غرب بعلبك تحت وطأة نزوح جديد نحو “المجهول”

لم يَكدْ أهالي منطقة غرب بعلبك يتنفّسون الصّعداء بعد الغارات الصاروخيّة الإسرائيليّة العنيفة التي استهدفت جرد بلدة شمسطار القريب جدًّا من الأماكن السكنيّة فيها، والتي سمعت أصداؤها حتّى مدينة بعلبك، وأحدثت حالًا شديدةً من الهلع والخوف دفعت بأبناء البلدة للنزول إلى الشوارع وسط ارتفاع صراخ النساء والأطفال، حتّى جاءهم خبر إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه فلسطين المحتلّة فأدركوا أنّ الحرب الجديدة بدأت وعليهم شدّ الرحال على عجلٍ والنزوح إلى أماكن آمنةٍ قبل أن يصبحوا أهدافًا لطائرات العدو.
ليلة النزوح قبل السحور
بعيد الساعة الواحدة من ليل الأحد، حزم غالبية أبناء قرى وبلدات غرب بعلبك أمتعة النزوح “الجديد” وانطلقوا، قبل موعد السحور، على غير هدًى إلى أماكن لم يتسنّ لهم التفكير في تحديد جغرافيّتها، سوى أن تكون خارج البيئة الطائفيّة التي ينتمون إليها.
سلك نازحو المنطقة أكثر من طريق. منهم من قصد مدينة زحلة من الجهة الجنوبيّة لمنطقتهم وتمركزوا داخل سيّاراتهم على الطرقات العامّة في المدينة، بعد أن اطمأنّوا إلى أنّهم أصبحوا خارج دائرة الخطر. وبعضهم ذهب باتّجاه بلدة دير الأحمر من الجهة الشماليّة، البلدة التي احتضنت في الحرب الماضية الآلاف من نازحي البقاع. وآخرون توجّهوا إلى بيروت وتحديدًا إلى مدينة جونية ومحيطها حيث الأمان المؤكّد لهم.
وما لم يتفاجأ به أهل “النزوح الجديد”، وكما أكّد عديد منهم، أنّ مراكز الإيواء في بعض المناطق التي نزحوا إليها كالمدارس الرسميّة وبعض المعاهد المهنيّة امتلأت بنازحين آخرين قبل وصولهم إليها، إذ إنّ غالبيّة أبناء المنطقة غادروا بيوتهم وبلداتهم منذ اللحظة الأولى لسماعهم خبر إنطلاق الصواريخ من لبنان على أراضي العدو في فلسطين المحتلّة.
ولأن عديدًا منهم لم تتوافر له أماكن في مراكز الإيواء او استئجار منازل خاصّةٍ عاد إلى “قواعده” خائفًا منتظرًا قضاء الله وقدره وتطوّرات الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل وفق تعبيرهم.
النزوح في غرب بعلبك
توزّعت نِسَب نزوح المواطنين من بلدات غربيّ بعلبك بشكلٍ متفاوتٍ وذلك تبعًا لِما حصل من استهدافات لها السنة الماضية. فبلدة طاريّا، مثلًا، التي نالت حصّة الأسد في الحرب الأخيرة من القصف والاستهدافات والدمار والشهداء تجاوزت نسبة النزوح منها الـ 80 في المئة. وكذلك جارتها شمسطار التي لا تمرّ موجة صواريخ معاديةٍ على لبنان إلّا وتطال مرتفعاتها القريبة من المناطق السكنيّة فيها.
في حين أنّ بلدات: كفردان وحدث بعلبك والسعيدة وكفردبش وبيت شاما لم تتجاوز نسبة النزوح منها الـ 20 في المئة.
وكان للهدوء الحذر الذي يسيطر على منطقة البقاع بغياب الطائرات المعادية عن سمائه منذ يومين شيء من الطمأنينة التي شعر بها النازحون ما دفع بعضهم للعودة إلى بلداتهم وبيوتهم وهم على أهبة الاستعداد للرحيل عند حدوث أيّ طارىءٍ من شأنه أن يكون كفيلًا بتهجيرهم مرةً أخرى.
واقع من لم ينزحوا
وفي جولةٍ ميدانيّةٍ تفقّديةٍ، لـ “لمناطق نت” على عددٍ من بلدات المنطقة شاهدنا غيابًا للناس ملحوظًا في شوارعها وأسواقها التجاريّة مع إقفالٍ كبيرٍ في محالها ومؤسّساتها المختلفة. إذ إنّ بعض الأسواق تفتح جزئيًّا في وقت ما قبل الظهر ليتسنّى للمواطنين شراء حاجاتهم اليوميّة على أن تُقفل تلك الأسواق إقفالًا تامًّا عصرًا مع خلوّ الشوارع كلّيًّا من المواطنين إذ يلازمون بيوتهم من دون أيّ خروجٍ حتّى الصباح.
وكما في كلّ أزمةٍ وحربٍ فإنّ تجّار الموادّ الضروريّة يستغلّون الأوضاع الراهنة ليَرووا عطشهم للجشع حيث يقفلون محطّات الوقود وغيرها أمام المواطنين بغية احتكارها بانتظار فقدانها وارتفاع ثمنها.
إذًا، وحتّى كتابة هذا التقرير، فإنّ من تبقّى من سكّان منطقة غرب بعلبك يعيش فيها وجودًا موقّتًا وهم على أعصابهم بانتظار تطوّرات أحداث الحرب ليبنوا عليها مصير البقاء أو الرحيل.






