أحوال

مصارف الهرمل أقفلت جميعها.. وأقرب مصرف على بعد 80 كلم

كل يوم يصحو إبن الهرمل على صفعة جديدة لا يعرف من أين وكيف يتلقاها؟!. مصاعب الحياة ترزح بقوة فوق كاهله وفي جميع المجالات. كلّ ذلك دون أن يرفّ لدولته ساكن. يومياته مع المعاناة تبدأ ولا تنتهي في مسلسل اعتاد تفاصيله ويتوقع منه المزيد. من فصول ذلك المسلسل، راتبه الشهري الذي يكدّ ويتعب ليستحصل عليه، هذا الراتب على تواضعه بات اليوم يُحتّم على ابن الهرمل والجوار أن يقطع مسافة حوالي 140 كلم ذهابًا وإياباً ليحصل عليه، والسبب في ذلك أن أقرب مصرف إليه أصبح على بُعد تلك المسافة المذكورة، وتحديداً في الفرزل أو زحلة.

لم يتبقَ في مدينة الهرمل وقضائها مصرفاً واحداً، يستطيع المواطن من خلاله سحب راتبه في حال كان موظفاً، أو مالاً في حال كان مودعاً. جميع المصارف في المدينة أغلقت أبوابها دون سابق إنذار وتحت ذرائع مختلفة، وتُرك المواطنون ليتدبروا أمرهم، وهذا الأمر يقضي بقطع مسافات طويلة من الهرمل وصولاً لزحلة ذهاباً وإياباً، وهي قد تكلفه صفيحة بنزين أو أكثر إذا كان يملك سيارة ومبالغ لا بأس بها في حال أراد الانتقال بواسطة وسيلة نقل، وفي الحالتين قد تبلغ كلفة الانتقال ربع راتب الموظف أو ربما أكثر.

على صعيد منطقة الهرمل وجوارها أقفلت أربع فروع لمصارف مختلفة من “جمال ترست بنك” قبل الأزمة إلى “فرنسبنك” و”البنك اللبناني للتجارة” BLC و”بنك سوسييته جنرال SGBL بعد الأزمة. مع إقفال فروع تلك المصارف في الهرمل، انتقلت تلقائياً حسابات الموظفين والمودعين إلى فروع في مناطق أخرى تبعد أقربها عن الهرمل حوالى الستين كيلومتراً، لتصل المسافة إلى حوالى الـ 140 كلم ذهاباً وإياباً.

عقوبات

البداية كانت مع إقفال “جمّال ترست بنك” أبوابه، المصرف الذي كان يملك 25 فرعاً على مختلف الأراضي اللبنانية، وجاء الإقفال إثر العقوبات الأميركية التي فرضت عليه سنة 2019، وكجزء من هذا الإقفال، أقفل الفرع الخاص بالمصرف في بلدة اللبوة التي تبعد عن الهرمل حوالي 60 كلم ذهاباً وإياباً، وذلك بعد 46 عاماً من الخدمة.

توالى إقفال فروع المصارف في الهرمل والمناطق المحيطة بها فترة بعد فترة، حيث أقفل الفرع الخاص بـ”فرنسبنك” في بلدة اللبوة أبوابه، وهذا رتّب على كل زبائنه من أهالي المنطقتين الهرمل واللبوة وكل القرى والبلدات على امتداد الطريق الدولية التوجه إلى مدينة بعلبك للقيام بمعاملتهم المصرفية.

ولاحقاً وعلى مستوى مدينة الهرمل، بدأ الإقفال مع بنك “سوسييته جنرال” دون معرفة أسباب إقفاله مبقياً على فرعه في بلدة اللبوة لخدمة زبائنه على صعيد المنطقة.

آخر مصرف أقفل أبوابه

ومؤخراً جاء إقفال آخر مصرف متواجد في الهرمل وقضائها وهو “البنك اللبناني للتجارة” BLC بعد التذرع بالاحتجاجات التي حصلت أمامه في الأشهر الماضية والتي كانت عبارة عن اعتصام نفّذه سبعة من أولياء الطلاب في الخارج مطالبين بتطبيق قانون الدولار الطالبي. وللأسف جاء اعلان “البنك اللبناني للتجارة” BLC الإغلاق النهائي لفرعه في مدينة الهرمل، في مطلع حزيران، وشكل ذلك توقيتاً حرجاً كونه مطلع الشهر وهو تاريخ استحقاق رواتب آلاف الموظفين الحاليين والمتقاعدين، ممن وطّنوا رواتبهم في المصرف المذكور، إضافة إلى إعلان إقفاله بدون إنذار مسبق.

ولكن المصرف المذكور أبقى على ماكينة سحب واحدة في مدينة الهرمل ليتدبر أهالي المنطقة أمورهم، اليوم وبعد حوالي الخمسة أشهر أغلق المصرف تلك الماكينة ليضع الأهالي أمام طريق مسدود.

وهكذا تصبح الهرمل وقضاؤها بالإضافة إلى جميع البلدات فيها تفتقر إلى أي فرع من فروع المصارف التي انتقلت فروعها إلى منطقة زحلة والفرزل، فيما بقيت بعض الفروع في مدينة بعلبك، وفرع واحد لمصرف “سوسييته جنرال” في اللبوة.

صرخة

يطلق أهالي مدينة الهرمل صرخة مدوية علّها تلقى صدى في آذان السامعين من المسؤولين وأصحاب السعادات، فلقد أصبحت رواتبهم الشهرية الموطنة في المصارف هي الأخرى عبء ثقيل في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشونها. يقول أحد الأساتذة المتقاعدين في الهرمل والذي يبلغ من العمر حوالي 68 عاماً، هل من العدل أن اقطع كل هذه المسافة مع كل هذه التكلفة التي تحتاج إلى أكثر من صفيحة بنزين لاستلام راتبي الشهري الذي يبلغ مليون ومائتين وخمسة وستون ألفاً، ماذا يتبقى منه. الجدير ذكره أن راتب الأستاذ المذكور موطّن في “البنك اللبناني للتجارة” BLC.

يشير مواطن آخر أنه يضطر أن ينتقل من ثلاث لأربع مرات إلى بلدة اللبوة ليستحصل على كامل راتبه، بسبب سقف السحب اليومي الذي يجب الالتزام به والذي لا يتجاوز الـ 400 ألف ليرة، مما يحتم عليه تكرار زياراته لآلات السحب على مدى أيام، إضافة للعمولات التي تفرضها المصارف على عمليات السحب لغير مودعيها، ويؤكد أن اللعبة واضحة وهناك نية لتفريغ هذه المنطقة من المصارف من جهة، ومحاسبة أهالي المنطقة على خياراتهم المقاومة والنضالية.

بدورها المدرسة سناء دندش المتعاقدة في التعليم المهني، والتي تقبض مستحقاتها في نهاية كل عام والتي تبلغ حوالي السبعة ملايين ليرة، عليها تكبّد تكلفة من أربع إلى خمس زيارات للمصرف لتحصل على مستحقاتها. تقول دندش لـ “مناطق نت” إن قرار الإقفال أثر على نحو 3500 مودع من أصحاب الحسابات الذين أصبحوا مضطرين للتوجه إلى أقرب فرع للمصرف في بلدة الفرزل وسط غلاء أسعار المحروقات.

وآخرون كثيرون حالهم حال هذه العينة، لا بل معظم أهالي المنطقة الممتدة من الهرمل إلى بعلبك يعانون المأساة ذاتها، ويرفعون الصوت عله يلامس آذاناً صاغية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى