معين بسيسو يستكمل “يوميّات غزة”

“يا صديقي محمود، سنعود إلى غزّة، وسوف أعزمك على قِدرة على بحر غزة”، جملة ردّدها الشاعر الغزّاوي معين بسيسو في حضرة محمود درويش، لكنّ الراوي يؤكّد أنه كان ينطق كلماته تلك بشيء من المزاح، ربّما لأنّه لم يرَ مدينته حرّة ولو ليوم واحد، حيث عايش المكان، محتلًّا من قبل الجيش البريطانيّ، ثمّ أصبح تحت الوصاية المصريّة، ليعود الإسرائيليّ ليحتلها في حرب 1967.

فمعين بسيسو وُلد في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، من العام 1928، في الزمن الذي كانت فيه غزّة مدينة أفقيّة، حيث البيوت المستقلّة، من طبقة واحدة، مثل بيوت القرى. ترعرع هناك، في حيّ الشجاعيّة، الذي يلفظه العامّة “السجاعيّة”، على عادة سكّان بلاد الشام مع كلمات مشابهة مثل شجرة يلفظونها سجرة.

في مدارس غزّة الحكوميّة درس معين بسيسو، وصولاً حتّى كلّيتها، التي أنهى دروسه فيها ليستكمل تعليمه في الجامعة الأميركيّة في مصر. وعن أثر بحر غزّة في حياته، يروي بسيسو تلك الحادثة المفصليّة: “أراد عمّي أحمد أن يعلّمني السباحة، وكان يمتلك قاربًا صغيرًا. ألقاني في الماء لمرّات، وكنت في السابعة من عمري. عرفت كيف أقاتل بذراعيّ. بل علّمني الشعر في تلك التجربة”.

الشاعران معين بسيسو ومحمود درويش
المتمرد على العائلة

تماهى معين بسيسو مع مدينته، وناضل فيها كيساريّ راديكاليّ حادّ، بينما هو سليل عائلة برجوازيّة عريقة، فجدّه لوالدته من آل الشوا، وكان أول رئيس بلديّة في غزّة. وجدّه لأبيه عاشق للعلم، أرسل أبناءه للدراسة في اسطنبول، وربّما هذا ما يفسّر دراسة معين في واحدة من أهم الجامعات في مصر.

بلغ بسيسو منصبًا في الأمانة العامّة للحزب الشيوعيّ في غزّة، وهو في العشرينيات من عمره. فانجَبَل بالمكان، وقضاياه العمّاليّة والزراعيّة، والتوعويّة، حتّى كتب تلك التجربة بعد 43 عاماً، لتكون “يوميّات غزّة” صفحات حمراء، غير أنّها موشّاة بمئات التفاصيل التي كادت تتسرّب من ذاكرة غزّة، لولا تدوينه لها، في سياق الأحداث، مثل سينما “السامر”، وشارع عمر المختار، والسكّة التي حضرت كاسم بعد أن هجرها قطارها.

في “يوميات غزّة” (صدر بطبعته الأولى في القاهرة سنة 1971، وطبعته الثانية عن دار الفارابي في بيروت، سنة 2014)، لا بدّ أن يسكننا الحنين لمطارح لم نعرفها من ذي قبل، لكنّ لاوعينا الجمعيّ، قادر على استحضار روح غزّة بدكاكينها، وأسواقها، وباعتها المتجوّلين، وسهرات المصاطب، وأعراس السطوح، ونواح النساء على أعتاب قبور الأحبّة.

كتاب “يوميات غزة” للشاعر معين بسيسو

في تلك المذكّرات يحكي معين قصّة اعتقاله حينما كان مختبئًا في منزل خالته “وظيفة”، فانفعلت الخالة حتّى أصيبت بذبحة صدريّة، دون أن يمتلك سكّان البيت ترف الاتصال بطبيب، حيث كان جهاز الاستخبارات قد قطع أسلاك الهاتف الخاصّة بالبيت. حبر عميق سطّره بسيسو، من دون أنْ يعلم أنّ الزمن تكفّل بمحو بعض تلك الذاكرة، لتستكمل الطائرات المتوحّشة بإلغاء ما تبقّى من غزّة القديمة، والجديدة، بل وتقضي بصاروخ واحد على الجدّ والابن والحفيد.

بين “الحرية” و”المعركة”

إن كان هناك من مؤثّر على شخصيّة معين بسيسو الأدبيّة، فكان الشاعر سعيد العيسى، من دون شك، فقد تعرّف بسيسو على العيسى في كلّيّة غزّة، حيث كان الأخير مدرّسًا للغة العربيّة وآدابها، ومنه نهل قواعد النظم، وسيَر الشعراء، ومعاني المجاز، والاقتباس، والتناص، والاستعارة، والتشبيه.

في مجلّة “الحرّيّة” الصادرة في يافا، نشر معين بسيسو أولى قصائده، قبيل سنتين من النكبة، وراح يقدّم نفسه كشاعر منذ ذلك التاريخ، ليعود ويستكمل دراسته في القاهرة، فيتخرّج سنة 1952 من قسم الصحافة، بعد انجاز رسالته الموسومة بـ “الكلمة المنطوقة والمسموعة في برامج “إذاعة الشرق الأدنى”، وهي دراسة تدلّ على عمق وعيه باللغة، كمادة مكتوبة، ومنطوقة، وأثرها على المتلقّي.

ديوان “المعركة” كان الإصدار الأوّل لبسيسو في العام 1952، وبعد ذلك بثلاث سنوات، تمّ تعيينه مديراً لمدرسة مخيّم جباليا، هو الذي عمل بالتدرس قبل ذلك في وكالة الغوث.

إن كان هناك من مؤثّر على شخصيّة معين بسيسو الأدبيّة، فكان الشاعر سعيد العيسى، من دون شك، فقد تعرّف بسيسو على العيسى في كلّيّة غزّة، حيث كان الأخير مدرّسًا للغة العربيّة وآدابها، ومنه نهل قواعد النظم، وسيَر الشعراء، ومعاني المجاز، والاقتباس..

شهرة وانتشار

في مصر، ثمّ في العراق، والجزائر، وبيروت، تكرّس اسم معين بسيسو، الشاعر، والكاتب المسرحيّ، والصحافيّ الذي كتب في عشرات الصحف والمجلّات. وفي الوقت عينه كان ذاك المناضل الذي يتبوّأ المنصب تلو الآخر. أمّا أعماله الأدبيّة فقد تُرجِمَت إلى عدّة لغات، منها الروسيّة، الإيطاليّة، الأسبانيّة، الآذاريّة، الفارسيّة، اليابانيّة والفييتناميّة. كذلك حصل على تكريمات عديدة، مثل جائزة اللّوتس العالميّة، و”درع الثورة” وهو أعلى وسام فلسطينيّ.

هكذا استنفد حياته وتجاربه في عمر قصير، ليرحل عن عالمنا وحيداً عن 57 عاماً، في غرفة في فندق لندنيّ، إثر نوبة قلبيّة حادّة، كان ذلك في العام 1984، بعد استعداده لإلقاء قصيدة “سفَر” في حفل كان سيجمعه مع الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم:

سَفَرٌ

سَفَرْ
موجٌ يُتَرْجِمُني إلى كلِّ اللّغاتِ

موجاً على كلِّ اللّغاتِ

وانْكسِرْ

وَتَراً
وَتَرْ
سَفَرٌ
سَفَرْ
سُفنٌ كلابُ البحرِ أشرعةُ السُّفُنِ

وطنٌ يُفتِّشُ عَنْ وطنْ..

ويَنكسِرْ

 

الشعراء معين بسيسو، سميح القاسم ومحمود درويش
تجربة بيروت

عندما تمّ الإفراج عن بسيسو من “سجن الواحات” في مصر، كانت بيروت وجهته الأمثل، فعاش فيها عصراً ذهبيًّا، بين الصحافة والأدب والسياسة، وعمل في مجلس الإعلام الموحّد، ونشر نصوصه في مجلّة “فلسطين الثورة”، ومجلّة “الأسبوع العربيّ”. ولطالما تنقّل بين حيّ الفاكهاني، وشارع الحمراء، والروشة وساقية الجنزير، ومخيّمات البرج (برج البراجنة) وصبرا وشاتيلا، لاجتماع هنا، ومسامرة هناك، ومهام حزبيّة لا تنتهي.

أمّا سعادته فكانت تتجلّى في لقائه بالغزّاويّين، حيث يسارع إلى فتح بوابّة الذاكرة، ونبش تفاصيل غزّة، كأنّه بذلك يثبّت معلوماته، ويضيف عليها، حيث إن النسيان فيه انتصار للعدوّ. حين اشتد الحصار على بيروت في العام 1982، راح ينشر في جريدة “المعركة” اليوميّة، وهي تجربة يصفها الكاتب الفلسطينيّ أديب عسقلاني قائلاً: “عندما حوصر في بيروت، كان معين بسيسو يكتب كلّ يوم قصيدة في جريدة المعركة، وكان يظن- وكان صادقًا- أنّ هذه القصيدة هي من سترفع معنويّات المقاتلين في بيروت، ولا خروج من بيروت”.

القصيدة الأيديولوجيّة

“بعض الشعراء يكتبون لأنفسهم. حسنًا إذا أردت أن تكتب لنفسك، أن تكتب شيئًا لا يفهمه الناس، لا يتفاعل معه الناس، فاكتبه على المرآة، وانظر على المرآة. ستجد قصيدتك، وترى وجهك، وهذا يحفّف كلّ طموحك وكلّ الذاتيّة التي فيك.. أن تكتب للناس، فيجب أن يفهم الناس ما تقول، يجب أن ينفعل الناس لما تقوله حتّى يتحوّل الشعر إلى قوّة، في المجتمع. تحرّك المجتمع”..

في هذه الجمل القليلة، يلخّص بسيسو وجهة نظره تجاه الشعر، حيث تمتزج الكلمة بالوظيفة، والهدف، ولهذا السبب نُظر إلى نتاج بسيسو الإبداعي على أنّه أقلّ قوّة حيث يقول نقّاد البنيويّة بأنّ الشاعر كلّما استغرق في الجانب الفكريّ كلما ضعفت قصيدته. اعتبروها عيوبًا ومثالب.

الشاعر معين بسيسو
نزيل الزنازين

كثيرة هي المرّات التي أمضاها ابن حيّ الشجاعيّة في السجون والمعتقلات، وجميعها بسبب نشاطه السياسيّ، ومواقفه الحادّة، فقضى فترات في زنازين الإنكليز في غزّة، ومن بعدها سنوات في سجون مصر، وكذلك في العراق، والجزائر، وحتّى في بيروت تمّ سجنه لأيّام ثلاثة بعد معارضته المكتوبة لياسر عرفات في قضيّة معيّنة، فكان الأمر “تأديبًا مسلكيًّا”.

من بعدها التقاه عرفات وأهداه مسدّسه الخاص. وفي جميع الحالات بقي بسيسو مقتنعًا بأبي عمّار وزعامته، كما كان يحبّ جمال عبد الناصر، الذي سجنه في “سجن الواحات” مع أدباء ومثقّفين كبار مثل زكي مراد محمد خليل قاسم، محمود توفيق، وفي ذلك السجن أنشأوا جامعة، ووضعوا برنامج تعليم منظّم.

إذا ما ربطنا جميع تلك الأحداث والتفاصيل والقصائد والنضالات، فلن نألو جهداً في رسم صورة كاملة لذاك الشاعر الذي أنفق أناه في خدمة الجماعة، وهو أمر شاقّ بالنسبة للنرجسيّة التي ترافق كلّ مبدع كتوأم سياميّ.

الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يهدي مسدّسه  للشاعر معين بسيسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى