الحرب تطحن الفنّانين وأعمالهم التشكيليّة

في الجنوب، كان علي سبيتي يرسم كما يزرع الفلّاح بذوره. لوحاته تحمل إيقاع الأرض: بيوتٌ بسيطة، صبّار يقف كحارسٍ صامت، شقائق نعمان تتفتّح كندوبٍ جميلة، وجرارٌ زراعيّ يمرّ فوق تعب السنين.

الرسم عنده امتدادٌ للحياة. الجدار يتحوّل إلى مساحة كتابة، المدرسة إلى معرضٍ مفتوح، والقرية إلى لوحةٍ متحرّكة. كان يشتغل بيديه كما يشتغل الفنّان والحرفيّ معًا: يصنع الصابون من زيت الجنوب، يقطّر ماء الزهر، يشكّل الفخّار، ينحت مسبحةً من خشب الزيتون، يقطّر ماء “اللاڤندر”، ويستخرج من إكليل الجبل زيتًا يحمل رائحة التلال.

علي سبيتي رسم الأرض فصار جزءًا منها

قبل أيامٍ من اغتياله بغارة، عرض لوحة بعنوان: “الفلّاحة وقت زراعة الفول والبازلّاء – كفرا جنوب لبنان”. لوحة تمشي على إيقاع المواسم، على حركة اليد التي تزرع، بانتظار البذرة وهي تستعدّ للانبثاق.

ثمّ ارتقى علي سبيتي شهيدًا.

تتحوّل اللوحة، هنا، إلى أثرٍ حيّ. كلّ بيتٍ رسمه يصير بيتًا يسكنه الغياب، كلّ زهرةٍ رسمها تتحوّل إلى شاهد، كلّ جدارٍ لوّنه يصبح ذاكرةً تتنفّس. الفنّان يغادر الجسد، وتبقى خطوطه تمشي في التراب.

وقبل شهر، رسم وجه فتاةٍ رحلت في عمرٍ مبكر، وصفها بالملاك. كانت اللوحة محاولةً لإبقاء الضوء في ملامحٍ غابت، كأنّ الرسم صلاةٌ تُكتب بالألوان.

بعد رحيل سبيتي كتبت الرسّامة لينا جوني: “كان الفنّان علي سبيتي يعيد اختراع الجنوب في كلّ لوحة، كأنّ الأرض نفسها تمسك لون التراب وترسم وجعها وجمالها معًا”.

محترف عبير عربيد بالضاحية الجنوبيّة أنذره الخطّ الحمر ودمّره

في ضاحية بيروت الجنوبيّة، حيث تتشابك الأزقّة مع نبض البيوت، كان مرسم عبير عربيد فضاءً يتنفّس فيه اللون، ويجد فيه التعب شكله الجميل. هناك، كانت اللوحات تتكاثر كأشجارٍ تعرف مواسمها، تنمو بصبرٍ عميق، وتتكوّن من طبقاتٍ تتراكم فوق بعضها كأعمارٍ متداخلة. كلّ ضربة فرشاة كانت حوارًا، وكلّ لونٍ كان جوابًا يتردّد في الداخل قبل أن يستقرّ على القماش.

رسمت عبير بغزارةٍ تشبه المطر، وكأنّ الزمن يُلاحقها فتلاحقه باللون. كان المكان أكثر من محترف؛ كان مكتبةً حيّة، وملتقى لوجوهٍ عرفت كيف ترى، وكيف تُصغي إلى ما بين الخطوط. من دخله، رأى فيها شيئًا من مرسمها، ورأى في مرسمها امتدادًا لجسدها، كأنّ الاثنين خُلقا من مادّةٍ واحدة: حساسيّةٍ عالية، وانتباهٍ دائم، وقلقٍ جميل لا يهدأ.

من أعمال الفنانة عبير عربيد التي فقدت لوحاتها تحت أنقاض منزلها الذي أصابه الدمار
إنذار أحمر مدمّر

ثمّ جاءت الإشارة، خطٌّ أحمر على جسد المبنى، كجرحٍ يُنذر بما سيأتي. نصف ساعة فقط كانت كافية ليتحوّل الانتظار إلى صدمة، وليدخل كلّ شيء في منطقةٍ معلّقة بين التصديق والذهول. حين وقعت الضربة، لم يكن الصوت وحده الذي اهتزّ، بل الزمن نفسه، كأنّ الدقائق انكسرت، وتبعثرت داخل المكان.

وقفت عبير أمام المشهد، محاطةً بحال من النكران، كأنّ القلب يحاول أن يؤجّل الحقيقة، أن يمنح الحلم فرصةً إضافية للبقاء. مئات اللوحات: جداريّات، سنوات من العمل، من العزلة، من الإصغاء الطويل، كانت هناك، ثمّ صارت فجأةً في جهةٍ أخرى، جهةٍ بلا شكل، حيث يتحوّل الجهد إلى رماد، ويتحوّل التعب إلى غبارٍ خفيف يطفو فوق الذاكرة.

تقول إنّها كانت قد أنقذت 150 لوحة في حربٍ سابقة، هرّبتها كما تُهرّب الأرواح من الخطر، ثمّ أعادتها حين هدأ كلّ شيء، كأنّها تعيد فلذاتها إلى بيتٍ آمن. غير أنّ هذه الحرب ابتلعتها دفعةً واحدة. كأنّ المصير قرّر أن يستعيد ما أفلت منه.

مرّت الأيام، والصمت كان أثقل من الكلام. الهاتف يرنّ، والأيدي تمتدّ للمواساة، بينما الداخل غارق في منطقةٍ لا تصلها الأصوات. ثمّة شعورٌ بأنّ الفقد ليس خسارة أعمالٍ فقط، بل اقتلاع جزءٍ من الروح، جزءٍ كان يسكن تلك الجدران، ويتوزّع على الألوان.

عبير ترسم كمن يدخل في حوارٍ مع كائنٍ آخر؛ كأنّ اللوحة شريكٌ يردّ ويقاوم ويُعيد تشكيل المعنى. لذلك، كان الاحتراق حوارًا مقطوعًا، جملةً توقّفت في منتصفها، وصوتًا انطفأ قبل أن يكتمل.

ومع ذلك، تبقى الذاكرة، مادّةً لا تلتهمها النار. تبقى التفاصيل، تبقى الرائحة، تبقى اليد التي تعرف الطريق إلى اللون. كأنّ الفنّ، في جوهره، قدرةٌ على العودة، وعلى البدء من رمادٍ يعرف كيف يُنبت من جديد.

الفنّ في مواجهة الحروب: حين تحترق الذاكرة في العالم

تجربة احتراق اللوحات تمتدّ عبر التاريخ، كأنّ الفن يقف دائمًا على تخوم العنف.

خلال الحرب العالميّة الثانية، فقدت أوروبّا آلاف الأعمال الفنّيّة نتيجة القصف والنهب. في دريسدن، تحوّلت المدينة إلى كتلة من الرماد، وضاعت معها مجموعات فنّيّة بكاملها. القصف لم يطَل الحجر فقط، بل أصاب الذاكرة نفسها.

في باريس، نُقلت أعمال متحف اللوڤر إلى القلاع والأرياف، في محاولةٍ لحمايتها. اللوحة صارت كائنًا يحتاج إلى إخفاء، كما يُخفى الكنز.

وفي حصار سراييڤو، احترقت مكتبات ومراكز ثقافيّة، وضاع أرشيف يمثّل ذاكرة شعبٍ كامل.

تشير تقاريرUNESCO  إلى أنّ تدمير التراث الثقافيّ خلال الحروب يمسّ الهويّة الجماعيّة، ويؤثّر في الذاكرة التاريخيّة للشعوب. وتبيّن دراسات أكّاديميّة من جامعة أوكسفورد أنّ فقدان الأعمال الفنّيّة خلال النزاعات يمثّل اقتلاعًا رمزيًّا للذاكرة وإعادة تشكيل للهويّة تحت ضغط القوّة .

الفنّ، في هذه السياقات، يتحوّل إلى ساحة أخرى تُكتب فيها الحروب بلغة اللون.

الرماد كأرشيف… واللوحة ككائنٍ يعود

حين تحترق اللوحة، يبقى أثرها. ليس في مادّتها فقط، بل في الذاكرة التي حملتها. كلّ ضربة فرشاة، كلّ تدرّج لون، كلّ ارتجاف في الخطّ، يستقرّ في مكانٍ عميق داخل الإنسان.

عبير عربيد تحمل رماد محترفها كأنّها تحمل بذورًا جديدة. من هذا الرماد يمكن أن تولد لوحات أخرى، تحمل في داخلها أثر الحريق، وتحوّله إلى طاقة.

وعلي سبيتي، الذي صار جزءًا من تراب الجنوب، يترك خلفه أرشيفًا حيًّا: جدرانًا، أدوات، روائح، تفاصيل يوميّة تتحوّل إلى ذاكرة. فنّه كان متجذرًا في الأرض، لذلك بقي فيها.

من أعمال علي سبيتي الذي قضى في بلدته كفرا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى