الخريبة البقاعيّة منسيّة بين قساوة الطبيعة وسندان الإهمال

بقدر ما كان الأبيض الذي تساقط ليلة أمس على بلدة الخريبة وغمر طرقاتها وسطوح منازلها فأل خير، بقدر ما كان مؤشّرًا بارزًا على ارتفاع البلدة الكبير عن سطح البحر، في أعالي سلسلة جبال لبنان الشرقيّة في البقاع الشماليّ. وإذا كانت البلدة البقاعيّة تحمل الاسم نفسه لعدد من القرى الأخرى في أكثر من منطقة لبنانيّة، إلّا أنّها لا تتشابه في الحكاية والمعاناة، فالبلدة القابعة على ارتفاع 1500 مترٍ في السلسلة الشرقيّة عند الحدود مع سوريا، لها حكاية موغلة في الزمن مع الإهمال والنسيان، وهي تمتدّ من تاريخ نشوء تلك البلدة وصولًا إلى منتصف التسعينيّات من القرن الماضي، تاريخ إنشاء أوّل بلديّة فيها العام 1998.

واقع تاريخيّ وجغرافيّ

منذ نشأتها عاشت الخريبة حياةً بدائيّةً في تفاصيل حياتها مدّةً طويلةً من الزمن، تجاوزت فيها جاراتها من البلدات التي تحوطها من مختلف الجهات وهي: سرغايا، معربون، حام، بريتال، النبي شيت، وطُبْشار والخضر، وذلك بسبب موقعها الجغرافّي المرتفع عن بقيّة قرى وبلدات المنطقة، وصعوبة الوصول إليها وبخاصّة في فصل الشتاء، حيث الطريق الرئيس المؤدّي إليها غالبًا ما تقطعه الثلوج، ما يمنع أبناءها من النزول إلى الأسواق للتبضّع أيامًا طويلة، مع ما يترافق من غياب الاهتمام الرسميّ فيها.

والخريبة شأنها شأن جميع القرى التي تمحورت الحياة فيها حول عيون المياه، لا بل خرجت من رحمها، لم تحد الخريبة عن ذلك، إذ شكّلت “بئر الضيعة” حتّى زمن قريب، الرابط الأقوى الذي جمع أهل البلدة وأضحت ملتقَى يوميًّا لهم، يقصدونها لملء أوانيهم وجرارهم بمائه محمولةً على ظهور الحمير والأكتاف، إذ كانت البئر المصدر الوحيد للشرب والاستخدام المنزليّ في ظلّ غياب الوسائل الحديثة وأدوات النقل.

الثلوج تغمر الخريبة البقاعية التي ترتفع 1500 متر عن سطح البحر
من النسيان إلى الحضور

في العام 1998 خطّت الخريبة التي يبلغ عدد سكّانها 4500 نسمة وعدد الوحدات السكنية فيها 350 وحدة، أولى خطواتها نحو الانتظام الرسميّ، من خلال أوّل انتخابات بلديّة أُجريت فيها، حيث شكّل ذلك تحوّلًا كبيرًا في حياة البلدة، ونقلها من واقع النسيان إلى حيّز الحضور.

أخذ المجلس البلديّ الحاليّ على عاتقه تأمين احتياجات البلدة من خلال توفير الإمكانات الخاصّة والداعمة للنهوض بالبلدة على جميع المستويات، بحسب ما يقول رئيس البلديّة علي موسى، الذي يشرح واقع بلدته الإنمائيّ بالقول “إنّ بلدتنا وبحكم بعدها الجغرافيّ عن الطريق الرئيسة التي توصل إلى مدينتيْ زحلة وبعلبك، بقيت محرومةً من الخدمات عقودًا طويلة من الزمن، وبدأت تتعافى شيئًا فشيئًا بعد الانتخابات البلديّة الأولى في العام 1998”. يتابع لـ “مناطق نت”: “نحن كبلديّة وبعد مرور أشهرٍ قليلةٍ على تسلّمنا مهامنا، نعمل ليل نهارٍ بإمكاناتٍ متواضعةٍ، لتأمين احتياجات أهلنا في البلدة، وكان ملفّ تأمين المياه إلى المنازل أولويةً لدينا”.

يوجد في الخريبة مدرسة واحدة تفتقر إلى كثير من المستلزمات والتجهيزات وهي ابتدائيّة فقط، ما يفرض على الأهالي إرسال أولادهم إلى مدارس مجاورة كالنبي شيت مع ما يتطلّب ذلك من أعباء مادّيّة وزمنيّة. وفي هذا الإطار يطالب أهالي البلدة الدولة بإضافة طبقة ثانية إلى المدرسة لتأمين قسم المتوسّط ووضع حدّ لهجرة التلامذة إلى مناطق أخرى”.

المياه مشكلة المشاكل

عن معاناة البلدة مع المياه يشير رئيس البلديّة علي موسى إلى أنّه توجد في بلدته بئران ارتوازيّتان قادرتان على تغذية أحياء البلدة بكاملها، “غير أنّ هناك عراقيل أمام هذا الأمر يتمثّل بعدم وجود موظّفين لإدارتهما ما يؤثّر على عمليّة التوزيع. ونحن نعالج الأمر من خلال تأمين موظّفين على حساب صندوق البلديّة بكلفة 50 مليون ليرة شهريًّا، علمًا أنّ هذا ليس من مسؤوليّتنا، بالإضافة إلى وجود تعدّيات ومخالفات على شبكة المياه الداخليّة التي تعاني أيضًا من اهتراءات، والمشكلتان تحتاجان إلى حلول من قبل مصلحة المياه في مدينة زحلة”.

ويؤكّد أنّ البلديّة استطاعت في مدّةٍ قصيرةٍ تعبيد المساحة الأكبر من طرقات البلدة “مع بقاء بعض الطرقات من دون تزفيت حيث إنّ الموضوع لدى وزارة الأشغال من خلال وجود دراسة وطلبٍ بذلك، لكنّنا نتمنّى على المعنيّين الاسراع في التنفيذ لتسهيل أمور أهلنا في البلدة.”

ويختم رئيس بلديّة الخريبة مؤكّدًا أنّ “البلديّة ستعمل جاهدةً على إنجاز كلّ البنى التي تحتاجها البلدة على الرغم من قلّة الأموال والموارد وذلك من خلال مطالبة الوزارات المعنيّة بالخدمات، مع الترحيب بكلّ الجهات والمنظّمات التي تمدّ أياديها لتقديم أيّ مساعدةٍ أو هِبَةٍ لنا.”

رئيس بلديّة الخريبة علي موسى: بلدتنا وبحكم بعدها الجغرافيّ عن الطريق الرئيسة التي توصل إلى مدينتيْ زحلة وبعلبك، بقيت محرومةً من الخدمات عقودًا طويلة من الزمن

المشكلة الصحّيّة

يقول المواطن علي راضي إنّ أهم ما تحتاجه بلدته “هو وجود مركزٍ أو مستوصفٍ يكون قادرًا على تأمين الخدمات الصحّيّة بكامل تفاصيلها “لأنّ حياة الإنسان أولويّة قصوى في ظلّ غياب رعاية الدولة.” ويلفت لـِ “مناطق نت” إلى أنّ في بلدته “مركزًا صحّيًّا خاصًّا غير قادرٍ على تأمين الخدمات الطبّيّة الضروريّة، ويعاني كذلك من غياب الأطبّاء والأدوية الرئيسة والكادر الطبّيّ والإداريّ، وعمله يقتصر على إعطاء بعض الأدوية الخفيفة والروتينيّة وتديره موظّفة واحدة.”

وطالب راضي وزارتيْ الصحة والشؤون الاجتماعيّة بضرورة افتتاح مركزٍ طبّيّ في الخريبة مع تأمين أطبّاء “ولو بالحدّ الأدنى كأطبّاء صحّةٍ عامّةٍ. إلى جانب توفير الأدوية لا سيّما أدوية الضغط والقلب والسكّري. وهي أدوية ملحّةٍ نظرًا إلى أهمّيّتها في إنقاذ حياة الشخص عند الضرورة، ونحن كثيرًا ما عانينا من فقدان ذلك وخسرنا أناسًا كان بالإمكان إنقاذهم لو توافرت تلك الأدوية”.

ويرى راضي أنّ بُعد بلدته الجغرافيّ عن أماكن الخدمات يتطلّب أن تكون في صلب اهتمامات الدولة. وهو بناء على ذلك يطالب “الجهات الرسمية جميعها زيارة الخريبة للاطّلاع على جغرافيّتها وأحوالها عن قرب. فنحن لطالما كنّا منسيّين. ولا أحد يزورنا، إلى أن تنفّسنا بعض الشيء بعد ما حقّقته البلديّة التي لن تستطيع الاستمرار من دون دعمٍ ومساعدة.”

أزمات زراعيّة

ولأنّها بلدة زراعيّة بامتياز، تشتهر الخريبة بزارعة الكرز والمشمش تحديدًا فيعتمد مزارعوها على هذين الصنفين من الزارعة إلى جانب مزروعات أخرى.

أمّا المواطن محمّد مصطفى فيرى أنّ القطاع الزراعيّ، والذي تعتمد عليه الغالبيّة من أبناء البلدة، يشكّل أولويّةً، أيضًا، إلى جانب القطاعات الأخرى. “فالزراعة عندنا من أساسيّات العيش، وبلدتنا تتميّز بمناطق زراعيّة تصلح لكثير من المزروعات التي من شأنها أن تسهم في دعم الأسواق الزراعيّة في المنطقة.”

ويشير إلى “جملةٍ من المشكلات التي يعاني منها المزارعون، وتشكّل عائقًا أمام الاستفادة من الأراضي الزراعيّة، وبالتالي تنعكس على أوضاعهم الاقتصاديّة، ومنها عدم إمكانيّة الوصول إلى بعض الأماكن الزراعيّة بسبب طبيعة الأرض. وهذا يحتاج إلى شقّ طرقات زراعيّة وهذا من مسؤوليّة وزارة الزراعة. ومنها عدم وجود دعم زراعيّ من قبل الجهات المعنيّة للمزارعين ممّن يعملون في أراضيهم حيث إنّ الكلفة مرتفعة لشراء البذور والأدوية، وأيضًا الافتقار إلى المياه بسبب مشكلة البئرين في البلدة. ونحن لذلك نطالب بحفر بئرٍ أخرى لخدمة الأراضي الزراعيّة.”

ويشدّد مصطفى على ضرورة الاهتمام ببلدته والالتفاتة الرسميّة إليها “إذ إنّ الدولة غائبة عنها ، حتّى أنّ بعض أبناء المنطقة لم يعلموا بوجودها إلّا أخيرًا بسبب إهمال الدولة لها”. ويختم مستغربًا: “هل يعقل أن تبقى بلدة فيها 450 منزلًا و4500 نسمة مهملة في هذا العصر؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى