آلاف النازحين في حمى دير الأحمر وجاراتها البقاعيّات

تتكرّر الكتابة عن النازحين من أبناء قرى وبلدات منطقة بعلبك الهرمل، إلى بلدة دير الأحمر الكتابة عن الموضوع نفسه قبل عام ونصف العام، إذ إنّ التاريخ يعيد نفسه مرّات عديدة نزوحًا ومعاناة، وللمرّة الثانية خلال 15 شهرًا، تستقبل بلدة دير الأحمر البقاعيّة أفواج النازحين ممّن لجأوا إليها من قرى وبلدات مجاورة، بسبب تجدّد الحرب بعنف وقسوة. هي لم تتوقّف يومًا، منذ وقف إطلاق النار المُعلن في الـ 27 من تشرين الثاني (نوڤمبر) 2024، حيث لم تغب الطائرات الإسرائيليّة عن سماء البقاع الشماليّ، ولم تنقطع الغارات التي كانت تُشنّ بشكل شبه دائم على عديد من جرود البلدات، كي تعود مع استئناف الحرب إلى استهداف عمق القرى والبلدات ما تسبّب بسقوط عدد كبير من الضحايا، وبموجة نزوح كبيرة لأبناء منطقة بعلبك الهرمل.

دير الأحمر البلدة التي استضافت في الحرب الماضية ما يزيد على 15 ألف نازحٍ من منطقة البقاع الشماليّ وصل إليها اليوم ما يربو على 8000 نازحٍ من مختلف قرى وبلدات بعلبك الهرمل هربًا من استهدافات وصواريخ العدوّ التي تطال منازلهم وأمنهم.

وبما أنّ بلدة دير الأحمر ذات لونٍ طائفيّ واحدٍ، فكان خيار اللجوء الوحيد إليها أمام أبناء المنطقة ذات الغالبية الشيعية الذين وجدوا فيها أمنهم وأمانهم والرعاية الكاملة لهم من قبل أبناء البلدة.

واقع النازحين الجُدد

عن واقع النازحين وأوضاعهم وظروف حياتهم في بلدة دير الأحمر يشرح رئيس اتّحاد بلديّات دير الأحمر المهندس هنري فخري لِـ “مناطق نت” الوضع بالقول: “منذ اليوم الأوّل للحرب بدأت بلدتنا وبلدات “الاتّحاد” تستقبل وفود النازحين بشكلٍ تصاعديّ، إذ اشتدت الكثافة في اليوميْن الثالث والرابع من بدء الحرب، حين صارت منطقة البقاع الشماليّ تتعرّض للقصف الصاروخيّ المتنقّل. فما كان أمامنا سوى الاستنفار كلٌّ بحسب مسؤوليّته مقسَّمين إلى فرقٍ لوجستيّةٍ وميدانيّةٍ لتأمين الوافدين والحفاظ على حياتهم وسلامتهم لا سيّما وأنّ الطقس بارد وبين النازحين أطفال ونساء”.

عن عدد النازحين ممّن وصلوا إلى  بلدته، يشير فخري إلى أنّ عددهم حتى الآن بلغ حوالي 8000 نازح موزّعين على بلدات الاتّحاد وهي، إلى جانب دير الأحمر: شليفا، بشوات، برقا، الإدّام، نبحا، عيناتا، الزرازير، بتدعي، بيت مطر، مزرعة بيت صليبي ومزرعة بيت داغر.

فخري: بلغ عدد النازحين الذين وصلوا إلى دير الأحمر والقرى المجاورة، حوالي 8000 نازح موزّعين على بلدات الاتّحاد وهي، إلى جانب دير الأحمر: شليفا، بشوات، برقا، الإدّام، نبحا، عيناتا، الزرازير، بتدعي، بيت مطر، مزرعة بيت صليبي ومزرعة بيت داغر.

أمّا عن المناطق التي نزح الناس منها فيقول فخري إنّها مختلفة من حيث الجغرافيا والمسافة “وليس لدينا الأسماء كلّها، ولكن يمكن تسمية البعض منها وهي من غرب بعلبك :طاريّا، حدث بعلبك، بوداي، السعيدة، شمسطار، بيت مشيك، فلاوي، حزّين. ومن مدينة بعلبك وجوارها: دورس، الأنصار، إيعات، حوش تل صفيّة. ومن وسط شرق بعلبك وغربها: حوش الرافقة، بيت شاما، بدنايل، قصرنبا.

خدمات النازحين

عن التقديمات للنازحين يشير فخري إلى “أنّنا استطعنا تقديم الحاجات الضروريّة لهم كالموادّ الغذائيّة والتدفئة والإنارة والفُرش والأغطية وهي مستلزمات أساسيّة تمكّنهم من الاستقرار في أماكن وجودهم”. وعن أماكن توزّعهم يشرح فخري أنّه “جرى توزيعهم على مباني الثانويّة والمهنيّة والكنيسة، بالإضافة إلى المنازل التي استقبلت نحو 70 في المئة من العدد الإجماليّ”. وأكّد فخري أنّ بلدة دير الأحمر وحدها استقبلت حوالي 5500 نازحٍ وبقيّة بلدات الاتّحاد نحو 2500 منهم.

أمّا عن الجهات التي قدّمت المساعدات فيؤكّد أنّها جمعيّات إنسانيّة مثل الـ NGO وسواها “في ظلّ غيابٍ تامٍّ للمؤسّسات الرسميّة، باستثناء ألف ليتر من مادة المازوت قدّمتها وزارة الشؤون الاجتماعية منذ ثلاثة أيام”. مشيرًا إلى حصول نقصٍ في مادّتيْ المازوت والبنزين لآليّات شرطة البلديّة للقيام بمسؤوليّاتها وعملها تجاه الأزمة. “وقد تطوّع 50 شابًّا في شرطة بلديّات الاتّحاد، 45 منهم من دير الأحمر و5 من بقيّة البلدات وذلك بسبب الحاجة والتحدّيات في مواكبة الأزمة وتلبية احتياجاتها.”

ويختم الفخري بمناشدة الوزارات المعنيّة في الحكومة تقديم أقصى المساعدات على جميع الأصعدة “من أجل تأمين مستلزمات النازحين في بلداتنا “لا سيّما وأنّ الحرب قد تطول وتصبح التحدّيات أكبر.

توزيع المساعدات على النازحين في أحد مراكز الإيواء في دير الأحمر
شهادات نازحين

يقول حسين حميّة من بلدة طاريّا إنّه نزح مع عائلته إلى بلدة دير الأحمر منذ اليوم الأوّل للحرب “لأنّنا ذقنا الأمرّيْن السّنة الماضية، فبلدتنا قُصفت عشرات المرّات وسقط منها عشرات الضحايا، لذلك استدركنا الوضع في هذه الحرب ولجأنا إلى ‘الدير‘”.

ويشير لِـ “مناطق نت” إلى أنّ “أهل دير الأحمر استقبلونا بالترحاب، ويعاملوننا بكلّ محبّة واهتمام. ولقد أمّنوا لنا كلّ حاجاتنا في المدرسة التي نقيم فيها. حتى إنّنا بتنا نشعر وكأنّنا في بيوتنا. فهم عوّدونا على كرمهم الحرب الماضية. وهذا ليس غريبًا على أهل المنطقة المعروفة بتاريخها الجامع لكلّ الطوائف والمجتمعات.”

وطالب حميّة الجهات الرسميّة الإسراع في دعمها للنازحين وتقديم كلّ مقوّمات الصمود “أمام هذه المحنة التي لا تسطيع بلديّة بمفردها مواجهتها حيث الأعباء كبيرة والامكانات متواضعة.”

أطفالنا يريدون الحياة

وتقول فاطمة علي النازحة من بلدة حزّين البقاعيّة “إنّنا لم نستطع البقاء في بلدتنا ومواجهة الصواريخ القاتلة، فخرجتُ مع عائلتي إلى دير الأحمر كونها تشكّل مصدر أمانٍ لنا بحكم خصوصيّتها وجغرافيّتها. والحمدلله استُقبلنا بكلّ مودّة واحترام حيث أمّنوا لنا احتياجاتنا سريعًا كي لا نحتاج شيئًا في هذه الظروف الصعبة.”

تتابع علي لِـ “مناطق نت”: “أطفالي الخمسة صغار وكانوا قد تعرّضوا لهلع وخوف كبيرين الحرب الماضية. واليوم يقولون لي إنّهم لا يريدون الموت، يريدون الحياة وأن يبقوا سالمين”. متسائلةً: “ما ذنب الأطفال الذين لم يتعافَوْا بعد نفسيًّا من الحرب الماضية حتّى أتت الحرب الحاليّة لتقضي على ما تبقّى من أمنٍ وأملٍ في عقولهم؟”.

شبعنا موتًا نريد الطمأنينة

أمّا النازح محّمد العوطة من بلدة مجدلون فيقول إنّه ترك بلدته بعد أيّامٍ على بداية الحرب “حين علمت أنّ بلدتي أصبحت في دائرة الخطر ولا أريد أن أعرّض عائلتي للموت، لذلك جئت إلى دير الأحمر.” ويشير لِـ “مناطق نت” إلى أنّه يشعر بالحزن “فعلى الرغم من اهتمام أخوتنا الديريّين بنا مع جزيل الشكر لهم إلّا أنّ الخارج من بيته قسرًا يبقى مهجّرًا بكلّ ما للتهجير من تبعات.”

ويرى العوطة أنّ “إقامتنا عند أهلنا وإخوتنا في دير الأحمر قد تكون طويلة هذه المرّة. فالحرب الدائرة تشير إلى أنّ الخلاص مُكلف. والمدنيّون هم الضحايا دائمًا. ونحن يبدو أنّنا سنبقى في عذاب حتّى الممات.”

ويختم بقوله: “لقد شبعنا موتًا وقتلًا ونريد السلام الطمأنينة لأبنائنا ومستقبلهم.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى