ملحمة الاغتراب “النبطانية”: 150 عامًا في أفريقيا وأميركا اللاتينية

من يتابع تنامي النهضة العمرانية في النبطية، منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا، يدرك تماماً الدور البارز الذي لعبه اغتراب أبناء النبطية المبكر في تنمية مدينتهم. هذا الاغتراب الذي بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى دول أميركا الجنوبية ثم إلى أفريقيا ودول الخليج العربي. ازداد بوتيرة مرتفعة في النصف الأول من القرن العشرين، وتألق وطغى كلقب “اغترابي” تحمله الأكثرية الساحقة من أبناء النبطية في النصف الثاني من القرن العشرين واستمر إلى الوقت الحالي، على امتداد أكثر من 150 سنة، وتتركّز غالبيته اليوم، في دول أفريقيا وفي طليعتها الغابون وأبيدجان والكونغو وكوتونو وبرازافيل وليبريا وغانا وأكرا وسيراليون وغيرها.

لقد لعب اغتراب أبناء النبطية، دوراً مميزاً في حيوات أبنائها ممن هاجروا باكراً إلى دول متعددة، وعادوا برساميل مكنتهم من بناء المصالح التجارية، وبعض مصانع التبغ والصابون، وصنعِ سوق تجارية لافتة من حيث البناء وتعدّد الحرف والبضائع، كانت مقصداً لمختلف المناطق اللبنانية والجنوبية، وصولاً إلى فلسطين وحوران. ناهيك عن أنّ عدداً كبيراً من المغتربين أسّسوا لحياة عمليّة وأسريّة هناك، ولم يعودوا نهائياً إلى مسقط الرأس، ولم يبادر الأبناء وأفراد النسل إلى ذلك، فانقطعت أخبارهم.

لم تصنّف النبطية كبلدة زراعية نظراً لمساحتها الجغرافية المتواضعة التي لا تتجاوز سبعة آلاف دونم، وبالتالي تدنّي نسبة الأراضي الصالحة للزراعة فيها. كذلك لم تكن مدينة صناعيّة ربّما لضآلة مساحتها وابتعادها عن الساحل اللبنانيّ نحو ثلاثين كيلومتراً، وإن برزت فيها في فترات متفاوتة مصانع لتدوير التبغ وأسواق لصناعة الصابون والأحذية سرعان ما تراجعت مع تراجع أهمّية هذه الصناعات التي اضمحلّت لاحقاً. لذلك يمكن وصف النبطية بمدينة ذات طابع اغترابي بامتياز نظراً، إلى العدد الهائل من أبنائها المنتشرين اليوم، في دول الاغتراب كافة.

نبطاني في محله لبيع الأرز في منروفيا بداية ستينيات القرن الماضي

لا تأريخ للمغترب الأوّل من النبطية أو تحديد تاريخ هذا الاغتراب، لكن المتعارف عليه في النبطية أن طبقة واسعة من أبنائها أسّست في مطلع القرن العشرين، أي قبل مئة سنة، لرساميل تجاريّة ميزت غناهم وامتلاكهم لثروات وأراض واسعة ليس في النبطية فحسب، بل امتدت إلى الجوارين القريب والبعيد، فيما استثمرت فئة أخرى في بناء دور مميزة وعمارات تجارية كانت لا تتجاوز، في تلك الأيام، الطبقتين للأبنية السكنية والطبقة الواحدة للأبنية التجارية، وهذا كلّه بفضل أموال الاغتراب.

تنوّعت ظروف الاغتراب في النبطية، فقد كانت في مراحلها الأولى هرباً من الأوضاع المعيشية الصعبة والجوع السائدين بسبب الاحتلال التركي وقوانينه المستبدة، لا سيما على “شيعة” جبل عامل. ثم تطور هذا الاغتراب إلى مسألة رفع الشأن الاقتصادي للمهاجرين وعائلاتهم والعودة برساميل تمكنهم من الديمومة إلى سنوات طويلة وتوريث ذلك إلى أبنائهم.

أمّا في مراحل لاحقة، فقد بات هذا الاغتراب هو الموئل الاقتصادي للآلاف من أبناء النبطية، الذين دفعوا بخيرة الشباب إلى الهجرة من أجل تطوير أوضاعهم الاقتصادية ومن ثم الزواج وبناء العائلات ومساعدة ذويهم على معيشة تليق بهم. وقد ساهمت في تعزيز هذه المسألة وجوه “نبطانيّة” عملت على “تسفير” الشباب وتأمين موارد لهم وأعمال ووظائف في دول الاغتراب، وتحديداً في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

“النبطية والاغتراب توأمان”

“النبطية والاغتراب توأمان، ولولا الاغتراب لكان أهل الجنوب في حالة فقر وعوز، وليس النبطية فحسب” يقول “شيخ” المغتربين الحاج كايد الصبّاغ من النبطية، ويشير إلى أنّ أعمامه غادروا النبطية إلى “تشيلا” (في جمهورية كونغو الديموقراطية) منذ ما قبل سنة 1914، “بسبب الحرب والجوع، لم يعودوا جميعهم، عاد منهم أحمد حسن صبّاغ ودفن هنا، أما أشقاؤه والعديد من اللبنانين فقد تولّوا مناصب عديدة هناك، بين سيناتور ورئيس بلدية ونائب في البرلمان وماتوا هناك”.

المغترب كايد الصباغ أمام لوحاته الاغترابية في معرضه البيتي في النبطية

كان السفر في ذاك الوقت بورقة أو بالتهريب على ظهور البواخر التي كانت تحطّ في موانئ مرسيليا ومنها إلى أميركا اللاتينية، إلى دكار ومنها إلى الأرجنتين وامتداداً نحو تشيلا والمكسيك.

لعب اغتراب أبناء النبطية، دوراً مميزاً في حيوات أبنائها ممن هاجروا باكراً إلى دول متعددة، وعادوا برساميل مكنتهم من بناء المصالح التجارية، وبعض مصانع التبغ والصابون، وصنعِ سوق تجارية لافتة من حيث البناء وتعدّد الحرف والبضائع

غادر الصبّاغ النبطية إلى ليبريا في العام 1960، وعاد بعد نحو سنتين إلى النبطية لتفقد سيارته المرسيدس العموميّة التي بقيت تعمل بالأجرة بعدما أوكل أمرها إلى أحد السائقين. وفي العام 1963 توجّه إلى الغابون وبنى مصلحة هناك مكّنته من التعرف على رؤوس كبيرة في الدولة، “ما ساعدني في غضون سنتين على تسفير العديد من الأصدقاء والأقارب، ثم راحت الحلقة تتّسع بعدما استطاع من ساعدته على السفر من تسفير أقاربه وأصحابه، ودواليك”.

وخلال سنوات عديدة أقام الصبّاغ مزارع للدجاج ومعامل لصناعة المسامير وتدوير البلاستيك فضلاً عن أربع بنايات بطوابق عديدة. لقد جعلته هذه المصالح ومعارفه لأركان السلطة، ومنهم الرئيس الغابوني عمر بونجو أونديمبا (المولود ألبرت بيرنارد بونجو، وحَكَم الغابون بين 1967 و2009) أحد أهم المساهمين في تسفير أبناء النبطية إلى الغابون.

قبل وصول كايد الصباغ إلى الغابون سبقه إلى هناك صادق شقير، وهو من شرق مدينة صور، تزوج من رحمة عبد الحسن جابر واستوطن في مسقط رأسها النبطية، ثمّ ساعد أشقاء زوجته أحمد وغالب وفوزي وعادل، إضافة إلى أدهم الخياط على السفر إلى هناك، وبدأت هذه الدائرة التي تعتبر السبّاقة نحو الغابون تتسع شيئاً فشيئاً. وقد ساعد أدهم الخياط كايد الصباغ على تمتين جذوره الاغترابية في الغابون.

جدول أعده كايد الصباغ يبين أنّه بين 1980 و2017 نفذ 429 رحلة طيران اغترابيّة
429 رحلة طيران اغترابيّة

على جدران دارته في النبطية، يعلّق كايد الصباغ ما يشبه معرض الصور واللوحات التي تؤرّخ لنشاطاته الاغترابيّة، فهو يسجّل أنّه بين أعوام 1980 و2017 نفذ 429 رحلة طيران اغترابيّة. كانت الرحلة الأولى إلى منروفيا- ليبيريا بتاريخ 17 أيار 1960، ومن هناك إلى الغابون- ليبيرفيل في 21 أيلول سنة 1963. ناهيك عن مشاركته في احتفالات الاستقلال والمناسبات الاغترابية هناك، إلى وسام من رتبة فارس منحه إيّاه الرئيس الغابونيّ عمر بنغو في 4 تموز 1978.

في هذا الوقت، بين 1961 و1962 شهدت النبطية موجة هجرة لافتة كان عديدها العشرات من القوميين السوريين، من أبناء النبطية والجوار، هرباً من “بطش” السلطة بعد الانقلاب الفاشل ضد حكم الرئيس اللبناني فؤاد شهاب وما نتج عن ذلك من تداعيات على الحزب نفسه وعلى الحزبيين، وكذلك على المجتمع اللبنانيّ، وكانت الوجهة ليبيريا (غرب أفريقيا) التي كانت تحت الحماية الأميركية ولم تكن مُستعمَرة، وأسّسوا هناك مع المئات من اللبنانيين الشيعة والدروز والمسيحيين (من القوميين السوريين) مصالح ومعامل واستوطن العشرات منهم تلك البلاد ولم يعودوا إلى البلد الأم.

في مرحلة سبقت انطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، كانت النبطية قد بدأت تشهد نموّاً عمرانيّاً وسّع أحياءها وألصقها بعضها ببعض ومنحها لقب المدينة، كان ذلك قبل سنوات قليلة من بدء تعرّض النبطية للعدوان الإسرائيليّ والقصف بالمدفعيّة الثقيلة من داخل فلسطين المحتلّة وغارات الطائرات، فضلاً عن اجتياحات متعدّدة، ما سبّب هجرة أبنائها إلى مناطق لبنانية أخرى.

قبل هذا التهجير، بسبب تعرض النبطية للاعتداءات التي ذكرناها، وأدّت إلى نزوح لافت وبقاء قلّة قليلة فيها، حمل كثر من أبناء المدينة ما معهم من أموال، وقد تخلّى بعضهم عن ملكيّته للمحال التجاريّة، وقصدوا عالم الاغتراب حيث أسّسوا مصالح تجاريّة ومصانع هناك، باتت تشكّل مصدر عيش لهم، ولعائلاتهم وأقاربهم المقيمين هنا في لبنان.

بين 1961 و1962 شهدت النبطية موجة هجرة لافتة كان عديدها العشرات من القوميين السوريين، من أبناء النبطية والجوار، هرباً من “بطش” السلطة بعد الانقلاب الفاشل ضد حكم الرئيس فؤاد شهاب

وما أن انداح عن المدينة همّ العدوان بعد اجتياح العام 1982، وتراجعه لاحقاً حتى التحرير في العام 2000، حتى شهدت النبطية ثورة عمرانيّة، ولو أنّها عشوائيّة غير منظّمة، إلاّ أنها استندت إلى الرساميل الآتية من مغتربي النبطية ممّن استثمروا في تشييد البنايات والمحال التجارية كتجارة مربحة سريعة، بينما أبقوا على مصانعهم وشركاتهم التجاريّة هناك، في دول الاغتراب، بعيداً عن الهزّات الأمنية والاعتداءات والأحداث التي يتعرّض لها لبنان بين فترة وفترة.

وقد تلمّس المغتربون كيف أنّ الدولة اللبنانية كانت تتجاهل التعويض على المؤسّسات التجاريّة والمصانع المتضرّرة من أيّ عدوان إسرائيلي، فيتحمّل أصحابها هذه النكبة لوحدهم، ولو أدّى ذلك إلى فقدانهم رساميلهم وإفلاسهم وضياع جنى العمر، ما حدّ من عزيمتهم على بناء المصالح على أرض هي عرضة للعدوان والتدمير بأيّ لحظة.

لن ننسى هنا هلال الرساميل الجنوبيّة، ومنها رساميل أبناء النبطية، في السنوات العشر الأخيرة، من دول الاغتراب وتدويرها في تجارة العقارات، ومن ثمّ تجميدها في المصارف اللبنانيّة تحت اغراءات الفوائد العالية، وغياب مصيرها اليوم، أو ضياعها في مهبّ الريح مع “نكبة” المصارف اللبنانية واشتداد الازمة الاقتصادية. ويشي بعض المغتربين أنهم بدأوا من جديد في تجديد رحلة تعزيز مصالحهم في دول الاغتراب وانطلاقهم من نقطة الصفر.

عائلة شمس النبطانية في أبيدجان

لقد ساهم كايد الصباغ وصادق شقير والمربي إبراهيم فران ولاحقاً شكيب حيدر جابر في تسفير المئات من شباب النبطية إلى دول الاغتراب، وتحديداً إلى دول أفريقيا: الغابون، أبيدجان، الكونغو، توغو، كوتونو، برازفيل، زئير، سيراليون، ليبيريا، غانا وأكرا وغيرها. هذا يعني أنهم ساهموا في تأمين معيشة مجتمع بأكمله ومن ثم مضاعفة هذا الأمر، لأنّ من سافر في المراحل الأولى، ساهم هو الآخر بسفر اشقائه أو أقاربه، حتى غدا الاغتراب في النبطية المورد الأساس لمعيشة أهلها ولدورة حياة اقتصادية كاملة تشمل مروحتها اليوم، الآلاف من أبناء المدينة.

الاغتراب النبطاني قديم

لا تخلو معظم بيوت النبطية من صور اغترابيّة ومن رسائل كانت هي السبيل الوحيد للاتصال بين الأهل وأبنائهم، قبل تطور وسائل الاتصال، وتسجل هذه الرسائل لحقبة مهمّة من تاريخ النبطية وأهلها وللذين سافروا إلى دول الاغتراب وحكاياهم، فعاد جلّهم ليرتاح بعد طول سفر، وأورث الغربة إلى أولاده، ومنهم من لم يعد نهائيّاً.

كتب الأديب الراحل الأستاذ حبيب جابر في مذكّراته (حصاد الثمانين، الصفحة 19) عن هجرتين في عائلة والده، هجرة عمّيه شقيقي الوالد، ثم هجرة أشقائه في ظروف مختلفة. ومما كتب: “كانت عائلة أبي من ثلاثة صبيان وثلاث بنات. حدثني والدي أن الابنين الكبيرين اضطرتهما ظروف العيش الصعبة إلى السفر إلى الأرجنتين، ذلك البلد الذي كان مقصد اللبنانيين وملجأهم هرباً من الجوع، بعد أن تركا وراءهما الأمّ وبقية الإخوة، من غير سند يقيهم العوز والحاجة.

هناك انقطعت أخبارهما، حيث لم يكن يومذاك من وسيلة للاتصال، فكانا بالنسبة إلى العائلة وأهل القرية كمن انتقل إلى العالم الآخر. ودارت الأيام حتى عاد من الارجنتين أحد أترابهما في مطلع الأربعينيّات من القرن الماضي، ناقلاً النزر القليل من الأخبار. ومما نقل أن الولد الكبير تزوج بامرأة أرجنتينيّة لم تنجب أطفالاً، في حين أنّ الأصغر منه سناً كان قد تزوج وأنجب نحو ستة صبيان. وقد وُصف لنا بأنه كان حسن الطلعة شجاعاً مهيباً و”مصارعاً” مرموقاً، وكان من أعضاء النادي اللبناني- الأرجنتيني في العاصمة بوينوس أيرس.

رحلة للمغتربين عام 1973

وكان أخي الذي هاجر إلى أفريقيا العام 1937 قد تزود عنوان عمّه هذا، فاتصل به كتابة، حيث توافر له عنه بعض المعلومات إلاّ أنّ تلك المراسلة لم تدم طويلاً، لأن القوم على ما يبدو، كانوا قد اندمجوا تماماً في تلك البيئة النائية، ولم تعد بلادهم ومن فيها من الأهل موضع أي اهتمام أو عناية، لا سيما وأن الأخوين كانا على درجة من الثراء.

وهكذا اسدل الستار على تلك العلاقة وانقطعت الأخبار حتى يوم الناس هذا، بعد أن علمنا بوفاة الشقيقين وببقاء أولاد الثاني منهما مجهولي المصير، شأنهم في ذلك شأن الملايين من اللبنانيين المهاجرين المنتشرين في مختلف أصقاع أميركا الجنوبية من المكسيك إلى تشيلي إلى كوبا إلى البرازيل وغيرها.

جالية لبنانية وأفارقة في حفل مشترك

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى