فلاشات

يحلم بكتابة إسمه والعودة لوطنه.. الطفل السوري محمد العَلي ورحلته مع الأبجدية

لأن مشهد أترابه وهم يسعون للتمكّن من اللغة العربية أثاره، طلب من المعلمة لونا سلامة أن تعلّمه الأبجدية، على أن يقتطع من أجرته اليومية في المتجر المجاور، لتسديد قسط التأهيل الدراسي. فكان أن استقبلته المعملة ضيفاً عزيزاً من دون أدنى مقابل، طالما أن غايته التعلّم…

يبلغ الطفل محمد علي، وهو من التابعية السورية، أحد عشر عاماً، تقطن عائلته في محلّة كفرجوز (النبطية)، وهي إلى الوالدين، تتكون من أربعة أولاد: صبيّان وبنتان. ويوم حضرت عائلة محمد إلى لبنان هرباً من الحرب في سوريا، كان يبلغ أربعين يوماً. ولكي يساعد والده الذي يعمل في ورش البناء، في المدخول اليومي، راح يعمل في خدمة إيصال البضائع إلى السيارات في دكان مجاور.

تنبّه محمد إلى أنّ معلمة اللغة العربية لونا سلامة افتتحت مركزاً تخصّصياً لتعليم اللغة العربية في كفررمان، يحضر إليه أطفال قادمون من بلاد الاغتراب، في فترة ما بعد الظهر، فتقدم منها وقال: “علّميني كتابة الأحرف العربية، وأنا أدفع لك من أجرتي في العمل”، فسألته المعلمة ماذا يعرف من اللغة العربية، وسرعان ما اكتشفت أنه لا يفقه منها شيئاً، فبدأت معه من الصفر، ولم يكد يمضي شهر واحد “حتى أنهى تعلم الأحرف العربية بأكملها مع الحركات والأصوات القصيرة والطويلة”.

تقرّ المعملة سلامة “أنّ محمداً تلميذ نبيه، وهو يرغب بشدّة في أن يتعلّم، لذا وبالرغم من أنّ عينه تبقى على الدكان ليعرف إذا ما حضر زبون ما، يراقبني بكل كبيرة وصغيرة ويستجيب بسرعة لأي سؤال يوجّه إليه”. وهي تتوقّع له أن يبدأ بالكتابة والقراءة الصحيحة في خلال أشهر قليلة في المرحلة التمهيدية تحضيراً للمرحلة الابتدائية.

ستبقى معلمة اللغة العربية تقدّم إلى هذا الطفل الباحث عن أبجديته العربية بكلّ رغبة وانتباه من دون أي مقابل “لأنّ طريقته في البحث عن العلم شدتني إليه وقرّرت أن أقدّم له كلّ ما أستطيع، وكلّ ما يرغبه، ولن يكون المال عائقاً أمام رغبته النابعة من صميم قلبه الطفولي” تقول المعملة لونا سلامة.

سبق لمحمد أن تسجّل في إحدى مدارس النبطية التي كانت تتولى تعليم الأطفال السوريين في دوام إضافي، في فترة ما بعد الظهر، هو وأشقاؤه الثلاثة، لكن يظهر من مستوى الطفل قبل بدء التعلّم في المركز الجديد، أنّ جهوده كانت تضيع في ازدحام الصفوف، وربما مثله مثل العشرات من الأطفال السوريين الذي لم يستفيدوا من هذه الدورات التعليمية لأسباب عديدة‼!

في الاختبار الأول، ظنّت المعملة لونا سلامة أنّ الطفل يحاول تقوية لغته العربية ليس إلاّ، “فبالنظر إلى عمره الذي يؤهله لأن يكون في المرحلة المتوسطة، ظننت أنّه يحاول أن يتعلم أكثر ممّا يعرف، لكن فوجئت أنّ الطفل لا يعرف شيئاً، ولذلك بدأت معه من الصفر، وهو يحرز تقدّماً ملموساً، وسأتابع معه طالما رغب بذلك” تختم المعلمة سلامة.

ثمّة أشياء كثيرة سيبحث عنها الطفل محمد كلما نما إدراكه، وتفتّحت عيونه أكثر على الحياة وتجاربها، ربّما أشدها وطأة عليه، أن يعود إلى وطنه الذي تهجّر منه رضيعاً في حضن والدته، أو أن يجد وطناً “نهائياً” لأحلامه الكثيرة، بيدَ أنّ ما يشغل باله في الوقت الحاضر هو كيف سيمخر عباب الأبجدية لكي يستطيع أن يكتب أسمه تامّاً بالعربية، ولاحقاً أن يصيغ مكنونات قلبه وعقله باللغة الأم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى