أموات شمسطار يموتون مرّتين!

اعتقدوا أنهم يرقدون بسلام في مساكنهم الأبدية، لكنهم لم يعلموا أن الصواريخ ستلاحقهم إلى مراقدهم وتؤرق نومهم الآمن لتميتهم مرة أخرى، بإرادة غير إرادة الله، وتخطف معهم وإليهم أرواحاً كانت تزورهم وأخرى تتحضر لـ ميتٍ آخر قادمٍ إليهم. لقد أيقظهم الموت ليقتلهم بموت آخر، مؤكداً أن رحمة الرقود في المقابر لن تنجيهم من حمم القتل الطائر في السماء، تُلقى عليهم في عز النهار..
مقبرة شمسطار تحت مرمى الصواريخ
لم يهنأ أبناء بلدة شمسطار البقاعية بعودة غالبيتهم إليها بعد نزوحهم القسري عنها منذ بداية الحرب في آذار الماضي، مطمئنين إلى الهدوء الملحوظ في وتيرة قصف منطقة بعلبك الهرمل من قِبَل طائرات الاحتلال، حتى فاجأتهم “أبابيل” السماء الإسرائيلية بصواريخ الموت؛ إذ كان بعضهم في مقبرة البلدة لتشييع أحد شبابها، فطالت منهم الأحياء والأموات، خالطةً الأجساد الزائرة برفات الأموات المُزارة، ومازجةً ماء ورود القبور الندية بنجيع الأجساد التي جاءت لإلقاء تحية الفاتحة والدعاء على أصحاب الأضرحة.
في طرفة عين، تحول المكان إلى خراب ودمار ملأ المقبرة وأضرحتها بالركام، فاقتلعت شواهد القبور وتناثرت في المكان. رفات تطايرت واختلطت ببعضها على امتداد عصف الانفجار الذي هز أرض البلدة وفضاءها.
دقائق من الهلع واللحظات المروعة خيمت على شمسطار قبل جلاء خوف الاقتراب من المكان، لتُكشف حقيقة الموت الذي أصاب عدداً من أبنائها، وآخرين نُقلوا إلى المشافي بأوضاع حرجة.
إنه فارق الزمن مشمولاً بعناية الله، أنقذ أبناء شمسطار من مذبحة كبرى لو وقعت لَمحت أُسراً عن بكرة أبيها.
دقائق منعت المذبحة الكبرى!
وإذا كانت ألطاف الله وعنايته تدفعان الموت عن بني البشر بعلة الأجل الذي لم يحن بعد، فإن شمسطار نالها من الله ذلك، إذ كان قد سبق القصفَ موعدُ تشييع أحد شبابها بقليل. فعشرات من الأهالي والأقارب اجتمعوا في حسينية البلدة المجاورة للمقبرة المستهدفة، بانتظار دقيقة الخروج لدفن الفقيد. منهم من سبق الموعد وانتقل إلى المقبرة لقراءة الفاتحة على أمواته، وآخرون حضروا لوضع اللمسات الأخيرة على مسكن المتوفى.
إنه فارق الزمن مشمولاً بعناية الله، أنقذ أبناء شمسطار من مذبحة كبرى لو وقعت لَمحت أُسراً عن بكرة أبيها وأنزلت بالبلدة مصاباً يفوق حجم الوصف. وذلك على الرغم من سقوط العديد منهم ضحايا العدوان الغادر وهم في لقاء وداعي وتفقدي للأموات. فكان منهم من فقد أسرته بالكامل في الحرب الماضية، فالتحق بهم في هذه المجزرة خاتماً ذكر بيته بموته.
الطائرات تحرم المشاركة بالعزاء
طائرات الاحتلال وصواريخه المتنقلة بنقل الموت من منطقة إلى أخرى، ومن بلدة إلى جارتها، لم تكتفِ بقتل البشر وتدمير الحجر وحسب، بل إنها حرمت أهالي المنطقة من طقس اجتماعي أصيل متجذّرٍ في نفوسهم ولا يتخلون عنه، وهو المشاركة في المآتم والأحزان للمواساة، ما يمنع الناس من المشاركة في حالات الوفاة اليومية التي تحصل.
وإذا كانت منطقة الجنوب، مثلاً، تعتمد في ظل أهوال الحرب الحالية ومخاطرها مبدأ “الوديعة” للميت على أن تُعاد دفنه حيث البلدة أو المقبرة عند توافر الأمن، فإن شمسطار ومنطقتها لا تدفن موتاها —سواء أكانوا بالموت الطبيعي أم بالاستهداف الصهيوني— إلا في مسقط رؤوسهم ومقابرهم النهائية. وهذا أحياناً ما يسبب الكثير من المخاطر أمام المشاركين الذين كثيراً ما يغيبون عن الحضور قسراً مخافة الصواريخ.
شمسطار تقاوم القتل بالتحدي
اليوم، أبت شمسطار ضيم صواريخ القتل والموت، وأسكنت ضحايا العدوان بيوتهم الأبدية بحضور المئات من أبنائها، متحدية إرادة الخطر المحدق بحياة مشيعيهم. فنام “ضيوف” المقبرة الجدد —التي استهدف العدو موتاها هذه المرة— بأمان دائم، حيث لا خوف ولا قصف ولا حذر، إلى جانب من انتهكت يد الغدر حرمة رقودهم وهم في حماية الله.




