والبردان من عرب القليطات فخذ النهيشات، وتوفي العام 1970. ويؤكد حفيده الزميل فادي البردان لـ مناطق نت “أعتقد أن جذور هذه القبائل من اليمن، فيما يقول البعض أن جذورنا من الأردن والعراق”.

ويضيف أن منطقتنا يشهد لها بخطها الوطني. وأن أبناء هذه العشائر والأفخاذ، معروف عنهم الثبات في مواقفهم ودفاعهم بالدم عن قضية فلسطين ووقوفهم وولوجهم المباشر في المقاومة اللبنانية بمختلف أطيافها. وهناك عددًا كبيرًا من أبناء هذه القرى في مؤسسات الدولة والاسلاك العسكرية. ويوجد فيها طاقات فكرية وعلمية وحقوقية وتربوية تتبوأ مواقع مهمة في الحياة العامة.

سلخت معاهدة سايكس بيكو العام 1916 بين فرنسا والمملكة المتحدة أبناء عشيرة عرب العرامشة، فقسم الانتدابين الفرنسي والبريطاني للبنان وفلسطين بلدة الضهيرة، التي يسكنها أبناء العشيرة الوحيدين في لبنان
مختار يارين الاسبق حسن البردان وابن قريته ناصر الخليل
عرب العرامشة

سلخت معاهدة سايكس بيكو العام 1916 بين فرنسا والمملكة المتحدة أبناء عشيرة عرب العرامشة، فقسم الانتدابين الفرنسي والبريطاني للبنان وفلسطين بلدة الضهيرة، التي يسكنها أبناء العشيرة الوحيدين في لبنان. ومنذ ذلك الحين وخصوصًا بعد نكبة فلسطين العام 1948، انفصل الأهالي قسرًا عن بعضهم البعض، وأصبحت الغالبية منهم في لبنان “الضهيرة” والآخرون في تل مقابل للبلدة داخل فلسطين يطلق عليه اسم “جُرداي” كانوا يتبادلون التحايا فيما بينهم وعبر مكبرات الصوت من خلف الشريط الشائك ويواسون بعضهم في الاحزان والافراح. وبقيت المقبرة تجمعهم إلى وقت قريب، خصوصًا وأن الأهالي في لبنان وفلسطين بينهم صلة قرابة قوية ومنهم الأخوة والأبناء.

لطيفة عجاج المغيص مع حسن ابو ساري

ولكن اسرائيل أبعدت في العقود الماضية، أبناء “العرامشة” إلى منطقة عربين وحوّلت منطقة “جُرداي” إلى موقع عسكري كبير. وزرعت أجهزة إرسال وتنصت تشرف على الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى حرمان الأهالي من تواصل النظر بين بعضهم البعض في الحد الأدنى.

دفعت هذه البلدة الصغيرة الشهداء تلو الشهداء. فكانت المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل بحق عائلة أحمد حسن أبو ساري، الذي استشهدت زوجته ذيبة فنش ووالدته وأربعة من أولاده وأحد أبناء يارين، فيما نجا أبو ساري من هذه المجزرة لوجوده خارج المنزل، والتي تمثلت بتفجير المنزل من قبل قوة كومندوس اسرائيلية انتقامًا من مقاومة أحمد أبو ساري ورفاقه للاحتلال الاسرائيلي في فلسطين. وأيضًا سقوط عدد من أبنائها شهداء في عدوان تموز 2006.

“سايكس بيكو” تقسم عرب العرامشة

ويلفت رئيس بلدية الضهيرة السابق فايز الدرويش لـ “مناطق نت” إلى أن أصول عشيرة عرب العرامشة في البلدة، يعود إلى العراق، وهي من العشائر الكبيرة والمعروفة هناك. ويقول “إن معاهدة سايكس بيكو ثم الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين في العام 1948، مسؤولان عن تفريق وتشتيت عائلات كثيرة من البلدة عن بعضها البعض، بسبب الجغرافيا التي كرسها الانتداب الفرنسي والاحتلال الاسرائيلي، الذي اقتطع مساحات إضافية من أراضي الضهيرة. مؤكدًا أن أبناء عشيرة عرب العرامشة في لبنان وفلسطين قد جاؤوا إلى المنطقة من دولة العراق قبل ثلاثماية عام، التي يوجد فيها العدد الأكبر من العرامشة.

رئيس بلدية الضهيرة السابق فايز الدرويش

يضيف الدرويش “في السابق كان هناك مقبرة مشتركة لأهالي الضهيرة في لبنان و”جرداي” في فلسطين، لكن الاحتلال الاسرائيلي قسمها إلى قسمين أواخر الخمسينيات، وبات القسم الأكبر منها الذي يضم رفات أعداد كبيرة من أهالي البلدة، في الجانب الفلسطيني المحتل.

حُرمت لطيفة عجاج المغيص 86 عامًا، التي تزوجت من أحد أبناء عشيرتها في الضهيرة من آل أبو ساري، من عائلتها المؤلفة من والديها و12 من الأخوة بينهم تسع أخوات وثلاثة أخوان، يعيشون مع أبنائهم داخل فلسطين منذ النكبة، وتوفي العديد من أشقائها هناك، ولا تعرف مصير أبنائهم وأحفادهم. وتتمنى المغيص التي لا تكف النظر من حقول بلدتها ومنزلها اإلى القسم الذي يسكنه أقاربها، أن تشم رائحة من أخوانها.

وتضيف أننا نعيش اليوم مع جيراننا بهدوء وراحة البال، على الرغم من ابتعادنا عن أحبتنا المنتشرين في أرجاء فلسطين. ونأكل من هذه الأرض التي نرويها بعرق جبيننا منذ عقود طويلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى