“مايكل أنجلو” بعلبك النحات عمر عباس وحكايته مع النحت

لم يكن دخول الصبيّ ابن الأعوام الثمانية رفقة أمّه التي تجرّه بالعربة إلى القلعة (هياكل بعلبك) ذات يوم، كغيره من الأيام ورحلة عادية. في ذلك اليوم ألقى السلام على جدّه حارس القلعة، ومن مكانه على الكرسيّ نظر بحسرةٍ إلى الأطفال الذين يلهون ويلعبون بين الهياكل. راحت الأمّ تلهي ابنها وتخبره عن الأحجار المنحوتة على شكل زهرة اللوتس، وأجراس الأفيون، والسنبلة، فلم يكن من الصّبي الصغير إلّا أن قال لها: “أمّي، أنا أعرف كيف أنحت هذه المنحوتات”.

قد تبدو حكاية من الأساطير، حكاية صبيٍّ وُلد في بعلبك، المدينة ذات الخيال الخصب والواقع المرّ، المادة الدسمة للأساطير، المساحات الشاسعة لكنايات الشعراء، والمرجعيّات الضخمة لمنحوتات الفنّانين. ولكنّها ليست أسطورة، هي حكاية النحّات- أبًّا عن جدّ- عمر عبّاس، الذي خلق من تشوّهات الجسد حكايةً لعبوره مِن فصول الرّكود في السرير، إلى خريف النهوض والنحت وتساقط أوراق الفنّ فوق أرض بعلبك.

الطفولة في السّرير

من الصّعب أن نتخيّل حياة ولدٍ قضى طفولته في سرير، بدل أن يلعب في الحقول الواسعة، أو أن يتمشّى بين هياكل القلعة مع زمرة من رفاقه. قضى عمر طفولته في السّرير، لثلاثة فصول من السّنة، الشّتاء والرّبيع والصيف. ولكنه كان يملك فصلًا واحدًا استثنائيًّا لكي يخرج من بين جدران المنزل إلى الخارج، وذلك في فصل الخريف، حين كانت تتساقط الأوراق، كان عُمر يُزهر أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فكبُر الطفل وصار فنّانًا يكسر النمط ويمشي عكس التيّار.

النحات عمر عباس

في حديث لـ”مناطق نت” يقول عمر عبّاس: “الطفولة هي أصعب ما مررت به، لا تزال تلاحقني حتّى اليوم، لم ينتهِ ذلك الألم بعد. أنا ذلك الصبيّ الذي قضى معظم وقته بين الأسرّة، وعاش التعنيف. كنّا ضحيّة جيلٍ لم يفعل شيئًا إلّا أنّه فرّغ العنف المكبوت بداخله نتيجة الحرب على الأولاد”.

لم يكن لعمر عبّاس في تلك الحقبة من عمره إلّا أن يهرب من الحياة والواقع الذي فُرضَ عليه، فالتشوّه الحاصل نتيجة غلطة طبيب، ترك أثرًا قيّد قدرته على المشي، فكان عبّاس يقضي وقته بين غرف العمليّات، وما كان له إلّا أن هرب من هذا الواقع إلى التضاد المناسب له: الخيال.

يتابع عمر: “تخيّلت رجلًا ضخمًا، عملاقًا، يشبه أبو عنتر في مسلسل غوّار، كان يدافع عنّي دائمًا، وكان صديقي، وقد وشمته على قدمي الشماليّة التي أصيبت بالشلل”.

أجرى عمر نحو ستّ وعشرين عمليّة لقدميه، في كلّ مرّة كان الأطباء يكسّرون العظام ثم يقوّمونها، ومع كلّ كسرة كان النّحات يكبر بداخله، إلى أن تمكّن من المشي بشكلٍ سليم بعد عمرٍ طويل رفقة الأجهزة المساعدة على المشي والعكّازات في بعض الأحيان.

أجرى عمر نحو ستّ وعشرين عمليّة لقدميه، في كلّ مرّة كان الأطباء يكسّرون العظام ثم يقوّمونها، ومع كلّ كسرة كان النّحات يكبر بداخله، إلى أن تمكّن من المشي بشكلٍ سليم

البدايات.. عناد ينحت وجهًا

“اكتشفت موهبتي بالنحت، ذات مرّة كنت غاضبًا وخرجت لأفرّغ غضبي بحجر كدّان. فنحتّ شجرة ثمّ غروب الشمس، ولكنّ أحدهم قال لي إنّه عليّ أن أنحت وجهًا، فقلت له بعناد: أنا أعرف كيف أنحت وجهًا، وفعلتها لأوّل مرّة، نحتّ وجهًا ثمّ وجوهًا كثيرة أخرى، بعنادي فقط” يقول عمر.

ويتابع:” أمّي كانت الامرأة الوحيدة التي رأت في ضعفي قوّة، ما زالت حتّى اليوم تخبرني بأنّ حالتي هي نقطة قوّتي. أثبتت لي أنّ الجسد المشوّه يمتلك روحًا حلوة. في بداياتي كانت أمّي تساعدني بالحجارة، وكانت تأتي إليّ بها ولو كانت في “كعب البستان”. حتّى اليوم، أعود أحيانًا إلى بيتي فأجد حجارة أمام المنزل، فأعرف أنّ أمّي هي التي اختارتها لي”.

في البدايات كان عمر ينحت لكيّ يفرّغ طاقةً دفينة محبوسة في داخله، وغضبًا اتّجاه كل ّما عاشه ومرّ به، لذلك “في طفولتي كانوا يخبرونني بأنّ هناك ملاكين جالسين على كتفيّ ويضربانني لأنّني سهرت مع رفاقي واستمعنا إلى الموسيقى، هذه هي البيئة التي عشت في وسطها. اليوم رسمت لوحةً أجلس فيها وهناك ملاكان يضربانني، هذا ما فعلته طوال حياتي لأحوّل صدمات الطفولة إلى فنّ أو حقيقة، هكذا أُشفى”.

منحوتة عمر عباس في بعلبك
العُبور

يضيف عمر:” انتقلتُ إلى بيروت لكي أدرس في الجامعة اللّبنانيّة، كفنّان متقن للوحاته ومنحوتاته. بعلبك لها الفضل الكبير في رحلتي، فرحلة إتقاني للنحت كانت قرب المذبح الرومانيّ في معبد جوبّيتر، حيث المنحوتات غير مكتملة، فنحتّها بأدقّ تفاصيلها من جديد، لأنّني كنت مدركًا أنّ الفن هو الخيال والإتقان في العمل الفنّي، بالإضافة إلى انعكاس اللاوعي على اللوحة”.

استطاعت بعلبك بكلّ ما تملكه من خيال مندمج في أرضها والأساطير التي حولها، أن تخلق في خيال عمر مساحات واسعة لكي يكون نحّاتًا استثنائيًّا متفوّقًا على جيله في الجامعة، بشهادة أساتذته. “في بعلبك الكثير من الأساطير التي رفدت خيالي، وأخذتني إلى العُبور من مرحلة الركود الجسديّ إلى الفنّ والنحت، فالغموض المحيط بهذه المدينة وهياكلها ومعابدها أدّى إلى خلق كثير من السرديّات حولها. من الناس من يقول إنّ النبي سليمان كان معه عمالقة بنوا القلعة، ومنهم من يقول إنّ الديناصورات هي التي بنتها، ومنهم من يربطها بقوم عاد وثمود. كلّ هذه السرديّات والأساطير رفدت خيالي كي أعبر في الحياة وفي المنحوتة”.

في سبيل التطهير والوحي

يتجسّد عمر عبّاس في كلّ لوحاته كما يتجسّد لاوعيه الدفين في منحوتاته، “أشعر دائمًا برغبتي بنحت وتد في أسفل المنحوتة، وإذا كان النحت شخصًا أشعر بأنّني أريد تثبيته بقوّة على شيء ما في أسفل قدميه لكي يستطيع القيام بأشيائه”.

يبرز لاوعي عبّاس بأشكال عديدة في منحوتاته فيستطيع المتفرّج على أعماله أن يرى عمالقة أحيانًا ووجوهًا لها حكايا ورجالًا مثبّتين منغرسين بالأرض، وشخصيّات نصف إنسان نصف حيوان أو كائنًا فضائيًّا، كذلك تحضر المرأة بمختلف أشكال الجسد، والتي هي “الأمّ التي تهمس في روحي أنّني قوي، والحبيبة التي أثبتت لي أنني إنسان كامل يمكن أن يُحِبّ ويُحَبّ، لذلك أحاول أن أكافئ هؤلاء النساء من خلال النحت”.

لا شكّ أنّ رحلة عمر مع النحت كانت بدايةً في سبيل التطهّر من شوائب الماضي وغيبيّاته والمشاعر الدفينة، ولكن يمكن القول إنّ المنحوتة أو العمل الفنّيّ بشتّى أشكاله يمكن أن يتخطّى وظيفته التطهيريّة إثر إسقاط الصدمات وخوابي اللاوعي على العمل الفنّي، ليصل إلى المرحلة التي تكشف للفنّان أسرارًا بداخله كانت مخبّأة وغير ظاهرة، ليكون الفنّ عمليّة تطهير وكشفٍ لاواعي في آن، وهذا الأخير هو الذي قد يسمّيه البعض: الوحي.

وما هي المنحوتة الأقرب إلى قلبك ونظرك؟ يجيب عمر: “قد لا تكون المنحوتة الأفضل ولكنّها الإنجاز الأوّل في مسيرتي، وضعت مخطّطها في سنّ الثامنة عشرة، وفي يوم من الأيّام بعد ثلاث سنوات طُلب إليّ أن أنحتها. يمكنني القول إنّني أوّل نحّات يعيد تزيين بعلبك بعد آلاف السنين بالمنحوتات، وكنت قد ساعدت 16 نحاتًّا أتوا من بلاد عديدة في الخارج بالنحت، وتوزّعت هذه المنحوتات في كلّ أنحاء بعلبك. ولكنّني، وللأسف أزور منحوتتي الأولى بين الوقت والآخر وأجدها مُهملة إذ تغمر النفايات المكان الذي وُضعَت به”.

نحّات بالجينات.. أبو هاولو “السّاحر”

هو موسى حسين عبّاس الملقّب بـ”أبو هاولو”، “وهو جدّ أمّي وعمّ أبي، وكان من أكثر الشخصيّات جدلًا في بعلبك وبين السيّاح القادمين من الخارج، ليس لأنّه كان نحّاتًا، بل لأنّه كان ضخم الجسد، وكان ظهره محنيًا، وكان ينحت بوقت قياسيّ. عندما كان ينحت وجه باخوس أو فينوس وكلّ الرموز في القلعة، كان الناس يتهافتون فقط للنظر إلى يديه الكبيرتين، فيظنّون أنّه يمارس السحر، والبعض آمن أنّه من العمالقة الذين ساعدوا ببناء القلعة”.

بعد “أبو هاولو” جرّب كثيرون تعلّم النحت ليكونوا مثله وينعموا بمثل صيته، ومنهم من الأقارب، “ولكن ما من أحد وصل إلى ما وصل إليه أبو هاولو الذي ترك بصمة في مدينة بعلبك، فقد نحت عجلًا من العجول الموجودة في معبد جوبيتر، ويمكن للزائر اليوم أن يميّز بين عجل أبو هاولو والعجول الأخرى الموجودة، لأنّ الأخيرة قد مرّ عليها زمن طويل وصارت سمراء اللون بحكم الزمن والغبار، بينما منحوتة أبو هاولو بيضاء على حالها”.

النحات موسى حسين عباس “أبو هاولو”

أبو هاولو هو النّحّات الوحيد الذي نحت بداخل القلعة منذ عهد الرومان، وهناك بعض المرويّات بحسب عبّاس تفيد بأنّ هناك منحوتة تعود بنسبها إلى أبو هاولو، وقد وُضعت في المتحف اللبنانيّ وعلى الليرة اللبنانيّة القديمة.

يتابع عمر: “كان أبو هاولو متعدّد الطوائف، فيذهب إلى الكنيسة ويشارك بالقدّاس، وأحيانًا يحضر الحلقات الصوفيّة في بعلبك حاملًا السنجق (رمز ديني مقدّس على شكل طائر طاووس) ويمارس الطقوس معهم. كان معروفًا بكرمه وبحبّه للحياة والفرح، لذلك ترك بصمة في عقول الناس”.

ويضيف: “أنا لم أتعلّم من أبو هاولو ولم أشهد على تفاصيل منحوتاته، ولكنّني لا شكّ أنّني ورثت النحت منه كما ورثه البعض في العائلة، وكأنّ الأمر ينتقل بالجينات”.

بين منحوتة الجدّ والحفيد

لم تكن المنحوتة أو اللوحة يومًا فنًّا قد يفرّخ مالًا أو خبزًا، لذلك لم يستطع كثيرون من وراثة أبو هاولو والتعلّم منه والاستمرار من بعده، “فقد جرّب عديد من الناس ممارسة النحت في ذلك الوقت ولكنّهم كانوا يشكون الفقر بعدها، لأنّها ليست عملًا يمكن الاعتماد عليه، فالأحداث التي كانت تحصل بين الآونة والأخرى كالحروب وغياب السيّاح، كانت تؤثّر في شغل النّحاتين ومبيعهم، لذلك لم يمتهن هذه المهنة أحد غير أبو هاولو”.

يضيف عمر: “بالإضافة إلى مشكلة تجّار المنحوتات الذين شكّلوا مافيا، كانوا ينتظرون الشتاء، أي الفصل الذي يتوقّف فيه شغل النحّاتين إذ يغيب السّيّاح والناس، ويشترون منهم المنحوتات بأسعار بخسة، ويحتكرونهم، فتضيع أتعابهم”.

أبو هاولو هو النّحّات الوحيد الذي نحت بداخل القلعة منذ عهد الرومان، وهناك بعض المرويّات بحسب عبّاس تفيد بأنّ هناك منحوتة تعود بنسبها إلى أبو هاولو، وقد وُضعت في المتحف اللبنانيّ وعلى الليرة اللبنانيّة القديمة

تختلف منحوتة أبو هاولو عن حفيده عمر، بحكم اختلاف الرؤية والزمن أيضًا، فأبو هاولو كان حِرفيًّا ينسخ وينقل لينحت، بعكس عمر الذي اتّجه إلى الموضوع وانتقال اللاوعي وكيف تُنحت الصورة الفوتوغرافيّة القابعة في الذاكرة.

يقول عمر عبّاس: “جدودنا كانوا ينسخون ما تراه أعينهم، وكان يساعدهم التكرار في النحت. أمّا أنا فاتّجهت إلى الموضوع وروح اللوحة أو المنحوتة. في صغري كنت أشاهد عديدًا من المقابلات على تلفزيون لبنان لأشخاص وفنّانين أمثال رفيق شرف وغيره، وهم يتحدّثون عن رحلةٍ أو حدث ما أثّر بهم فرسموا لوحة أو ألّفوا قطعة موسيقيّة أو كتبوا قصيدة. فعرفت منذ صغري أنّ اللوحة أو المنحوتة ليست عمليّة استنساخ، بل خلق شيء جديد”.

نحّات طلال حيدر المغيّب

بعلبك مدينة السحر والخيال، كلّ ما عدا ذلك لا يمكن أن يكون حفنة من أرضها، بل من صنع الإنسان الذي تعدّى على خيالها الخصب وأساطيرها المدهشة، الإنسان الذي أهمل لوحةً على سور قلعتها، أو نفى كاتبًا من بين أزقّة شوارعها، أو أخرس طائرًا ينشد مستقبلًا صباحاتها.

في زيارةٍ إلى بعلبك، في الطريق إلى “رأس العين” وفي جوار المنزل القديم للشاعر الكبير طلال حيدر، منحوتةٌ ضخمة آسرة للنظر، لوجه طلال، ولكنّ اسم نحّاتها غير موجود، وللمفاجأة الصادمة وبعد حديث لـ”مناطق نت” اكتشفنا أنّ المنحوتة تعود لعمر عبّاس.

لا يقتصر إهمال الفنّ على تغييب اسم صاحبه، بل يحدث بأشكال عديدة، كما حدث مع منحوتة عمر الثانية الموجودة في ساحة ناصر، وهي اليوم مرميّة فوق الأرض وعليها آثار زيت محروق. أمّا منحوتة عمر الثالثة والتي تستقبل زوّار بعلبك، فتحوطها النفايات من كلّ حدب وصوب.

يُغيّب اسم النحّات عمر عبّاس عن كثير من التكريمات والمهرجانات، كما حدث في أثناء المهرجان التكريميّ للشاعر طلال حيدر الذي يلقّب عمر بـ”مايكل أنجلو بعلبك”، وهو المهرجان الذي كُشف في خلاله عن المنحوتة.

يختم عمر عباس: “لم أكن أعرف أبدًا أنّني سأصل إلى هنا، ظننت دائمًا أنّني سأقضي حياتي أعرج، ولكن عندما تخطّيت سن العشرين وبدأت بالمشي عرفت أن طريقي سيكون جميلًا، وأنّني سأكون ابن بعلبك “الشاطر” الذي أخذ من مدينته وأعطاها كثيرًا، وسيفعل ذلك إلى الأبد”.

منحوتة الشاعر طلال حيدر للنحّات عمر عباس
رسم عمر عباس
من منحوتات “أبو هاولو” جد عمر عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى