الجرائم بحقّ النساء تراجع في الأرقام أم خوف من التبليغ؟

لم تكن جميلة (اسم مستعار) الصبيّة الثلاثينيّة، تعلم أنّ هذا اليوم سيكون الأخير في حياتها، التي ازدحمت بكثير من الاحداث، فمنذ وفاة والدها، عاشت بعيدة من والدتها في إحدى قرى بعلبك الهرمل، إلى أن تزوّجت وأنجبت. بعد مرور سنوات على الزواج نشب خلاف مع الزوج أدّى إلى مغادرة جميلة منزلها، وهو ما لبث أن تطوّر ليمتدّ إلى أحد أقاربها. عندها قرّرت جميلة أن تغادر بعيدًا بعدما باتت الحياة مستحيلة. ليلًا سلكت طريقًا جبليّة تقصد بيروت دون أن يراها أحد، ولكنّ قريبها لحق بها وأجبرها على إيقاف السيّارة ثمّ ترجّل مع ابنه ذي الـ 15 عامًا، وقف أمامها عند قارعة الطريق وهي تصرخ ثمّ فجأة وبخفّة محارب متمرّس أفرغ ثلاثين رصاصة في جسدها الطريّ الذي تلاشى أرضًا جثّة هامدة.
في الصباح عثر على جثّة جميلة، ولم يعرف أحد تفاصيل الجريمة، فيما سرت شائعات بأنّ قريبها قام بقتلها، وزعم بعضهم أنّ قريبها ادّعى بأن ابنه المراهق قام بتنظيف شرف العائلة، كي يتهرّب من العقاب الكبير كونه تحت السنّ القانونيّة.
تلفيق ودفن طيّ كتمان
بحجّة جريمة الشرف، لم يُسمح بإجراء مراسم الدفن كالمعتاد، وقد ووريت (جميلة) في الثرى قبل المغرب وكأنّها هي المذنبة أو تمثّل تهمة مشينة، يريدون التخلّص منها تحت جنح الظلام. المفارقة أنّه وإلى اليوم لم يتمّ سجن أو معاقبة القاتل.
ما ورد أعلاه، ليس قصّة من نسج الخيال، بل حادثة حقيقيّة حصلت، ولم يزل يقع مثلها في قرى بعلبك الهرمل، أمّا لماذا بقيت طيّ الإهمال، فذلك يعود إلى مشكلة كبيرة عنوانها “الخوف من التبليغ عن العنف والإيذاء”، وهو إن حصل فإنّه لا يعكس الواقع حيث تُظهر بيانات المنظّمات غير الحكوميّة معدّلات عنف مرتفعة بحقّ النساء.
ويبقى السؤال: ما هي الأسباب التي تحول دون التبليغ عن عنف وجرائم قتل النساء في لبنان عمومًا وبعلبك الهرمل بخاصّة؟ هل إنّ نسبة التبليغات المتدنّية تعكس انخفاضًا في معدّلات العنف؟ أمّ أنّ الخوف يخفي حقائق أكبر بكثير من النسبة المعلن عنها؟ وما هو دور الدولة والمنظّمات غير الحكوميّة في التعامل مع العنف ضدّ النساء؟
لغز انخفاض التبليغات وفقر البيانات
لم يكن الاستقصاء عن بيانات أو أرقام تبليغات تتعلّق بالعنف أو حتّى جرائم قتل بحقّ النساء سهلًا، ليس على المستوى الوطنيّ ولا على مستوى بعلبك الهرمل تحديدًا، إذ لم يتمّ العثور على أيّ أرقام رسميّة أو محلّيّة في السنوات الأخيرة. وهذا الأمر ينسحب على التغطية الإعلاميّة الصحافيّة، فقليل لا بل نادر جدًا أن يتمّ العثور على موضوعات أو أرقام أو حالات من بعلبك الهرمل تتعلّق بذلك، وحتّى دون إظهار بيانات شخصيّة، باستثناء بعض المنصّات المتخصّصة في الكتابة عن قضايا النساء، والتي استطاعت أن تغطّي هذه القضايا.
وسجّلت تبليغات العنف الأسريّ على الخطّ الساخن 1745 لدى المديريّة العاّمة لقوى الأمن الداخليّ خلال أشهر أيلول وتشرين الأوّل وتشرين الثاني (سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر) من العام الماضي 2025 ما مجموعه 302 حالة تبليغ توزّعت على الشكل الآتي: 105 بلاغات في أيلول، 95 في تشرين الأوّل، و102 في تشرين الثاني. المفارقة أنّه عند قراءة هذه الأرقام وتحليلها يتبيّن أنّها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التفاصيل، إذ لم يتمّ العثور على تصنيف بحسب المناطق ولا الفئات العمريّة أو نوع التبليغ، وهذا يؤكّد النقص الحادّ في البيانات.
تمّ إحصاء 29 حالة قتل خلال العام 2023، و17 حالة في العام 2024 أمّا العام 2025 ووفق آخر إحصاء شبه رسميّ فقد تمّ تسجيل 27 حالة قتل نساء
بالعودة إلى أرقام جرائم القتل بحقّ النساء والتي سُجّلت في السنوات الماضية، فقد تمّ إحصاء 29 حالة قتل خلال العام 2023، و17 حالة في العام 2024 أمّا العام 2025 ووفق آخر إحصاء شبه رسميّ (المنظّمات غير الحكوميّة والتقارير الصحافيّة) فقد تمّ تسجيل 27 حالة قتل نساء.
عوائق تبليغ عن العنف
عن أرقام الجرائم بحق النساء في منطقة بعلبك الهرمل قالت المحاميّة في منظّمة “كفى” ديما فرحات، إنّه وفقًا لآخر إحصاء، فقد تمّ إحصاء 11 جريمة قتل للنساء في بعلبك منذ العام 2015 وحتّى العام 2023، أمّا الجاني فكان الأب أو الزوج أو الأخ، أيّ أحد ذكور العائلة. وأكّدت فرحات لـ “مناطق نت” أنّه لا فرق في هذه الأرقام بين منطقة وأخرى ولكنّ بعد المسافة بين القرى ومراكز تقديم الخدمات يلعب دورًا في اخفاض التبليغات وطلب المساعده أو الخدمة.
من جهتها أشارت رولى زعيتر وهي مديرة برنامج الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعيّ في التجمّع النسائيّ الديمقراطيّ في منطقة البقاع، إلى أنّ عدد النساء اللواتي يتواصلن مع الاتّحاد طلبًا للحماية كبير. وتابعت لـ “مناطق نت”: “التبليغ عن العنف أو طلب الحماية تشوبه عوائق جمة، منها عدم معرفة النساء بقانون الأسرة، أو بالرقم الساخن، لا بل الثقة في هذه الآليّات”. وأضافت زعيتر “في كثير من الحالات لا يتمّ التبليغ عن العنف إذا كان مستوى الخطر متوسّط أو منخفض، ولكن سرعان ما يتدرّج لينتقل العنف من لفظيّ معنويّ إلى جسديّ وجنسيّ من الشريك، أيّ الشريك الحميم، وبالتالي في غالب الأحوال تتراجع المرأة وتفضّل المسامحة أو تجد تبريرات”.
“الفوارق كبيرة بين أرقام التبليغات لدى الخطّ الساخن في قوى الأمن الداخليّ، وبين ما يصل إلى المنظّمات غير الحكوميّة والذي يتجاوزها بكثير”، هذا ما قالته مريم ياغي منسّقة التحرير في منصّة “شريكة ولكن” وتابعت لـ “مناطق نت” بأنّ “طبيعة السياق الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ يحدّ من شعور المرأة بالأمان إذا ما توجّهت إلى القوى الأمنيّة طلبًا للحماية، نظرًا إلى إحساسها بانعدام الأمان، وقناعتها بأنّ هذه الآليّات لا تحميها، ولا يوجد خطوات فعّالة لاجراءات الوقاية قبل تطوّر العنف إلى جريمة جنائيّة، وبالتالي يأتي التبليغ غالبًا في مرحلة متأخّرة جدًّا، أيّ بعد تعرّض المرأة لخطر يهدّد حياتها بشكل مباشر وجدّيّ”.
جهل القانون أو انعدام ثقة
يعرِّف قانون حماية الأسرة وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسريّ رقم 293 تاريخ 7-5-2024 المعدّل بالقانون رقم 204-2020، العنف الأسريّ بأنّ أيّ فعل أو امتناع عن فعل أو تهديد بهما، يُرتكب من قبل أحد أفراد الأسرة ضدّ فرد أو أكثر منها، وفقًا لمفهوم الأسرة المبيّن في القانون، ويقع أثناء الحياة الزوجيّة أو بسببها، ويترتّب عليه قتل أو إيذاء جسديّ أو نفسيّ أو جنسيّ أو اقتصاديّ.
الخبازة: الواقع في لبنان يضعف أثر القانون نظرًا إلى غياب التنفيذ الجدّيّ، بالإضافة إلى تقدَّم الأعراف والمعايير التمييزيّة الاجتماعيّة على النصّ القانونيّ
وبحسب هذا القانون على من يتعرض للعنف الأسري الاتصال على الرقم الساخن 1745 والإبلاغ عن وقوع العنف، ثمّ التوجّه إلى أقرب فصيلة للتقدّم بشكوى، وطلب المساعدة، ثمّ تقديم طلب حماية أمام قاضي الأمور المستعجلة أو قاضي التحقيق الواضع يده على الدعوة أو المحكمة الجزائيّة الناظرة فيها، وذلك لاتّخاذ تدابير فوريّة لحماية الضحيّة والأشخاص المشمولين بالحماية عند وجود خطر فعليّ.
ومثالًا على الإجراءات التي من الممكن أن يشملها أمر الحماية: إخراج مرتكب العنف موقتًّا من المنزل أو تأمين سكن آمن للضحيّة، ومنع أيّ تعرّض أو تحريض عليها، إضافة إلى حماية الممتلكات الشخصيّة والمشتركة، وتمكين الضحيّة من استلام أغراضها، وإلزام المشتكى منه بتأمين النفقة والنفقات الطبّيّة وفقًا لما يحدّده القانون.
عندما يبرر القانون العنف
يشرح المحامي محمّد الخبّازة بأنّ القانون اليوم بآليّاته الواضحة يمكن أن يكون مناصرًا للمرأة. ويتابع لـ “مناطق نت”: “هناك تعديلات جوهريّة على القانون المتعلّق بقتل النساء أو ما يعرف اجتماعيًّا بـ “جرائم الشرف”، حيث كان القانون يُشكّل غطاءً يُستخدم لتبرير العنف الجنسيّ أو قتل النساء”. ويضيف خبازة “أُلغيت المادة 522 من قانون العقوبات العام 2017، ما أنهى إعفاء المغتصب من العقوبة في حال الزواج من الضحيّة، وأصبحت الملاحقة الجزائيّة قائمة بغضّ النظر عن أيّ علاقة بين الجاني والضحيّة. كذلك أُلغيت المادّة 562 العام 2011، حيث لم يعد هناك أيّ مسوّغ قانونيّ يبرّر بذريعة الشرف جرائم قتل النساء وإيذائهنّ، إذ أصبحت القوانين تُعاقب وفق النصوص العامّة وبالعقوبات الكاملة”.
يؤكّد الخبّازة أنّ “القانون هو أداة ردع أساسيّة، لكنّه لا يكون فعّالًا ما لم يُطبّق بسرعة وعدالة وبحزم يضمن حتميّة العقوبة دون اللجوء إلى أعذار أو تسويات تُفرغه من مضمونه، لكن الواقع في لبنان يضعف أثره نظرًا إلى غياب التنفيذ الجدّيّ، بالإضافة إلى تقدَّم الأعراف والمعايير التمييزيّة الاجتماعيّة على النصّ القانونيّ، وكذلك عدم توافر آليّات حماية ودعم للنساء من قبل الدولة”.
أعراف تتجاوز القانون
لطالما احتلّ “العُرُف” أو الأعراف مكانة مجتمعيّة عَلَت فوق القوانين، ليس في الأمور الصغيرة وحسب، بل في أمور مفصليّة في حياة البلد، فكيف الأمر مع منطقة بعلبك التي تعاني التهميش المُزمن، ويتجذّر فيها النظام العشائريّ بما يحمله من ذكوريّة فاقعة، وعادات وتقاليد هي بمثابة قانون مواز يُعمل به يسبق القانون بأشواط ليكون بمثابة دستور غير مكتوب؟
كلّ ذلك يتغذّى على ثقافة مجتمعيّة تعتبر التهرُّب من القانون أو التذاكي في تجاوزه سمة من سمات القوّة والرجولة. فكم من موظّف يتفاخر بأنّ أيّام استراحته أكثر من أيّام دوامه في وظيفته، وكم من مرّة كانت الواسطة هي كلمة الفصل في كثير من القضايا لدى المحاكم على تعدّد الجرائم، لذا لا يُعدّ أذى النساء في ظلّ واقع كهذا، سوى تفصيل صغير لا يرتقي إلى أولويّات عالم رجال العشيرة. فكيف للنساء أن يثقن في سلطة هذا القانون ويأتمنونه على قضاياهنّ؟
قوانين تعزّز تبعيّة النساء
لا تتوقّف الأمور عند هذا الحدّ كما توضح ياغي، وتشير إلى أنّ “التشريعات تتأثّر بمفهوم العيب والعار المستمدّة من السلطة الأبويّة، وهذا المفهوم يتعزّز كلّما اتّجهنا إلى الأطراف والمناطق الداخليّة في بعلبك الهرمل، ما يجعل العنف يرتفع دون حساب”. وتضيف ياغي أنّ “القوانين تعزّز تبعيّة النساء وتعطي الغطاء القانونيّ لذلك، وهذا يعتبر سبب أساس في ما يتعلّق بطبيعة السياق”. تُعطي ياغي مثالًا على ذلك فتقول “عندما تحتضن القوانين وتبرّر وجود الضحيّة في مساحة واحدة مع المعتدي، وعدم منحها الحقّ لا بل تبرر ما تتعرّض له من عنف، فإنّ هذا يُعطي سببًا لتردّد النساء عن التبليغ”.
لطالما احتلّ “العُرُف” أو الأعراف مكانة مجتمعيّة عَلَت فوق القوانين، ليس في الأمور الصغيرة وحسب، بل في أمور مفصليّة في حياة البلد
وتلفت ياغي إلى أنّ العامل الاقتصاديّ يلعب دورًا كبيرًا في هذا الشأن، وذلك نظرًا إلى الكلف المادّيّة التي تتكبّدها النساء، خصوصًا إذا طالت المحاكمة، مع كلّ ما يتخلّل ذلك من ضغوط سياسيّة وحزبيّة، غالبًا ما تُغطّي على جرائم القتل والإيذاء بحقّ النساء، وتؤدّي غالبًا إلى دفع المرأة نحو عدم التبليغ.
يجري ذلك في ظلّ سياق سياسيّ حزبيّ دينيّ يسود منطقة بعلبك الهرمل، حيث أن التمييز متجذّر في أجهزة ومؤسّسات ذكوريّة وتمييزيّة بنيويًّا. هذه الخلفيّة تجعل من الصعب على النساء أن يثقن في جدوى القانون على رغم وجوده، طالما أنّ الشكوى ستُمحى بمجرد اتّصال أو توسُّط يأتي من حزب سياسيّ ما، أو من كبير العشيرة صاحب النفوذ، حينها تنتهي الشكوى، “ولا يعود هناك منداعٍ لخرابيط النساء” على حد تعبير كثير من النساء، ممّن خضن تجارب مشابهة، وهكذا تزهق الأرواح وتُجلد الأجسام دون حساب، وتحت رقابة مشدّدة من عين المعايير والأعراف المجحفة بحقّ النساء من دون أن يرفّ لها جفن.
دور الدولة والمنظّمات غير الحكوميّة
في ظلّ هذا الواقع المُعقّد، يبرز دور الدولة الذي يجب ألّا ينتهي عند الشكوى والاستحصال على أمر حماية، بل إلى تأمين مأوى آمن للمرأة، والمساعدة في حماية أطفالها كذلك، والأهمّ تأمين الدعم المادّيّ لكي تستطيع متابعة القضيّة، وعدم تركها وسط الطريق.
في الموازاة تلعب المنظّمات غير الحكوميّة دورًا رديفًا لدور الدولة، إذ تقدّم المأوى الآمن، والمساعدة المادّيّة بالإضافة إلى الدعم القانونيّ والتمكين، لكنّ هذا الأمر لا يستوي عند الحديث عن منطقة بعلبك الهرمل، لما لتلك المنطقة من خصوصيّة اجتماعيّة وجغرافيّة، تجعلها بعيدة من مركز الخدمات والمعلومات، ما يقلّص إمكانيّة الحصول على المعرفة، وبالتالي الدعم اللازم في الوقت المناسب.
لذا تبرز الحاجة الملحّة للتوعية القانونيّة في القرى النائية والطرفيّة في هذه المنطقة حيث تلعب العوامل الجغرافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، مثل وعورة الطرقات، وقلّة أو كلفة المواصلات، واعتماد السكّان على مصادر دخل محدودة، دورًا في مدى وصول النساء إلى مساحات آمنة للتعبير وطلب الدعم، وتجعلهنّ أكثر عرضة للعزلة. وهذا ما يضع الدولة والمنظّمات غير الحكوميّة أمام مسؤوليّة مشتركة، لتطوير قنوات تواصل ودعم تراعي احتياجات النساء الفعليّة وتستجيب إلى أولويّاتهن، لا وفق مقاربات مفروضة من خارج السياق.
بعد هذه القراءة المستفيضة في حقيقة الأرقام والنسب والأسباب الكامنة خلفها، ويبقى السؤال معلّقًا: كيف ستتمكّن المواطنات من استعادة الثقة بالقانون، وسط نظام طائفيّ يعمّق التمييز ويحوّل العنف إلى ممارسة بنيويّة في القيم والسلوكيّات؟



