أحمد قعبور… حين يصبح الصوت ذاكرة لا تُودَّع

قبل بضعة أيّام، استهدف العدوّ الإسرائيليّ قبل الفجر بقليل شقّة في عرمون، في المبنى الملاصق للمبنى الذي تقيم فيه “جدّتي فطّوم” التي تقترب من 100 عام، حملت الهاتف للإطمئنان، لم تكن مدركة لما جرى لكنها طلبت منّي أغنية اعتدت أن أغنّيها لها دوما فضحكت “يا ستّي ليكي ليكي، قذايف حواليكي”.

هناك أشخاص، حين يرحلون، لا يتركون وراءهم فراغًا، بل يتركون حضورًا يصعب إخراجه من حياتنا. لذلك، ربّما، تعمّدت ألّا أشارك في حفلات التوديع التي تُسمّى تكريمات، والتي كثرت في السنوات الأخيرة. لم أرد أن أكون هناك، لأنّني ببساطة… لم أرد أن أودّع أحمد قعبور.

هو الذي يغيب اليوم بعد أن اختنق النداء وارتخت الأيادي التي تشدّ على الأيادي، ولم يعد “الشغل ماشي” ولا “البلد ماشي” وبعد توقّف الأطفال عن الغناء للعيد، وبعد استشهاد “الأطفال السبعة” في الضفّة ولم نعد ندري إن كان الـ “رايح صوب الليطاني” سيجد أحدًا من أهالي النبطية ليصبّحه، أم سيقدر أن يطلّ “شويّة ع الخيام”. هو الذاهب حزينًا ليخبر محمّد العبدالله أنّنا “نحنا الناس” لم نعد “حكايا الرصيف” بل خرجنا من بيوتنا ومدننا وقرانا لنفترش هذا الرصيف الذي أخبرنا أنّه وشوارع المدينة “لكلّ الناس”..

أحمد قعبور لم يكن مجرّد فنّان. كان حالة، بل ظاهرة فنّيّة وإنسانيّة متكاملة، اختارت منذ بداياتها أن تنحاز إلى الناس. لم يغنِّ للترف، ولا للنجوميّة السريعة، بل للكلمة التي تشبه الحياة، وللحن الذي يخرج من التجربة، لا من الاستعراض. في زمنٍ كانت فيه الأغنية تبحث عن الخفّة، اختار أن تكون أغنيته ثقيلة بالمعنى، خفيفة في الوصول.

وطن من تفاصيل

وُلد في بيروت، ونشأ في بيئة مشبّعة بالتراث الشعبيّ، فكانت أغانيه امتدادًا طبيعيًّا لذاكرة جماعيّة، لا مجرّد تعبير فرديّ. حمل العود، لكنّه حمّل قبله همّ الإنسان. لذلك، جاءت أعماله صادقة، خالية من التكلّف، وقادرة على العيش خارج زمنها وهو القائل “الأغنية الصادقة لا تموت”.

في “شوارع المدينة مش لحدا”، لم يكن يكتب أغنية، بل يقدّم بيانًا إنسانيًّا بسيطًا وعميقًا في آن: المدينة للناس، الرصيف للناس، والحكاية أيضًا للناس.

حمل أحمد العود، لكنّه حمّل قبله همّ الإنسان. لذلك، جاءت أعماله صادقة، خالية من التكلّف، وقادرة على العيش خارج زمنها وهو القائل “الأغنية الصادقة لا تموت”

أمّا في “يا رايح صوب بلادي”، فكان يذهب أبعد من الحنين، ليبني وطنًا كاملًا من التفاصيل: أسماء القرى، وجوه الناس، حكايات الأمّهات، وذاكرة الأماكن التي لا تُختصر بخريطة. هناك، تتحوّل أماكن مثل الخيام والنبطيّة وكفرمتّى من مجرد جغرافيا إلى إحساس حيّ. هذا الحسّ بالتفاصيل لم يكن فنّيًّا فقط، بل إنسانيًّا أيضًا. وهو ما لمسته شخصيًّا في علاقتي به.

الإصغاء للناس والأماكن والتفاصيل

في خريف العام 1998، وكنت مراهقًا لم أبلغ الثامنة عشرة بعد، كان لقائي الأوّل به في قهوة الروضة، وفي جلسة ضمّت إليه الشاعر الراحل عصام عبدالله والفنّانة عايدة صبرا التي صرت بعدها طالبًا من طلّابها في الجامعة اللبنانيّة والممثّل رفيق علي أحمد وغيرهم، قال قعبور لوالدي:

“يا أبو سليم، ابنك إذا ما اشتغل بالفنّ بيموت، خلّيه يعمل اللي بدّو ياه لينجح، بس الله يعينه على عقلاته وشو فينا نساعده ما منقصّر.” لم تكن تلك جملة عابرة. كانت قراءة حقيقيّة، وإيمانًا مبكرًا. وبقيت.

وبعد أقلّ من عام، تقدّمت إلى امتحان الدخول إلى كلّيّة الفنون، فكان قعبور أوّل من هنّأني، كأن تلك الجملة كانت تمهيدًا غير مرئيّ لطريقٍ بدأ يتشكّل.

في لقائنا الأوّل، قلت له إنّني كنت أحبّ لو أنّه في “يا رايح صوب بلادي” يغني لكفرحمام (قريتي القريبة من الخيام والتي كانت لا تزال محتلّة يومها)، فللقريتين الوجع نفسه وكذلك القافية والإيقاع، ابتسم قائلا “بكرا منغنّيها سوا”. لم يكن النقاش طويلًا، لكنّه كان عميقًا بطريقته. كان يسمع كثيرًا. وهذه، ربّما، كانت إحدى أبرز سماته: الإصغاء. الإصغاء للناس، للأماكن، وللتفاصيل الصغيرة التي تتحوّل في يده إلى فنّ.

شاهد على أغنية

في العام 2014، كنت شاهدًا على ولادة أغنية ثنائيّة “ديو” بينه وبين ريم بنّا (الفنّانة التي رحلت باكرًا 1966 – 2018) خلال زيارتها إلى بيروت. أغنية “مين”، التي كتب كلماتها ولحّنها. خرجت لاحقًا إلى العلن كإهداء إلى أطفال الشجاعيّة وأهالي غزّة. لم تكن مجرّد عمل فنّيّ، بل موقف واضح، يعبّر عن التزامه العميق بالقضيّة الفلسطينيّة، التي لم يتعامل معها كشعار، بل كجزء من وجدانه.

“مين رح يفتحلا الباب تا الشمس تشرق عليها؟”. سؤال بسيط في ظاهره، لكنّه يحمل ثقل واقع كامل.

هذا الالتزام تجلّى أيضًا في لحظة تكريم جمعتنا في الجامعة اللبنانيّة الدوليّة – فرع صيدا في السنة التي تلتها بحسب ما أذكر، لرفعنا الصوت في دعم القضيّة الفلسطينيّة من خلال الشعر والفنّ. لكن حتّى في تلك اللحظة، لم يكن يبدو كمن يُكرَّم، بل كمن يستمرّ بما يؤمن به، من دون ضجيج.

من عشاء في منزل أحمد قعبور، ويبدو في الصورة كريم دكروب وريبال نعيم
بساطة وعمق

إذا أردنا أن نقرأ تجربة أحمد قعبور فنّيًّا، نجد أنّها تقوم على معادلة نادرة البساطة والعمق معًا. ألحانه هادئة، لكنّها مشبعة بالإحساس. كلماته مباشرة، لكنّها تحمل طبقات من المعنى. لا يعتمد على الزخرفة، بل على الصدق، وهذا ما يمنح أعماله القدرة على الاستمرار.

في أغنية “حقّ العودة” كما في “يا رايح صوب بلادي”، تتجلّى هذه المعادلة بوضوح. الأغنية ليست مجرّد حنين، بل إعادة بناء للوطن في الذاكرة: التنقّل بين القرى، ذكر الأسماء، التفاصيل الصغيرة، كلّها تشكّل خريطة شعوريّة، تعيد إلى المستمع علاقته بالمكان. الإيقاع البطيء يترك مساحة للكلمات، والتكرار يعزّز فكرة أنّ الوطن لا يُقال مرّة واحدة، بل يُعاد ويُستعاد. لهذا، تبدو أغانيه وكأنّها لا تنتهي، تبقى لأنّها صادقة.

كان أحمد قعبور داعمًا دائمًا، لكن بطريقته الخاصّة، لا يرفع صوته، لا يبالغ في حضوره، لكنّه موجود في اللحظة التي تحتاجه فيها. كلمة منه، نظرة، أو موقف، يمكن أن يغيّر مسارًا كاملًا.

ولهذا، ربّما، لم أستطع أن أودّعه. وكما أسلفت تعمّدت ألّا أكون في حفلات الوداع، لأنّني لم أرد أن أضعه في خانة الراحلين، فأحمد قعبور ليس هناك، هو مقيم هنا، في أغنية تمرّ فجأة، في جملة قالها، في ذاكرة لا تُمّحى (ذاكرة وطن، ذاكرة مقاومة، ذاكرة قضيّة).

“يا رايح صوب الجايي”

أحمد قعبور، “يا رايح صوب الجايي”، دخلك وصّلّلي السلام لوالدي “أبي سليم” وأخبره أنّني زرعت له حبقًا بين دفّتي كتاب.

يا رايح صوب الجايي، دخلك وصّلّلي السلام لمحمد العبدالله واسأله إن كان مشتاقًا لشارع الحمرا؟

يا رايح صوب الجايي، دخلك وصلّلي السلام لريم بنّا وتحضّرا لتعاون ابداعيّ جديد، لكن لا تدخلا الأستوديو من دوني.

لكن أرجوك يا أحمد، لا تخبرهم عمّا آلت إليه أمورنا! ولا تحكي لهم عن خيباتنا كي لا يقلقوا، فعلى الرغم من كلّ شيء، نحن “جنوبيّون” نعاند الشمس وفي عيوننا “ألف انتقام”، وسنبقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى