تحقيقات

فروع “اللبنانية” في الأطراف.. فرز مناطقي وتمايز فاضح

بذريعة الإنماء المتوازن، تمّ استحداث شعب تابعة للجامعة اللبنانية في المناطق. لم تُلحظ مواد العلوم الإنسانية في التشعيب الذي اقتصر على بعض الاختصاصات العلمية، وهو لم يتجاوز منذ انطلاق العمل به العام 2009 السنة الدراسية الأولى!

أنشئت شعبة الجامعة اللبنانية في منطقة دورس الواقعة جنوبي بعلبك. ويقصدها بطبيعة الحال طلاب البقاع الشمالي حتى تلك الأكثر بعدًا كالهرمل التي تبعد عن بعلبك حوالي 60 كلم، فيحصّل تلامذتها تعليمهم في التخصص العلمي الذي يختارونه لعام واحد، ومن ثمّ ينتقلون في الثانية والثالثة إلى فرع كلية العلوم في زحلة، التي تتمركز فيها أيضًا كليات الحقوق والآداب والعلوم الاجتماعية، ومن يريد أن يستكمل تحصيله العلمي العالي فإنه مضطر للانتقال إلى كلية العلوم في بيروت حيث جامعة المركز وفرعها الأوّل في الحدث، أو في الفرع الثاني في الفنار.

شعبة بعلبك – كلية العلوم هي البديل القزم الذي تقلّص إليه المجمّع الجامعي الذي كان قد اقتُرح إنشاؤه في “تل عمارة” قرب منطقة رياق، أسوة بذلك الذي أقيم في الشمال عام 2018. لكنّ هذا المجمّع لم يرَ النور وراحت الوعود ببنائه هباءً منثورا، فكان مصيره كفرع الجامعة اللبنانية الذي اقترح مجلس الوزراء تشييده في الهرمل عام 2018 ولكنّه لم يتعدّ كونه وعدًا تبخّر من دون توضيح الأسباب!

هذا الترقيع المُسمّى تشعيبًا، يعكس سلوكًا سياسيًا مصرًّا على المضيّ بنهج الإهمال القصدي، واللامبالاة المتعمّدة تجاه منطقة بعلبك الهرمل حيال الشأن التربوي والتعليمي

هذا الترقيع المُسمّى تشعيبًا، يعكس سلوكًا سياسيًا مصرًّا على المضيّ بنهج الإهمال القصدي، واللامبالاة المتعمّدة تجاه منطقة بعلبك الهرمل حيال الشأن التربوي والتعليمي، كما في المجالات المعيشية والخدماتية الأخرى. وهذا الواقع الملموس بشكل فاقع في المعيش اليومي لأهل المنطقة، ينسف دعاوى التبجّح السياسي والاستغبائي الذي يوغل سياسيو المنطقة في الترويج لها بخاصة في موسم الانتخابات. فماذا وراء التشعيب الذي لا يسدّ الحاجة الحقيقية والضرورية لطلاب محافظة بعلبك- الهرمل إلى مجمّع جامعي كبير؟ وما هي الإفادة العلمية التي يحصّلها الطلاب من هذه الشعبة؟ وما هي الفروقات بين شعبة الأطراف وجامعة المركز؟

الدكتورة وفاء نون

للإجابة عن هذه الأسئلة التقت “مناطق.نت” الدكتورة وفاء نون، أستاذة مادة الفيزياء في الجامعة اللبنانية. كما تحدّثنا إلى طالبات وطلاب تنقّلوا في رحلة تحصيلهم العلمي بين بعلبك وزحلة وبيروت.

زبائنية سياسية وفرز مناطقي

لا يحقّق استحداث شعبة للجامعة اللبنانية في بعلبك هدف الإنماء المتوازن، ويظهر هذا من خلال الأداء الذي يغيب عنه التخطيط والرؤية وتسوده العشوائية والتخبّط. فالقصد سواء من الفروع أو الشعب ليس جعل فرص التعليم الجامعي سانحة لأبناء المناطق البعيدة، وإنّما الهدف هو تحقيق التوظيف الزبائني بحيث أنّ إدارة كل شعبة تتبع لحزب سياسي يولي المهام لأتباعه، سواء كانوا موظّفين إداريين أو أساتذة جامعيين يدخلون إلى التدريس الجامعي وفق معيار التوظيف السياسي، وليس بحسب الإعلان عن شواغر أو بحسب مبدأ الكفاءة.

كما أنّ الإصرار على الإبقاء على الفروع وإتباعها بالشّعب ذات السنة الدراسية الوحيدة واليتيمة هو ضرب لفكرة المجمّع الجامعي الشامل والحاوي لأبناء المنطقة والمناطق اللبنانية الأخرى. فالفروع بحسب الدكتورة وفاء نون أقيمت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية بسبب من صعوبة الانتقال، واستمرّ الأمر على حاله لاحقّا ليبقى كلّ في حدود منطقته.

نسف هذا التفريع المناطقي للجامعة اللبنانية وشرذمتها إلى أجزاء مناطقية وبالتالي طائفية، المبدأ الذي قامت عليه الجامعة والوظيفة التي كان مطلوبًا منها بصفتها مؤسسة وطنية تربوية أن تحقّقها، وهي جمع الطلاب اللبنانيين باختلاف طوائفهم وانتماءاتهم الدينية ضمن كليات موحّدة للاختصاصات، حيث كان مخطّطًا أن تكون كلية الآداب في بيروت والهندسة في الشمال والطب في الجنوب والزراعة في زحلة… فتكون هذه الكليات الواحة الحاضنة التي تضمّ تلامذتها وتجمعهم وتقرّبهم لتزيل الحواجز والحدود النفسية التي شيّدتها الحرب.

تسأل الدكتورة وفاء نون عن جدوى إنشاء شعبة في بعلبك غير مستكملة لسنوات التخصص الأربع وغير مستوفية لكامل مستلزماتها المادية، في حين أن فرع كلية العلوم – زحلة لا يبعد عن بعلبك سوى نصف ساعة؟ كما أنّه تمّ استئجار بناء ملحق لطلاب السنة الأولى تابع لكليّة العلوم في الفرع الرابع – زحلة، وهذا البناء الملحق بعيد عن المبنى الأساسي. وتتساءل د. نون “أليس من الأجدى تشييد مجمّع يكون بديلا عن هذه الأبنية المتباعدة والمتفرّقة والمترهّلة والمستأجرة بأكلاف باهظة وتابعة لشخصيات مستفيدة”؟

تتابع “إنّ الإفادة الحقيقية لطلابنا تتحقّق بمجمّع يستوفي الشروط من حيث إتمام كامل سنوات التخصص، وتأمين السكن الجامعي الذي يوفّر على طلاب مناطق الأطراف عناء الطريق وكلفته، ويحتوي أيضًا على مكتبة جامعية علمية مرموقة، ويتضمّن المختبرات اللازمة والمهيّأة كما يجب، بدلاً من أن يضطر طلاب زحلة في كلية العلوم للنزول إلى جامعات بيروت لإقامة التجارب المختبرية، كما على المجمع أن يقدّم الخدمات للطلاب من كورات ودروس مصوّرة ووجبات طعام بكلفة رمزية بخاصة في ظل الضائقة الاقتصادية الخانقة. من هنا فإنّ الإصرار على إبقاء الوضع على ما هو عليه ليس سوى إمعان في ضرب الجامعة اللبنانية، وحرمان الطلاب من حقّهم في التعليم اللائق والميسّر”.

طلاب الأطراف وغبن المستوى التعليمي

لا يعود التفاوت في المستوى التعليمي بين فروع المناطق وشعبة الأطراف من جهة وجامعات المركز من جهة أخرى بحسب د. نون إلى كفاءة الأساتذة وأدائهم التعليمي، بل إلى كيفية إدارة القسم والقرار الذي يتّخذه القيمون عليه بإنجاح الشعبة ورفدها بكل مقوّمات النجاح. فيتفوّق طلاب جامعة الفرع أو الشّعبة في اختصاص علمي ما، ويقصّرون في غيره، وهذا الأمر يتفاوت بين قسم وآخر بحسب إرادة القرار المتّخذ في مجلس الأقسام. وهناك أمر أساسي يلعب دوره في نوعية الناتج التعليمي وهي الميزانية الملحوظة للفرع أو الشعبة والتي تكون أقل من حصة جامعات المركز.

وتنعكس ضآلة الأموال المخصصة على حجم المكتبات التي يعمل الأساتذة على رفدها وإغنائها بجهد شخصي، وفي الكليات التطبيقية كطب الأسنان حيث الافتقار إلى المواد الأساسية والتجارب المتعلّقة بها ما يضطر الطلاب إلى الانتقال إلى بيروت، وكذلك المختبرات. كما أنّ أساتذة الجامعة في الفروع يفتقرون إلى مكاتب، وإلى أماكن مخصصة لإجراء الأبحاث. ولكن التفاوت الأساسي والملحوظ الذي يعاني منه طلاب المناطق هو الـ Concours، الذي يخوّلهم الدخول إلى الماستر، والأغلبية من الطلاب التي تجتاز هذا الامتحان بنجاح هم من الفرع الأوّل، بينما يتعثّر طلاب الفروع وذلك لأنّهم لا يحصلون على أسئلة امتحانات دورات سابقة إلا بمبادرة فردية من بعض الأساتذة الذين يوزّعون حصصهم التعليمية في بيروت وفي الفرع أو الشعبة.

أيضاً، معظم أساتذة الفروع والشعب لا يشاركون في وضع أسئلة الامتحانات ومناقشتها. توضح الدكتورة وفاء وهي المتابعة عن كثب لوضع طلاب بعلبك أنّ هؤلاء يشعرون بالتقصير والفروق في بعض المواد التخصصية حين ينتقلون إلى كلية العلوم في الحدث، وفي حين يتفوّق طالب في شعبته أو فرعه، لا يلبث أن يتراجع ترتيبه وتتردّى درجته حين ينافس زملاءه في الفرع الأوّل.

طلاب بعلبك إلى المجهول

حول تفاقم التأثيرات السلبية للأزمة الاقتصادية على طلاب منطقة بعلبك-الهرمل وعلى مصير الجامعة اللبنانية عمومًا تقول الدكتورة نون “منذ العام 2019، تتالت الإضرابات والأزمات والتعطيل ومن ثمّ الثقل المعيق والخانق للوضع الاقتصادي، كل هذه المعطّلات للحياة الجامعية وللسيرورة التعليمية بانت انعكاساتها الكارثية على المحتوى التعليمي الذي يكتسبه الطالب المتخصص”.

وأعطت الدكتورة نون مثالاً حول ذلك بالقول “تمّ تقليص حضور المختبر إلى يوم واحد بسبب الكلفة الباهظة للطالب القادم من بعلبك أو الهرمل، إضافة إلى الشح الذي طال مواد المختبرات التي ما عادت ميزانية الجامعة قادرة على توفيرها. وحتى التعليم Online الذي خفف من كارثية النتائج التي كانت ستودي بكثير من طلاب الأطراف إلى التسرّب الجامعي وترك التعليم بسبب العجز عن تأمين كلفة المواصلات، فإنه لا يفي بالغرض بشكل كامل لأنّ الطلاب غير معدّين له كما يجب”.

الكثير من الطلاب توقفّوا قسرًا عن إكمال تعليمهم لأنهم غير منتجين، ولأنّ ذويهم عاجزين عن تغطية حتى نفقات أيام حضور المختبرات وإجراء الامتحانات في بيروت، بحيث يتطلّب اليوم الواحد لطالب وافد من الهرمل مثلا حوالي 300 ألف ليرة

تتابع الدكتورة نون “الكثير من الطلاب توقفّوا قسرًا عن إكمال تعليمهم لأنهم غير منتجين، ولأنّ ذويهم عاجزين عن تغطية حتى نفقات أيام حضور المختبرات وإجراء الامتحانات في بيروت، بحيث يتطلّب اليوم الواحد لطالب وافد من الهرمل مثلا حوالي 300 ألف ليرة!. كما أنّ إدارة الجامعة في كليات الحدث أقفلت باب السكن الجامعي بسبب حاجة المبنى إلى الصيانة وهذا ما تعجز عنه بسبب تقليص الميزانية!. وحتى القوى المحلية المتمثّلة بالبلديات والتي كانت تساهم في دعم الطلاب ماديًا من حيث تأمين السكن الجامعي أو المواصلات تخلّت عن دورها وباتت عاجزة عن المضيّ به. وبالتالي لا حلول لطلاب الأطراف!”.

بالمحصلة المخاطر المحدقة بالجامعة اللبنانية باتت أزماتها متعددة الأبعاد؛ فأساتذتها يهاجرون وطلابها يتسرّبون (بعض طلاب قرى الشمال لم يكونوا قادرين على دفع رسم التسجيل 350 ألف ليرة!)، ومبانيها لا تلحظها الصيانة، ومختبراتها تتراجع بسبب عدم رفدها باللوازم، وموادها التشغيلية وحتى الضرورية منها غير متوفّرة، والآلات التي تتعطّل لا أحد يكترث لتصليحها، وبسبب إضراب الأساتذة المتعاقدين، تسجّل معظم طلاب فروع وشعب المناطق في كلية الحدث والسبب أن الحضور Online، لأنّ أغلبية الأساتذة في الفروع هم من المتعاقدين، فباتت شبه خالية من طلابها!

شهادات طلاب من بعلبك – الهرمل

علي عثمان هو طالب تخرّج من الجامعة اللبنانية، ويكمل تعليمه الآن في فرنسا، عاين عن قرب الفروقات بين الشعبة والفرع من جهة وكلية العلوم في الحدث من جهة أخرى. علي كان مندوبًا لمجلس فرع الطلاب في بعلبك ما أتاح له أن يحتكّ بهموم زملائه وأن يلحظ مدى الإهمال والغبن اللاحق بهم. فلا يمكن بالنسبة لعلي مقارنة المباني الجامعية في الحدث حيث تتوفر صفوف بقاعات واسعة مكيّفة ومبرّدة ومضاءة، ومدرّجات تضفي الطابع الجامعي، ومختبرات مجهّزة بشكل كامل، بينما يغيب كل ذلك عن الفرع الرابع في زحلة، حيث يضطر طلابه للنزول إلى بيروت.

كما أنّ مجلس الطلاب في الفرع الرابع مشلول وبلا فعالية، ما يضطر الطالب إلى ملاحقة شؤونه بمفرده، منها نقص الكورات والدورات وتجهيزات الصف والمطبوعات وتفاصيل التسجيل والامتحان وغيرها الكثير. لكن الظلم الأكبر يتأتّى من امتحان الدخول إلى كلية الطب، حيث النجاح غالبًا لطلاب الفرعين الأوّل والثاني لأن لجنة الأساتذة التي تضع الأسئلة تكون حصرًا من هذين الفرعين. إضافة إلى العشوائية في التعاطي مع أمور الطلاب التي تنسحب حتى على الوضع الإداري للموظفين والذي يفتقد إلى التنظيم ويتّصف بالضعف، بينما في كلية العلوم- الحدث كانت الأمور أكثر إدارة وتماسكًا.

لا يمكن مقارنة المباني الجامعية في الحدث حيث تتوفر صفوف بقاعات واسعة مكيّفة ومبرّدة ومضاءة، ومدرّجات تضفي الطابع الجامعي، ومختبرات مجهّزة بشكل كامل، بينما يغيب كل ذلك عن الفرع الرابع في زحلة، حيث يضطر طلابه للنزول إلى بيروت

تؤكّد الطالبة حور العين لـ “مناطق نت” على الفرق الذي لمسته فتقول “أكيد في بيروت المستوى التعليمي أفضل من بعلبك. فعندما حاولت في السنة الأولى حلّ أسئلة اختبار لمسابقة مطروحة في بيروت، عجزت عن إتمامها. وشعرت بالنقص في المعلومات جرّاء النقاشات التي كنّا نجريها مع زملائنا في الفرع الأوّل”.

تتوافق ليّا مع زميلتها بخاصة في موضوع المواصلات وبعد المسافات الذي يعاني منه كل طلاب المنطقة. فتقول لـ “مناطق نت” “بين بعلبك وزحلة وبيروت، قطعًا أختار الأخيرة لأنها الأفضل. ولكن بعد المسافة أرهقنا ماديًا وجسديًا ونفسيًا، فهو باهظ ولا نقدر على احتماله، ولو لم تكن هذه السنة الأخيرة Online، لما كان باستطاعتي إتمام تعليمي، فأهلي غير قادرين على تحمّل تبعات تنقلي من وإلى الجامعة”. تمنت ليا أن تكتمل شعبة بعلبك وأن يتحقق الواعد بإتمامها وتجهيزها “لأن بعلبك بعيدة جدًّا وحرام ما يعملوا فيها جامعة”!.

لا إنماء ولا تعليم ولا خدمات. بل إهمال عن سابق إصرار وترصّد يقذف بشباب بعلبك الهرمل إلى مجاهل المصير وإلى الجهل والتجهيل اللذين ترى فيهما السياسة والسياسيون تربتهم الخصبة لتمكين سيطرتهم على منطقة ممتدّة لن تنهض من بؤس واقعها التاريخي إلا بتعليم أهلها وتنوير عقولهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى