كرة السلّة تعود متنفّسًا وساحة فرح جماعيّ.. فمتى الأمان؟

هي ليست مجرّد لعبة رياضيّة، كرة ولاعبين وحكّام، بل هي “قصّة عشق وشغف، كَبُرَت معنا منذ الطفولة، حفظنا أسماء لاعبيها المعروفين غيبًا حتّى الأجانب منهم” بهذه الكلمات وصف الشاب صلاح الرفاعي (29 عامًا) “علاقته الغراميّة” بكرة السلّة اللبنانيّة. وفي دردشة مع “مناطق نت” حول عودة البطولة يقول: “فرحة كبيرة، ننتظرها بحماس وأمل الاستمرار، كنّا نفعل المستحيل حتّى نشاهد المباراة في ملعب المنارة، واشترينا بطاقات من السوق السوداء، بسعر مضاعف، ومررنا بخيبات عدم الحصول على بطاقة دخول”.

عودة الحياة

في الـ22 من أيار (مايو) الجاري، انطلقت صافرة كرة السلّة اللبنانيّة في الملاعب من جديد، بعد توقّف قسريّ فرضته الحرب الأخيرة وما رافقها من مخاوف أمنيّة وتداعيات اقتصاديّة ونفسيّة طاولت مختلف القطاعات، منها الرياضة على مختلف أِكالها وتسمياتها.

عودة عجلة “الدوري” من جديد، ليست استئنافًا لمنافسة رياضيّة وحسب، بل تمّثل رمزيّة تتجاوز اللعبة نفسها، إنّها إرادة الحياة في بلد يبحث أهله عن أيّ مساحة للحياة وسط الأزمات المتلاحقة. وقد مثّلت كرة السلّة سابقًا، وفي مناسبات كثيرة “رافعة معنويّة” سياسيّة وطائفيّة، و”انتصارات” في وجه الانكسارات، والكلّ يتذّكر كيف جسّدت بطولات ناديَيّ “الحكمة” و”الرياضيّ بيروت” مقاوماتٍ مدنيّة بمواجهة الإلغاء والاستهداف.

خلال الأشهر الماضية، لفّ الصمت المدرّجات، وغابت الحماسة والجنون في مباريات كرّة السلّة، بخاصّة أنّها الرياضة الشعبيّة الأولى في لبنان. لكن على رغم الحرب والقلق، بقيت الجماهير تنتظر موعد العودة، وكأنّها تنتظر استعادة جزء من حياتها اليوميّة.

اشتعال السوق

ومع إعلان الاتّحاد اللبنانيّ لكرّة السلّة عن استئناف البطولة، اشتعلت سوق اللاعبين، محلّيّين وأجانب، وانطلق سباق الأندية للتعاقد مع أبرز اللاعبين الأجانب، في محاولة لرفع مستوى المنافسة واستعادة الزخم الجماهيريّ في سباق مبكر نحو اللقب. وذلك على رغم صعوبة جلب لاعبين أميركيّين “سوبّر” بسبب الحرب كما أشار مدرّب نادي الحكمة جو غطّاس.

جماهيريًّا ضجّت مواقع التواصل الاجتماعيّ بأسماء اللاعبين القادمين إلى لبنان، وأحدث تفاعلًا كثيفًا، وتحوّلت أخبار التعاقدات إلى مادّة “تزريك” يوميّة بين المشجّعين، في مشهد يعكس حجم ارتباط اللبنانيّين بهذه الرياضة.

أكبر من لعبة

مدرب المنتخب الوطنيّ والنادي الرياضيّ أحمد فرّان، حيّا الاتّحاد “على خطوته الجريئة”، معتبرًا أنّ “كرة السلّة لم تعد مجرّد لعبة شعبية، بل أصبحت حالًا اجتماعيّة يعيشها اللبنانيّون”. ويقول لـ”مناطق نت” إنّ “الحرب أثّرت بقوة في الحركة الرياضيّة وعلى مستواها الفنّيّ، فقبل التوقّف كنّا نعيش الموسم الأجمل والأقوى”. ويضيف أنّه على رغم “عدم عودة البطولة إلى ما كانت عليه قبل الحرب لكنّ استكمالها يحمل رسالة حياة، ويحافظ على صورة بلد، يحاول الصمود في أصعب الظروف”.

المدرب أحمد فرّان

ويشير فرّان إلى أنّ “كرة السلّة اللبنانيّة نجحت خلال السنوات الماضية في جذب شرائح واسعة من الجمهور، متجاوزة الانقسامات التقليديّة والطابع المحلّيّ الضيّق، لتصبح مساحة جامعة تلتقي فيها فئات مختلفة من اللبنانيّين، وبخاصّة الشباب”.

أمّا الجمهور، فينظر إلى عودة البطولة كمتنفّس وساحة فرح جماعيّة، بعيدًا من أخبار الحرب والسياسة والانهيار الاقتصاديّ.

متنفّس ونافذة أمل

لكن خلف هذا الحماس، يبقى السؤال الأساس، هل تكفي عودة الرياضة لطمأنة الناس؟ فالملاعب ربّما تفتح أبوابها مجدّدًا، لكنّ القلق الأمني لا يزال في يوميّات اللبنانيّين، من الجنوب إلى البقاع فبيروت.

وترى الصحافيّة نغم ربيع في حديث إلى لـ”مناطق نت” أنّ “عودة كرة السلّة هي محاولة لاستعادة الحياة الطبيعيّة، ولو بشكل جزئيّ، فلم ننجح بعد باستعادة كامل الشعور بالأمان”. وتضيف أنّ “لبنان عاش تاريخيًّا هذا التناقض بين الحرب والحياة اليوميّة، فدائمًا هناك من يعيش الحرب مباشرة، وهناك من يحاول متابعة حياته بشكل طبيعيّ، وهذا جزء من غريزة البقاء، خصوصًا عندما تطول الأزمات”.

الصحافية نغم ربيع

وتشير إلى أنّ “الناس تبحث، وسط الضغوط والخوف، عن أيّ مساحة للتنفّس أو الهروب الموقّت من ثقل الواقع”. مؤكّدة أنّ “عودة النشاط الرياضيّ لا تعني تجاهل الحرب أو نسيانها، فالذي يعيش الحرب لا يخرج منها بسهولة، لكنّه يحتاج أحيانًا إلى لحظة راحة أو متنفّس يخفّف عنه”. وتلفت إلى أنّ “وراء عودة البطولات الرياضيّة قطاعًا واسعًا من أصحاب المصالح والأرزاق، من لاعبين ومدرّبين وعاملين ومقاهٍ ومؤسّسات، وكل هؤلاء يريدون الاستمرار والعيش على رغم كلّ الظروف”.

حماس للعودة

في أحد مقاهي بلدة الفاكهة في البقاع، يقول صاحب المقهى إنّ “المباريات كانت تشكّل موسم رزق حقيقيّ. فخلال اللقاءات الكبرى كانت الطاولات تمتلئ بالمشجّعين، ما ينعكس حركةً اقتصاديّة نحتاجها كأصحاب مؤسّسات صغيرة في ظلّ الانهيار المستمرّ”. ويؤكّد أنّ “فترة التوقّف تركت أثرًا واضحًا على الحركة التجاريّة، وأنّ الناس اليوم متحمّسون للعودة إلى أجواء المباريات”.

في لبنان، لا تُختصَر كرة السلّة بالملاعب فقط. هي مساحة جماعيّة موقّتة للهروب من الخوف، ولاستعادة شيءٍ من هدوء الحياة الطبيعيّة. فبين صافرة البداية وضجيج المدرّجات، يبحث اللبنانيّون عن أمانٍ مفقود ولو لساعات قليلة.

صلاح الرفاعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى