آحاد بيروت مخيفة على رغم الشاي
آحاد بيروت مختلفة عن آحاد الضيعة.
علاقتي بالآحاد أصلاً ليست جيّدة، فأنا من “الذين نخاف أيّام الآحاد”،
ويتضاعف خوفي منها حين أقضيها في بيروت.
قبل الحرب لم أكن أمضي أيّ يوم أحد في بيروت.
أرجو ألّا تظنوا أنّ آحاديّ عظيمة في الضيعة، إنّها مملّة لدرجة مثيرة للشفقة، لكنّني ألفت الخوف والملل من الأحد في الضيعة.
من ثوابت الأحد في الضيعة أنّني أشرب الشاي أكثر من أيّ يوم آخر. صباحاً مع المنقوشة وبعدها، ظهراً بعد الغداء، والعصر مع فيروز زوجة عمي التي تشاركني حبّ الشاي فتصرخ لي من أمام شرفتها لأحتسيه معه ومع لينا زوجة عمّي الأخرى التي لا تشاركنا حبّ الشاي… أو يصرخ لي بسّام ابن عمّي: “روور… ناطرينك عالشاي”.
وأشرب عند المغرب في الحديقة وعند المساء مع العشاء وبعده.
في بيروت لم ألفِ الآحاد.
مع أنّني أحتسي الشاي مع رانية في البيت بعد الوجبات عندما نتشاركها، لكنّها لا تكفي لتصحّح علاقتي بالآحاد في بيروت.
الأحد في بيروت يأخذني إلى آحاد قديمة، آحاد الطفولة في حارة حريك حيث كنت أعيش، تلك الآحاد التي كانت تسبق أيّام الإثنين عندما كان الإثنين يعني المدرسة، ومغص المعدة المرافق لها.
كذلك كان يعني البقاء في المنزل مع وحشة انقطاع الكهرباء وهدوء الحيّ الذي يوحي بأنّ باقي البشر خارج بيوتهم يمضون عطلة ما في مكان آخر.
هدوء آحاديّ في حارة حريك حينها وفي بدارو أيضًا يذكّرني الآن بأنّ حياتي فارغة. وبينما لدى الآخرين كثير ليفعلوه في مكان آخر – وإلّا لما كان هذا المكان فارغًا وهادئًا الآن – ليس لديّ أيّ شي.
أرجو أيضاً ألّا تظنّوا أنّني أبحث عن أشياء كثيرة لأفعلها.
أنا لا أفعل أيّ شيء غير روتيني اليوميّ المملّ.
أنا أحبّ روتيني اليوميّ المملّ.
في يوميّاتي في الضيعة كنت أمنح نفسي يوم الأحد عطلة من الطبخ، ومن الرسم والكتابة.
لم أعد أذهب إلى المدرسة، لكنّني أخاف كلّ أحد.
هذا الأحد مغلّف بغبارٍ أصفر.
أنا أيضاً مغلّفة بغبارٍ أصفر هذا الأحد.












