“فرنكوفونيّة” منزوعة المخالب في جبل عامل

“لم يوافقني أحد على وضع إبني في قسم اللغة الفرنسيّة، في مدرسة الضيعة، معلّلين الأمر بعدم استفادته منها حين يكبر، على عكس الإنكليزيّة التي سيحتاجها حتماً في أيّ مجال عمليّ سوف يخوضه”. تقول “أم أمير” لـ “مناطق نت”، ثم تردف مضيفة: “لقد حذّروني من أنّ أيّاً من أخوته لن يستطيع تدريسه في البيت، إذ إنّ الجميع هنا تعلّموا الإنكليزيّة كلغة ثانية”.

هكذا، وفي غضون ثلاثين عاماً، استطاعت “الإنكليزية” إزاحة “الفرنسيّة” من الكثير من المناهج الدراسيّة في لبنان، وكان الجنوب عيّنة تشبه باقي المحافظات، ولو أنّ بعض شبّانه قد استفادوا من تلك اللغة، حينما قصدوا البلدان الإفريقيّة الناطقة بالفرنسيّة (مثل: السنغال، ساحل العاج، الكونغو، مالي وغيرها). هؤلاء كانوا محظوظين، حيث وجدوا ساحات عمليّة يفرّغون فيها معارفهم، فأسّسوا أعمالاً، ونجحوا فيها في وقت سريع، متجاوزين حاجز اللغة قبل غيرهم.

مدرسة الليسيه الفرنسية في حبوش
قوّات الطوارئ

لم تكن المدارس في جنوب لبنان المصدر الوحيد لمعرفة لغة ڤولتير وروسّو، ذلك أنّ بعض القرى المتقاطعة بشكل يوميّ مع قوّات الطوارئ الدوليّة العاملة في جنوب لبنان (مثل جويّا والشهابيّة)، كانت قد استفادت من ذلك التداخل التجاريّ، والودّي مع الكتيبة الفرنسيّة، أو تلك الكتائب الإفريقيّة الناطقة بالفرنسيّة.

في غضون ثلاثين عاماً، استطاعت “الإنكليزية” إزاحة “الفرنسيّة” من الكثير من المناهج الدراسيّة في لبنان، وكان الجنوب عيّنة تشبه باقي المحافظات

قبل ذلك أو بعده، كانت فرنسا من الدول التي قدّمت الكثير من المنح الدراسيّة للطلّاب اللبنانيّين، كما فتحت أبوابها لبعض العائلات إبّان الحرب الاهليّة التي امتدت من العام 1975 حتى 1990. غير أنّ كلّ هذا لم يُجدِ نفعاً أمام اجتياح الإنكليزيّة التي غدت لغة التكنولوجيا، أو العلوم بأشكالها كافّة، بل تمدّدت لغة “اليانكي” لتقتطع بعضاً من لغة الناس العربيّة اليوميّة، وها هو الفنّان شربل روحانا يغنّي “هاي، كيفك، سافا (Ça va)؟ من وين جبتا يا لبناني؟…” مسلّطاً الضوء على جملة يستخدمها اللبنانيّون، وهي جامعة لثلاث لغات: هاي: الانكليزيّة، وكيفك: العربيّة، وسافا: الفرنسيّة. والأمر يتجاوز المفارقة الطريفة، لتوغل في مسام كينونة هذا الشعب، الجامع للأصالة والخواء في آن.

الصراع الفرنسي ـ الفرنسي

قبل ثمانين سنة، كانت أرض الجنوب اللبنانيّ وسماؤه، ساحات قتال، بين الجيش الفرنسيّ “المحتلّ” بقيادة بّيتان، والجيش الفرنسيّ “المحتلّ” هو الآخر بقيادة ديغول. وكذلك دخل الجيش البريطانيّ بدبّاباته وطائراته على الخطّ، لنصرة الجزء الدّيغوليّ، فكان سكّان القرى ينظرون إلى ما يحدث كمباريات ليس لهم فيها لا حول ولا قوّة، حيث لم تكن الثقافة السياسيّة أو الإخباريّة حاضرة ضمن يوميّات الفلّاحين، اللّهمّ سوى بخطوطها العريضة، عندما يتداولون بها في فترة احتشادهم عند عين المياه، أو طاحونة الضيعة.

غرائبيّة المشهد كانت بذلك التناقض الشديد بين “نير” الفلّاح، وتلك الآلة المعدنيّة الضخمة التي تشطر السماء بأجنحتها، وصوتُها المُوقِر (المصمّ) للآذان. لكنّ المفارقة الأعظم كانت في تلك المعادلة السورياليّة، حيث أنّ فرنسا كانت تحكم لبنان، بينما كانت الأراضي الفرنسيّة محكومة من قبل الجيش الألمانيّ!

جنود فرنسيون ضمن عداد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجنوب
بصمات بأكثر من اصبع

دامت فترة الإنتداب الفرنسيّ للبنان، من العام 1920، إلى العام 1943، تخلّلها الكثير من الإرتكابات، والإنقسامات، وصولاً إلى ظهور عصائب مقاوِمة مع أدهم خنجر وصادق الحمزة. كذلك كانت هناك مئات البصمات التي لا تخلو من الإيجابيّة، التي بنت هويّة الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها، تحديداً القوانين التي نُسِخ معظمها لتضاف إلى ما كانت السلطنة العثمانيّة قد خطّته في محاكمنا. ومن تلك المتغيّرات كانت شبكة الطرقات التي شُقَّت أو جرى توسعتها، فكانت الخرائط فرنسيّة، بينما اليد العاملة جنوبيّة تتقاضى الأجر باليوميّة.

الفنّان شربل روحانا يغنّي “هاي، كيفك، سافا (Ça va)؟ من وين جبتا يا لبناني؟…” مسلّطاً الضوء على جملة يستخدمها اللبنانيّون، وهي جامعة لثلاث لغات: هاي: الانكليزيّة، وكيفك: العربيّة، وسافا: الفرنسيّة

من ناحية ثانية أسّست فرنسا، في ذاك الوقت، عدّة مدارس في القرى الجنوبيّة، فكانت شكلاً آخر من التعليم بعد أن كانت دروس “ما تحت السنديانة” هي السائدة. من هنا كانت المناهج الفرنسيّة قد أخذت لها مكاناً بين كتب التلاميذ، وحتّى اللباس أخذ ينحو باتجاه الشكل الفرنسيّ (صيفاً)، حيث السروال القصير، إلى ما فوق الركبة بقليل، وذلك على حساب الشراويل، أو العباءات، أو حتى البناطيل.

الفرنكوفونية في الجنوب!

أمّا اليوم، فهناك ثلاثة مراكز ثقافيّة فرنسيّة في الجنوب، تابعة للدولة الفرنسيّة. أوّلها في صيدا، وثانيها في النبطية، وثالثها في صور. مراكز تعنى بتعليم اللغة الفرنسيّة، أو بتقديم أعمال سينمائيّة، وتشكيليّة، وندوات، مع الكثير من النشاطات التي تبتغي خلق علاقة أفقيّة بالمحيط، تتخطّى نشر اللغة، نحو التوغّل بشكل سلس في المجتمع، وهذه طريقة غير مستفزّة، كونها متحرّكة تحت عنوان ثقافيّ واضح، ونحن نعرف أنّ الوجود الفرنسيّ في لبنان ذات انتداب، لم يكن بذلك الاستفزاز الحادّ كما هو حال احتلالهم للجزائر، كذلك لن ننسى دور بّاريس التاريخيّ كعاصمة للأنوار.

من نشاطات المركز الثقافي الفرنسي في النبطية
“الكومنولث”

من خلال “الكومنولث” نجحت بريطانيا في خلق رابط بينها وبين 55 دولة، تعتمد اللغة الانكليزيّة، وهي في معظمها كانت دولاً خاضعة، وتابعة للامبراطويّة البريطانيّة، بل ويعتمد الكثير منها عملة الجنيه الإسترلينيّ، وهو رابط اقتصاديّ، لم تحسن فرنسا تقليده، فاضطرّت للإتّكاء على اللغة الفرنسيّة كبديل قد يفي بالغرض، فكانت فكرة “الفرنكوفونيّة” التي انطلقت في العام 1970، كإطار جامع للبلدان الناطقة بالفرنسيّة، أو تعتمدها كلغة ثانية، مثل لبنان، (على سبيل المثال).

وما تلك المراكز الثقافيّة في تلك الاقضيّة الجنوبيّة، سوى محاولة فرنسيّة لإبقاء النبض في ذلك القلب الذي كان امبراطوريّة كبرى، وها هو حجمها يتقلّص يوماً بعد يوم، حتى أنّ الداخل الفرنسيّ لم يعد في مأمن بعد موجات الغضب المتعاقبة من قبل الجاليات السمراء، التي ما عادت أقليّات صغيرة.

هناك ثلاثة مراكز ثقافيّة فرنسيّة في الجنوب، تابعة للدولة الفرنسيّة. أوّلها في صيدا، وثانيها في النبطية، وثالثها في صور. مراكز تعنى بتعليم اللغة الفرنسيّة، أو بتقديم أعمال سينمائيّة، وتشكيليّة، وندوات

استناداً إلى قاموس “أوكسفورد” فإنّ مصطلح فرنكوفونيّة، يعني “الصوت الفرنسيّ”، وهو بمعنى آخر “اللسان الفرنسيّ”، ولذلك تسعى فرنسا منذ أكثر من خمسين عاماً للحفاظ على ذلك اللسان، كقناة التقاء وتنسيق، ووسيلة لحفظ ماء الوجه، حتى أنّ الصحافيّ محمد حسنين هيكل قد أورد في إحدى مقالاته بأنّ “المجتمع الدوليّ يعتبر الفرنكوفونيّة بأنّها منظّمة ذات شهرة متواضعة، وسمعة أقلّ تواضعاً”. ليضيف بأنّ “كثيرين تردّدوا في الإعتراف بالمنظّمة الجديدة، على أساس محدوديّة اللغة الفرنسيّة، وتقدير هؤلاء أنّ اللغة الفرنسيّة برغم ثرائها تقع في المرتبة التاسعة بمقياس الإنتشار، لأنّه في اتساع التداول العالميّ قبلها، ثماني لغات غيرها هي: الصينيّة، والإنكليزيّة، والهنديّة، والإسبانيّة، والروسيّة، والعربيّة، والبنغاليّة، والبرتغاليّة”.

تقليم المخالب

لا شكّ في أنّ لفرنسا دور رئيس في رسم خارطة لبنان التي هي عليه اليوم، وأن حركة التاريخ المتسارعة قد خلّفت وراءها الكثير من الغبار، بحيث صار مشهد الأمس ضبابيّاً، وما من مجال لترف المحاسبة، أو حتّى التقييم، اللّهمّ سوى في ما نحتاجه لتيسير أمور اليوم، خاصّة وأنّ مقصّ التاريخ قد قلّم مخالب تلك الإمبراطوريّة، ليكون التعامل أكثر لطفاً، وثقةً مع المراكز الثقافيّة المنتشرة في الأقضيّة، التي تعطي وتأخذ دون أن يتضرّر الطرفان: المُرسِل أو المتلقّي (المُرسَل إليه).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى