“هردبشت” لمحمد الدايخ.. العشوائية بين أحياء الأوزاعي وخطوط السينما

موفقاً كان المخرج والسيناريست اللبناني محمّد الدايخ باختيار كلمة “هردبشت” – سريانيّة الأصل تستخدم في الدارجة اللبنانيّة للإحالة إلى معاني الفوضى والرذيلة والعشوائية – عنواناً لفيلمه الطويل الأوّل (كتابة وإخراج) من إنتاج شركة “فينيسيا” لصاحبها أمير فوّاز.

فانطلاقاً من موقع تصوير الفيلم ومسرح الأحداث، منطقة “الأوزاعي” التي يمكن اعتبارها إحدى أكثر ضواحي بيروت اكتظاظاً وفقرًا وعشوائية، مرورًا بالشخصية الرئيسية “حسين” – التي يؤديها شريكه في المسرح والتلفزيون الممثل حسين قاووق – نموذج الشخص “الهردبشت” في عمله – مروّجًا للممنوعات – وملابسه وتصرفاته وردود أفعاله، تمتدُّ هذه الصفة لتمس معظم شخصيات العمل التي بدت واقعية وقاسية وسوداوية، ثمّ تتسع لتشمل الحبكة الدرامية والسيناريو الذي كان – كما هو متوقع- حادًا صريحًا في طرح إشكاليات جدلية، لكنه مختزل ينقصهُ الترابط ويشوبهُ شيء من الغموض والعبث والاستسهال.

الفيلم – وهو الإنتاج الأوّل لشركة فينيسيا المتخصصة بتوزيع الأفلام الأوروبية والأميركية على الصالات – لبناني خالص، يسلط الضوء على جانبٍ من مجتمع الهوامش في بيروت، الجانب “الشيعي” البعيد عن الكاميرا تحديدًا، من خلال عائلةٍ تتكون من ثلاثة أخوة أكبرهم “حسين” (حسين قاووق) ثم “أبو الفضل” (حسين الدايخ) و”محمد/حمودي” (محمد عبده) وأمهم “أمّ حسين” (رنده كعدي).

“هردبشت”

تعيش العائلة في بيت متواضع في “الأوزاعي” ويعمل الأخوة في ترويج المخدرات لصالح “طلال” (غابرييل يمين) صاحب “بورة” للخردة في المنطقة، حيث يظهر أصغرهم “حمودي” كشاب هادئ متدين رافض لهذا العمل لكنه مجبر عليه بضغطٍ من أخويه الكبيرين، قبل أن يتعرّض لحادثة تدخل العائلة بعدها في دوامة من المشاكل، ويدخل الدايخ من خلالها ليعرض جانباً من الفساد والعنف داخل مؤسسات الدولة الأمنية.

وبالحديث عن العنف، لم يكد يفرغ مشهد من مشاهد الفيلم المصنف PG-16 (غير صالح لمن هم دون 16 سنة) من العنف اللفظي والجسدي، العنف الممارس داخل البيت والعمل والشارع والمؤسسات الأمنيّة، المنطلق من الجميع ضد الجميع، الأم والأخوة والجار “علي” (حسين حجازي) وزوجته “زكية” (ألكسندرا قهوجي) والدركي “رواد” (جوزيف زيتوني) و”المعلم طانيوس” (فؤاد يمين) صاحب ورشة تصليح الدراجات النارية في منطقة “مسيحية، حتى اللعبة التي يمارسها الأصدقاء للتسلية في أحد مشاهد الفيلم لعبة عنيفة.

يدين الدايخ الجميع، وكأنه يطلق تحذيرًا حادًا ومباشرًا من العنف المتزايد والمعمم بصورةٍ مرعبة على مختلف طبقات المجتمع اللبناني وفئاته وطوائفه، وهو هنا يدافع عن الهوامش، حيث يصبح العنف أسلوبَ حياة “له مبرراته” فيها نظرًا للظروف التي يعيشها ناسها، وهي مع ذلك ليست أكثر عنفًا من غيرها، العنف متفشٍ في كل مكان وبكل طريقة ولكنه في الهوامش متاح بشكل أوسع وأوضح وأفظع لأن الظروف الموضوعية فيها أنسب.

يدين الدايخ الجميع، وكأنه يطلق تحذيرًا حادًا ومباشرًا من العنف المتزايد والمعمم بصورةٍ مرعبة على مختلف طبقات المجتمع اللبناني وفئاته وطوائفه، وهو هنا يدافع عن الهوامش، حيث يصبح العنف أسلوبَ حياة “له مبرراته” فيها نظرًا للظروف التي يعيشها ناسها

بالإضافة للعنف، لم يخلُ الفيلم الدرامي من لمحات كوميدية سوداء، كنا قد اعتدناها في أعمال الدايخ المسرحية والتلفزيونية، الكوميديا هنا ليست هدفاً بقدر ما هي انعكاس لقسوة الواقع أو هروب منه، تبدو النكتة فجة وقاسية ومختلطة بالبكاء أحيانًا، فيما تغيب المثالية الرومنسية عن الفيلم بشكل شبه تام، باستثناء حضورها بصورة خافتة في شخصية “حمودي”، ولا يبدو هذا غريبًا في ظل الواقعية الحادة التي اختارها الدايخ كثيمة ونهج، والعنف الغالب على شخصيات العمل وأحداثه.

على مستوى الأداء تميزت رنده كعدي في أدائها لشخصية الأم العاطفية القوية بإتقانها للهجة “الجنوبية” وتعابير بيئة الضواحي وصياغاتها، فبدت حقيقية ومقنعة بشكل مدهش، فيما أثبت حسين قاووق قدرته على لعب دور البطولة وتأدية المشاهد الدرامية بكفاءة وأسلوب خاص، أما غابرييل وفؤاد يمين فبدا أداؤهما احترافيا، وبدا مقبولاً أداء بعض الممثلين الآخرين، بينما تخلل أداء بعضهم الآخر شيء من المبالغة وقلة الخبرة، بالإشارة إلى أنهم ليسوا ممثلين محترفين.

هل استطاع محمّد الدايخ أن ينقل صورة شاملة وواضحة لمجتمع “الأوزاعي” وظروفه؟

لا أعتقد أن هذا هو هدف الفيلم، ولا أعتقد أن عرض واقع هذا المجتمع يمكن أن يتسع له فيلم لا تتجاوز مدة عرضه مئة دقيقة، لكن المخرج تناول نموذجاً لعائلة من قاع هذا المجتمع، نموذج واقعي نعرف أنه موجود ومتكرّر، وظفه ليعبر عن أفكار قد لا تتعلق بالبيئة المعنية فحسب، وإنما تتسع لتشمل الرؤية إلى التركيبة اللبنانية المعقدة، وإن كان يُؤخذ على الفيلم أنه لم يناقش أو يحلِّل الظواهر التي طرحها لا على صعيد البيئة “الشيعية” وخصوصيتها ضمن التركيبة، ولا في سياق المشهد اللبناني العام، بل اكتفى بإبرازها كمنشورات إدانة بوجه الجميع، أو لنقل كصفعات مدوية شبيهة بالصفعات التي امتلأت بها مشاهد الفيلم.

“بيئة” لم تتناولها السينما

إذن فالفيلم عبارة عن عرض عنيف وصادم للصورة، لكنّه في الوقت ذاته يكاد يكون محايدًا، وليست مسؤولية المخرج/الفنان بأي حالٍ من الأحوال أن يضع حلولاً، ولكن عمل الدايخ لم يضف الكثير إلى الصورة التي نعرفها، مع علمنا بأن عرضها بهذه الصراحة التي تقارب الفجاجة، وهذه السوداويّة الشاملة المنطلقة من بيئة قلما تتناولها السينما والدراما، هو عمل قد يكون جديداً على السينما اللبنانية.

الفيلم عنيف وصادم للصورة، لكنّه في الوقت ذاته يكاد يكون محايدًا، وليست مسؤولية المخرج/الفنان بأي حالٍ من الأحوال أن يضع حلولاً، ولكن عمل الدايخ لم يضف الكثير إلى الصورة التي نعرفها، مع علمنا بأن عرضها بهذه الصراحة التي تقارب الفجاجة، وهذه السوداويّة الشاملة المنطلقة من بيئة قلما تتناولها السينما والدراما، هو عمل قد يكون جديداً على السينما اللبنانية.

وبالعموم، فإن “هردبشت” لم يخلُ تماماً من التلميحات والرسائل الواضحة منها والمبطنة، لعلَّ أبرزها مشهد تغطية الدركي “رواد” للدماء المتناثرة على جدار المخفر بصورة رئيس الجمهورية، لكن أبعدها في الإحالة شخصية “نوال” والدة “رواد” العجوز الهادئة الضعيفة التي تصاب بنوبات انفصال عن الواقع، وربّما تكون شخصية عابرة بمشاهد قليلة، ولكنها أيضًا قد ترمز إلى لبنان المتخيّل، لبنان مسرحيات “الرحابنة” وأغاني “فيروز” الذي أصبح ظلاً لكيان دافئ وجميل، لكنه مهزوز وضعيف ومنفصل عن الواقع.

بالمحصلة، يبدو هردبشت جريئًا مفككًا وغير مفضٍ، يشفع له أمران أوّلهما اختيار الدايخ للعنوان الذي يصلحُ مبرِّراً لفوضى الخطوط الدراميّة، وثانيهما أن هذا فيلمه الطويل الأوّل الذي بدا جميلاً لناحية التصوير والأفكار الموزّعة هنا وهناك، وهي أفكارٌ كان يمكن طرحُ كلٍّ منها في فيلم منفصل لو عولجت لوقتٍ كافٍ بعيداً عن التسرّع والاستسهال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى