هكذا نشأ القوميون والبعثيون والقوميون العرب جنوبًا

عرفت الأطراف في الجنوب اللبناني، مدًا يساريًا وقوميًا عروبيًا مُبكرًا، متأثرة بشكل كبير بأفكار ثورة أكتوبر الاشتراكية، ومنتفضة على سلطة الزعامات التقليدية والعائلات الاقطاعية والدينية في المدن والقرى. توسع هذا التمدد مع نكبة فلسطين في أيار العام 1948، ما حفّز عشرات الألوف من الشبان، الذين يربطهم التاريخ والجغرافيا، من بينهم وجوه من عائلات دينية، للانضمام إلى أحزاب قومية ويسارية على وجه الخصوص نصرةً لفلسطين، فقدّموا منذ ذلك الحين الشهداء، زودًا عن الأرض، بعدما احتضنوا اللاجئين الذين أُبعدوا قسرًا عن ديارهم، وساهموا إسهامًا كبيرًا في النهضة الثقافية والتعليمية والاجتماعية في جبل عامل.

مدينة صور، قرب المينا، تصوير محمد ترجمان العام 1956‎
القومي

كان الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أسسه أنطون سعادة في العام 1932، واحدًا من أوائل الأحزاب العلمانية، التي شقّت طريقها إلى الجنوب، حيث تلقف الكثيرين من الشبان، فكر سعادة الذي أعدم في العام 1949 على يد السلطات اللبنانية، وانخرط المئات منهم في بداية العمل الحزبي في صفوف الحزب، متخطين المذاهب والطوائف. وكانت مدينة صور الساحلية واحدة من أوائل مدن وبلدات وقرى الجنوب التي تأسّست فيها خلايا حزبية، ولم يسلم المنتمون إلى الحزب من ملاحقات سلطات الانتداب الفرنسي ولاحقًا السلطات الللبنانية، خاصة على خلفية محاولة الانقلاب التي قادها الحزب العام 1961، فهاجر المئات منهم هربًا من الاعتقال.

سعيد حسن المحمد
القومي سعيد حسن

انتسب سعيد حسن إلى صفوف الحزب القومي في سن مبكر قبل حوالى السبعين عامًا، وما يزال أمينًا على هذه المبادىء، بعد بلوغه الـ 86 عامًا. يروي حسن لـ “مناطق نت” حكاية تعرّفه على أفكار سعادة والحزب فيقول “تعرّفت على الحزب عن طريق إبن خالتي رفيق سليم في منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية الآن، عندما كنت في زيارته، وكان شقيقاه علي (منتسب إلى الحزب) وشريف في البيت أيضًا، وأذكر أنه حدّثنا مطولًا عن الحزب وأفكاره وتاريخه، وزودنا بالمحاضرات العشرة”. يتابع حسن “بعدها اشتريت كل كتب أنطون سعادة وقرأتها”. مشيرًا إلى أن عائلات بأكملها من صور كانت قومية مثل بيت حلاوي ويونس وبرجي. وذكر أن الزعيم سعادة زار صور في العام 1948، فكان له استقبال كبير في قهوة ابراهيم الطويل – حلاوي. يومها كان منفذ صور خليل توفيق حلاوي.

مع تنامي الاعتداءات الاسرائيلية، يتابع حسن “كنا نقوم بدوريات على الحدود البحرية في صور، حيث صُودف في إحدى المرات وجود مجموعة من الشيوعيين كانت توزع بيانات، وقد تعرّضنا لهم بالضرب و”شلحناهم” البيانات. من بينهم عصام عرب، الذي اشتكى علينا لدى الدرك، فحكم علينا أنا ومحمود غندور ونزيه أبو صالح ومحمد الشامي بالحبس أسبوعًا أو دفع مبلغ خمسبن ليرة، فدفعناها”.

ذكريات كثيرة يرويها القومي سعيد حسن عن مسيرته في الحزب، منها ما حصل معهم في الأول من آذار في الخمسينيات حيث كانوا يضيئون الشموع، أو الرماد مع الكاز في منطقة المرفأ، فحضر ضابط من الدرك وأبلغهم أن هذا الأمر ممنوع ولديه أوامر بذلك، فرد عليه إبراهيم حسين حلاوي منفذ صور قائلًا “وأنا عندي أمر بالاضاءة وكل واحد منا ينفذ الأمر المتعلق به”. بحسب حسن.

أحد قدماء الحزب القومي في صور الراحل حسن مرتضى متوسطًا الأمين العام الأسبق للحزب القومي مسعد حجل وزوجته

“لم يبق من رعيلنا الأول في صور، سوى شوقي يونس ومحمود غندور وأنا”، يقول حسن معدّدًا أسماء القوميين السوريين الأوائل الذين تعاقبوا على الحزب منذ الاربعينيات وحتى الستينيات في صور وهم: خليل توفيق حلاوي، مصطفى عز الدين، إبراهيم حسن المحمد، ناظم الخليل (شقيق النائب كاظم الخليل) الدكتور شكرالله حداد، كامل حسين يونس، رائف بيطار، حسن عبدالله مرتضى، حسين وحسن محمد الزين، سليمان يونس، علي توفيق حلاوي، ابراهيم بربري، العبد دكروب، حسن شعبان، علي حسين برجي، ابراهيم مالك حلاوي، يوسف أبو صالح، كامل يونس محمد برجي، حسين محي الدين، توفيقة دبوق، وهبة فران، يوسف ابو صالح، ابراهيم ومحمد وعلي حسين حلاوي، يوسف باشا، عبدالله باشا، نيكولا سلوم ، احسان قهوجي، حسين طعان، جورج معوض، فضل عجمي، محمود غندور، محمد بديري، ابراهبم بارود، غازي سعيد، ندية ابو صالح، شوقي يونس، عبدالله شريفة، حسن السمره، يوسف دهيني، حسين حب الله، حسيب حلاوي، توفيق حسن، رضا يونس، ابراهيم حيدر وكامل سقسوق.

البعث

تأسس الحزب بدمج حركة البعث العربي، بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، والبعث العربي بقيادة الأرسوزي، بتاريخ 7 أبريل 1947 تحت مسمى حزب البعث العربي. سرعان ما أنشأ الحزب فروعًا في الدول العربية الأخرى، لكنه لم يصل إلى السلطة سوى في العراق وسوريا.

اندمج حزب البعث العربي مع الحزب العربي الاشتراكي الذي كان يقوده أكرم الحوراني في عام 1952 ليشكل حزب البعث العربي الاشتراكي. وتمدد الحزب حينها إلى اقطار ودول عربية ومنها لبنان، حيث عقد أول مؤتمر له سنة 1956. كونت التنظيم بشكله الحالي.

استمالت الأفكار القومية العربية والاشتراكية، نخبة من المتعلمين والمثقفين والعمال، للدخول إلى حزب البعث في مدن وارياف الجنوب، لا سيما صيدا، حيث كان المرحوم مصطفى الدندشلي من أوائل البعثيين، وبنت جبيل والنبطية وصور التي تحولت فيها الكلية الجعفرية إلى قلعة للبعثيين، حيث استقطب البعث شبانًا من عائلات دينية معروفة ومنهم المرحوم السيد حسين شرف الدين، والنائب المرحوم علي يوسف الخليل.

عدد من اعضاء حزب البعث، من بينهم الامين القطري علي نادي بزي، وبعض ابناء بنت جبيل خلال احياء ذكرى سنوية للشهيد امين سعد (الأخضر العربي) في برج حمود في بيروت اوائل السبعينيات
حسين وهبة فران
البعثي السابق حسين وهبة فران

أقسم المربي حسين وهبي فران 81 عامًا (اليمين) بالانتماء إلى حزب البعث في العام ١٩٥٩ في مقر نادي الحياة في صور، وانتخب في الستينيات عضوًا في القيادة القطرية للحزب، وترك صفوف الحزب في العام ١٩٨٧، بعدما تولى عددًا من المسؤوليات.

يشير فران لـ “مناطق نت” ان أوّل بعثي في لبنان، كان المرحوم الدكتور علي جابر، الذي كان يدرس الطب في جامعة دمشق، وشارك في المؤتمر التاسيسي للحزب العام 1947. وأن أول بعثيين في الجنوب كانا عبد المجيد الأمين (أبو ضافر) من شقراء وحسيب عبد الجواد من صيدا. وأول البعثيين في بنت جبيل غسان شرارة، الذي شغل عضو قيادة قطرية في مرحلة من المراحل. وكان من أوائل المنضوين في الحزب في مدينة صور، حسن محي الدين، جميل شغري، علي الحلاق، جمال قدادو (عضو قيادة قطرية) كامل زعتر، درويش شام (عضو قيادة قطرية) والسيد محسن شرف الدين، وفي بلدة البازورية، كان من البعثيين الاوائل عبد اللطيف قرعوني، عبد الباسط حدرج وعبدالله نسر (ابو موسى) وحسن فضل الله وعبد الكريم أبو خليل من القليلة.

يتابع فران أن المرحوم حسين شرف الدين (أبو رائد) كان من أنشط البعثيين في صور، يقود المظاهرات ويأتي بالسلاح مع آخرين من سوريا أثناء ثورة العام 1958 التي انخرط فيها البعثيون في صور، ضد الرئيس كميل شمعون.

واصف شرارة، بنت جبيل بعثية

يقول المهندس واصف شرارة 74 عامًا لـ “مناطق نت” أن اول المنتسبين في صفوف الحزب مع بداية الخمسينيات، كان المرحوم أحمد شرارة، الذي عيّن مدرسًا في مدرسة بنت جبيل الرسمية، فنشط بين المعلمين والطلاب، الذين اعجبوا بأفكار الحزب الثورية والاجتماعية والزود عن قضية فلسطين. ولم يقتصر النشاط على المعلمين والطلاب، بل تعدى ذلك إلى صفوف الطبقة العاملة، لاسيما عمال مصانع الأحذية التي تشتهر بها بنت جبيل، فكان من أوائل العمال المنضمين إلى الحزب حسن الشيخ علي زين شرارة وبهجت بزي ونزيه سعد وآخرين.

المهندس واصف شرارة

يضيف شرارة “في وقت لاحق عين أسد شرارة أيضًا مدرسًا في مدرسة بلدة عيناثا، فعمل على نشر الأفكار البعثية إلى جانب الاستاذ حبيب غانم والأستاذ أحمد فضل الله، كما كان غسان شرارة من أوائل المنضوين في الحزب، وهو نجل الشاعر المعروف موسى الزين شرارة، الذي تعرف إلى الحزب، اثناء دراسته في مدرسة المقاصد في صيدا، إلى جانب المرحوم النقابي حسيب عبد الجواد ومصطفى الدندشلي.

ويؤكد شرارة، أن البعثيين لعبوا دورًا اجتماعيًا كبيرًا في منطقة بنت جبيل في الخمسينيات والستينيات، فقد أطلقوا حملة لإنشاء مدرسة في عيناثا من خلال التبرعات (أطلق عليه مشروع القرش) وساهم به أبناء البلدة والجوار والمغتربين البعثيين وغيرهم من أبناء عيناثا، وذلك بعدما كانت المدرسة عبارة عن غرف في أكثر من حي في البلدة، كما عملوا بمساعدة آخرين على فتح طريق إلى بلدة رشاف في قضاء بنت جبيل، والتي كانت لا تدخلها السيارات، لافتًا إلى أن بلدة عين ابل المارونية شهدت على خلية حزبية أسسها خليل صادر.

يتابع شرارة، للحزب حكايات آخرى مع المقاومة ومواجهة العدو الإسرائيلي، فأمين سعد (الأخضر العربي) وهو خريج الكلية الجعفرية، كان أول شهيد لبناني يسقط في مواجهة العدو الإسرائيلي في شبعا، في الثالث من كانون من العام ١٩٦٩، وتحول إلى أيقونة للمقاومين، كما استشهد البعثي الشاب واصف شرارة، في العام ١٩٧٠ في بنت جبيل، برصاص عنصر من الجيش االبناني، على خلفية الاشكالات التي حصلت بعد دخول فدائيي فتح والصاعقة إلى بنت جبيل.

الشهيد المربي أمين سعد (الأخضر العربي)
حركة القوميين العرب

ارتبط تاسيس حركة القوميين العرب عضويًا بنكبة فلسطين العام 1948، والتي تاسست على يد مجموعة من الشباب العربي كان يتلقى تعليمه في عام 1948 في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان من أبرز المؤسسين الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد من فلسطين وهاني الهندي من سوريا والدكتور أحمد الخطيب من الكويت، وعقدت الحركة مؤتمرها الأول في عمان عام 1956.

تفرع عن هذه الحركة في أواخر الستينيات، عددًا من التنظيمات اليسارية الماركسية، من خلال كوادرها المؤسسين، فاسس جورج حبش الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين العام ١٩٦٩، التي ولد من رحمها لاحقًا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين برئاسة نايف حواتمة، كما أسس محسن إبراهيم منظمة العمل الشيوعي في لبنان، وأيضًا تأسيس حزب العمل العربي الاشتراكي، حيث كان هذا التنظيم اللبناني الحالي وما يزال لصيقًا بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

القومية العربية امال تمساح زوجة محمد خالد احد قدامى القوميين العرب وهما فلسطينيان
صور وحكايتها مع حركة القوميين العرب

وجدت حركة القوميين العرب في مدينة صور، التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين، أرضًا خصبة لهذا التنظيم، وفتح نادي التضامن الرياضي والاجتماعي والثقافي ذراعه لرموز حركة القوميين العرب، ابتداءً بجورج حبش ووديع حداد وغيرهما، وقد التف عدد كبير من شبان صور وبلداتها حول حركة القوميين العرب، وكان من أبرزهم، وفق عدد من القوميين االاوائل، لاعب نادي التضامن محمد الزيات، ياسر نعمة، منيف فرج، كامل فرج، محمود الرفاعي، منير سعد، احمد محفوظ، عاطف حلاوي، كمال فران، ناجي أبو خليل، محمد يوسف حجازي، محمد فاخوري، جمال يزبك، هاني حلاوي، عفيف شغري، زيد الرز وغيرهم.

وخاض المحازبون في حركة القوميين العرب في صور، معارك مع الجيش اللبناني، أثناء ثورة العام 1958 ضد رئيس الجمهورية كميل شمعون، متخذين من نادي التضامن متاريس لهم. وفي العام 1960 ترشح للانتخابات النيابية باسم الحركة أحد رموزها الشاب الثلاثيني محمد الزيات في مواجهة التقليد السياسي، حيث حصد عددًا كبيرًا من الأصوات، في مواجهة مرشحي قوى السلطة انذاك، لكنه لم يتمكن من الفوز.

محمود الرفاعي
محمود الرفاعي

انضم الصوري محمود الرفاعي (مواليد 1938) إلى حركة القوميين العرب في بدايات نشوء الحركة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وحملت شعارات وحدة، تحرر، وثار.

يعتز الرفاعي بتلك المرحلة من النضال في صفوف الحركة ونادي التضامن. يروي لـ “مناطق نت” أنه تعرّف الى حركة القوميين العرب من نادي التضامن الذي كان يزوره محمد خالد، وهو فلسطيني الجنسية والدته من صور، كان يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان من أصدقاء جورج حبش ووديع حداد.

شارك الرفاعي في الكثير من النشاطات الجماهيرية والشعبية، وخاصة تظاهرة صور الشهيرة العام 1958 التي استشهد فيها محمد قاسم ومعن حلاوي، وتولى أمانة الصندوق في نادي التضامن الذي كان يرؤسه في تلك الفترة ياسر نعمة.

يروي الرفاعي مستذكرًا محمد الزيات فيقول لـ “مناطق نت” إن الراحل شكل ايقونة نضالية وشعبية في صور والمنطقة، مشيرًا إلى أن تمدد حركة القوميين العرب بشكل كبير خارج صور، كان في بلدتي معركة وصديقين.

ويلفت الرفاعي، إلى أنه اكتسب الكثير من سلوكيات ومبادىء حركة القوميين العرب التي كانت تحرص على الانضباط وعدم الكذب، ومن طقوسها أيضًا، فرضها على الحزبيين منع الشعر الطويل (الشنيور) ووضع القميص فوق البنطلون.

محمود الرفاعي أثناء ثورة العام 1958
محمد الزيات خطيباً في العام 1958

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى