ابتسامةٌ سرقها الركام سارة القاضي وجنينها شهادتان في جسد

من صديقتي أمل محمود كوثراني وطفلها الرضيع اللذين ارتقيا في غارة استهدفت بلدة السكسكيّة الجنوبيّة إلى سارة علي القاضي وطفلتها التي لم تبصر النور بعد، اللتين استشهدتا جرّاء غارة للطيران الحربيّ الاسرائيليّ على بلدة البزّالية في البقاع، تتعرى مُجددًا أهداف العدوّ الإسرائيليّ الذي يزعم أنّه يستهدف مواقع وبنى تحتيّة عسكريّة، إلّا أنّ الصورة تأتي لتُثبت العكس تمامًا، هي تطال منازل وبيوتًا لمدنيّين عزّل لم يغادروا بلداتهم وقراهم ظنًّا منهم أنّهم في مأمن من غدر العدو الإسرائيليّ.

سارة علي القاضي، التي كانت تبعث السرور أينما وجدت بعفويّتها، مضت بالأمس شهيدة على مذبح الوطن. فقد سرق الغدر الاسرائيليّ منها ابتسامتها وحياتها البسيطة والهادئة، مثلما سرق منها شبابها من دون أن ترتكب ذنبًا ما، وهي الحامل بطفلتها في شهرها السابع، فقضى على روحين في جسدٍ واحد.

طالبة وأم ومعلّمة

سارة صاحبة وجه طفوليّ لا يخلو من البراءة، وابتسامة خجولة لا تفارق محيّاها، والكلمة الطيّبة التي تجعل كلّ من حولها يصغي إليها ويهتمّ بحديثها. سارة طالبة مكافحة تركت مقاعد الدراسة سنوات عدّة بسبب زواجها ثم عادت واستأنفت تحصيلها العلميّ بعد انفصالها، هي امرأة لم تتعب وهي أمّ مكافحة لتربية طفلين، إذ لم تتردّد في تعليم الدروس الخصوصيّة لتأمين كلّ ما يتمنّاه طفلاها.

من طالبة وأمّ إلى معلّمة، إلى زواج جديد لبناء أسرة جديدة، وحياة أكثر عدلًا وإنصافًا لها، إلى شهيدة قتلها ذاك العدو الذي يُفقدنا يوميًّا خيرة شبابنا وناسنا. فبالأمس القريب ارتقت الشهيدة المحاميّة غدير دندش من بلدة زبود البقاعيّة إثر غارة على عرمون، واليوم المدرّسة سارة القاضي ابنة بلدة العين إثر غارة على منزلها في البزّالية.

لم تحمل سارة سلاحًا، ولم ترمِ صاروخًا، ولم تكن تُقاتل على الجبهات الأماميّة، إنّما اختارت التعليم لترتقي بالأجيال نحو الأفضل، فاختارت تعليم الأيتام في مدارس المبرّات. كان السلاح الوحيد الذي تمتلكه سارة هو العلم، والذي حاولت أن تنقله إلى طلّابها وبقيت كذلك حتّى الرمق الأخير.

على مقاعد الدراسة

كانت سارة منذ ثلاث سنوات وتحديدًا في العام 2023 طالبة على مقاعد الدراسة في معهد العين الفنّيّ في بلدتها، بعد أن قرّرت متابعة تحصيلها العلميّ في شهادة الامتياز الفنّيّ في اختصاص المراجعة والخبرة في المحاسبة. كانت مثالًا للطالبة المُنكبّة على دراستها، مُتعطّشة للعلم، وغير متذمّرة من مدّة ساعات الدراسة الطويلة، على عكس زميلاتها.

تستذكر أستاذة مادّة الرياضيّات والإحصاء في معهد العين الفنّيّ زهور البزّال، في حديث مع “مناطق نت”، بداية علاقتها مع سارة، مشيرةً إلى أنّها منذ دخولها إلى الصف “فوجئت بصبيّة جميلة ولطيفة، سألتها عن اسمها فأجابت سارة”. تضيف البزّال “كانت تجمع بين روح الفكاهة وطيبة القلب، على الرغم من كلّ ما مرّت به من مصاعب في حياتها، كانت تبذل قصارى جهدها لتُحافظ على ابتسامتها وتفاؤلها بأنّ الأيّام المقبلة ستكون أفضل”.

وتلفت البزّال إلى أنّ علاقتهما تطوّرت إلى صداقة “صارت سارة تحدّثني حتّى عن أمورها الخاصّة، وعندما تزّوجت مرة ثانية كانت تُردّد على مسمعي: شفتي كيف الله عطاني أكتر ما بستاهل، وعطاني كلّ شي حلو على قد صبري؟”. تتحدّث البزّال بتأثّر عميق عن ذلك “سعادة سارة بحملها لم تكن توصف إلى أن غدر بها العدوّ الاسرائيليّ وبجنينها”.

متحدّيةً كلّ الظروف

إرادة سارة كانت قويّة، فقد استكملت تعليمها متحدّيةً كلّ الظروف، وتمكّنت من تحقيق تفوّق ملحوظ. بدأت عملها في مهنة التعليم منذ نحو عامين. واستمرّت بذلك حتّى صبيحة استشهادها، حيث كتبت لطلّابها صباحًا تُذكّرهم بموعد الحصّة التعليميّة، لكنّ سارة هذه المرة تخلّفت عن طلابها على غير عادتها.

تُشير زميلتها في التعليم، هبة ضيا، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “سارة كانت منتظمة في عملها وفي حضورها للاجتماعات، وكانت معلّمة محبوبة من تلاميذها ومن الكادر التعليميّ”، مضيفةً “اجتمعت فيها صفات جميلة كالمبادرة والتعاون والتميّز الأخلاقيّ وتقديم المساعدة والمرونة في التعاطي، وعُرف عنها ابتسامتها التي لم تُفارق وجهها يومًا”.

تستذكر ضيا آخر اتّصال مع سارة خلال الأسبوع الماضي حيث “طلبت منّي تأجيل الحصّة التعليميّة نصف ساعة”. وتوضح أنّ “سارة كانت تمتلك كثيرًا من الإصرار للمحافظة على حملها وتنتظر جنينها بفارغ الصبر، فرحلا سويًّا”.

سارة ذكرى حزينة

لا يجتمع السرور والحزن في عبارة واحدة، وبين هذه الأضداد رقدت سارة في مثواها الأخير تاركةً حزنًا كبيرًا برحيلها، من أهلها وزوجها وأطفالها، مرورًا بزملائها في الدراسة والتعليم، وصولًا إلى جيرانها وأبناء بلدتها وكُلّ من عرفها. العروس التي لم يمضِ سنة على زواجها تُغادر منزلها مع جنينها إلى غير عودة مخلّفةً وراءها حسرةً وغصّة ووجعًا.

الشهيدة سارة القاضي
منزل سارة القاضي وقد غدا ركامًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى