نزوح الألوان: تشكيليون في مهب الحرب والتحولات

يحمل النزوح في الحروب معناه الأكثر قسوة حين لا يقتصر على اقتلاع الإنسان من بيته فقط، بل يمتد ليقتلع ذاكرته، تفاصيله اليومية، والأمكنة التي صنعت هويّته الروحيّة والبصريّة.

في الحرب الأخيرة على لبنان، وجد عدد كبير من الفنّانين التشكيليّين أنفسهم أمام تجربة نزوح جديدة، ليس بوصفها حدثًا عابرًا، بل كاختبار وجوديّ أعاد صياغة علاقتهم بالفنّ، بالمكان، وبأنفسهم.

من خلال شهادات مجموعة من الفنّانين اللبنانيّين، تبدو اللوحة هنا أكثر من عمل فني؛ إنّها مساحة مقاومة نفسيّة، ووسيلة نجاة، وأرشيف حيّ للوجع والحنين حيث تتكشّف تحوّلات عميقة أصابت الفنّ التشكيليّ اللبنانيّ المعاصر، ليس على مستوى الموضوع وحسب، إنّما على مستوى التقنيّة، واللون، ووظيفة الفنّ نفسها.

ولادة لغة بصريّة جديدة

تقول الدكتورة خولة الطفيلي لـ”مناطق نت” إنّ الحرب أخذت من لوحاتها “الأمان والألوان الهادئة والمواضيع اليوميّة البسيطة”، معتبرة أنّه “من غير المنطقيّ أن ترسم من وحي الطبيعة الجميلة وحولك كلّ هذا الدمار”. تكشف هذه العبارة  تَغَيُّر وعي الفنّان تجاه الجمال نفسه في زمن الحرب، فالأشياء التي كانت تبدو طبيعيّة وبديهيّة، كرسم الطبيعة أو الاحتفاء بالتفاصيل اليوميّة، تصبح فجأة منفصلة عن الواقع، أو حتّى نوعًا من الإنكار.

لكنّ الحرب، بحسب الطفيلي، لم تكن فقط قوّة تدمير، بل أيضًا قوّة دفعت نحو ولادة لغة بصريّة جديدة. فقد دخلت إلى أعمالها مفردات لم تكن موجودة سابقًا “بيت في الحقيبة، النازحة، الخيمة، اليد الماسكة صورة قديمة، الزيتون، الشهيد”. رموز ليست مجرّد عناصر تشكيليّة، بل شيفرا تختصر التجربة الجماعيّة للنزوح والاقتلاع والخوف من فقدان الذاكرة.

الأهمّ في شهادة الطفيلي هو حديثها عن التحوّل التقنيّ والأسلوبيّ، إذ تؤكّد أنّ الحرب “كسرت نمطيّة أسلوبها” وحرّرتها من إطار ما بعد الإنطباعيّة نحو تعبير أكثر عصبيّة وحِدّة. هنا يتجاوز تأثير الحرب موضوع اللوحة، كي يصل إلى طريقة بناء اللوحة نفسها (ضربة الريشة تصبح أكثر توترًّا، والباليت اللونيّ أكثر تحديدًا وقسوة) كأن الفنّانة هنا تتخلّى عن رسم المشهد، لمصلحة رسم ارتجاجها الداخلي أمامه.

وفي حديثها عن البيت، تطرح الطفيلي رؤية شديدة العمق “أنا لا أنساه كي أتذكره، إنّما أعيشه يوميًا”. فهذا البيت المكان بالنسبة إلى الفنّان النازح لم يبق جغرافيا خارجيّة وحسب، بل صار جزءًا من الجسد واللغة واللهجة والذاكرة، شيئًا يُحمل في الداخل أكثر ممّا يُرى في الخارج.

الفنانة الدكتورة خولة الطفيلي
الرسم فعل لا إرادي وعلاجي

هذا الارتباط بين المكان والهويّة يظهر بوضوح أيضًا في شهادة الدكتور حسين حسين، فيؤكد أنه حين غادر بيته ومرسمه لم يشعر بأنه يترك “حجارة أو أغراضًا فقط”، بل جزءًا من حياته وتاريخه الشخصيّ. المرسم هنا لم يعد مكان إنتاج فني وحسب، بل مساحة تراكمت فيها الذاكرة والتجربة والعلاقة الحميمة مع الأشياء.

يكشف حسين لـ”مناطق نت” مفارقة مؤلمة حين يتحدث عن لوحة كان يرسمها عن نزوح غزة، قبل أن يجد نفسه فجأة يعيش التجربة ذاتها. كأن ّالفن سبق الواقع، أو تنبّأ به بطريقة ما. لكنّه يوضح أنّ لوحته لا تعكس النزوح كفعل مباشر، اللوحة عبّرت عن “الضياع”، وهذا ما ترجمه عبر اللون والمساحات والمعالجة التشكيليّة. في هذه النقطة تحديدًا، يبدو الفن التشكيليّ أكثر قدرة من الصورة المباشرة على التعبير عن الأثر النفسيّ العميق للحرب، فهو لا يكتفي بنقل الحدث، إنّما ينقل ارتجاج الإنسان داخله.

ويصف حسين الرسم اليوم بأنه فعل “لا إراديّ وعلاجيّ”، في إشارة إلى تحوّل الفنّ إلى وسيلة نجاة نفسيّة. فاللوحة تتجاوز مساحة الإبداع أو الإنجاز، إلى ضرورة داخليّة تمنع الانهيار. ومع ذلك، يرفض أن تحدّ الحرب تجربته الفنّيّة أو تختصرها، مؤكّدًا أنّه يريد الاستفادة إيجابًا من هذه التجربة القاسية. هنا يبرز التوتر الدائم بين الفنّان والحرب، من جهة تفرض الحرب حضورها العنيف على الوعي، ومن جهة أخرى يحاول الفنّان ألّا يسمح لها بأن تتحوّل إلى قيد دائم على حرّيّته التعبيريّة.

الفنان الدكتور حسين حسين
رسم “ما بعد الحرب”

أّما الفنّانة بانة الأمين فتقدم مقاربة مختلفة نسبيًّا، تقوم على فكرة التأقلم مع المكان واللحظة. تقول لـ”مناطق نت” إنّها ترسم مباشرة في أماكن مختلفة كي “تتأقلم مع الجو”، معتبرة النزوح “اختبارًا جديدًا”، لكنّه الأصعب نفسيًّا. وعلى رغم شعورها بالضعف أحيانًا، ترى في التجربة إمكانيّة للتحوّل والنموّ.

اللافت في شهادة الأمين أنّها ترفض تجسيد الحرب مباشرة، مؤثرة رسم “ما بعد الحرب”، أيّ الأمل والدروس والقوّة الناتجة عن الألم. وهذا يكشف توجّهًا لدى بعض الفنّانين نحو مقاومة العنف بصريًّا عبر استحضار الحياة بدل إعادة إنتاج مشاهد الخراب.

الفنانة بانة الأمين
وسيلة للنجاة النفسيّة والتماسك

وفي السياق نفسه، تقول الفنّانة حلا رستم لـ”مناطق نت” إنّ النزوح لم يقف عند حدّ سلبها المكان إنّما “نسخة كاملة من نفسها”. تصف لحظة الخروج من البيت والمرسم بوصفها انهيارًا مفاجئًا للحياة اليوميّة بكلّ تفاصيلها الصغيرة. وقد انعكس ذلك تلقائيًّا على أعمالها، فالفراغات داخل اللوحات أصبحت أوسع، والوجوه أكثر تعبًا وانتظارًا، والألوان تراوح بين الهدوء والاختناق.

تؤكّد رستم أنّ الحرب لا تدخل اللوحة فقط عبر المشهد المباشر، بل كذلك عبر المشاعر العالقة داخل الفنّان. والأهم أنّها أعادت تعريف الفنّ بالنسبة إليها، فبعدما كان مساحة للإبداع، صار أيضًا وسيلة “للنجاة النفسيّة ومحاولة للتماسك”. ولهذا اختارت أن ترسم عبّاد الشمس أوّل مرة أتيحت لها فرصة الرسم في الهواء الطلق، بوصفه رمزًا للأمل والميل نحو الضوء على رغم كلّ الرماد المحيط.

الفنانة حلا رستم

هشاشة التعلّق بالأشياء

في المقابل، يتعامل الفنّان محّمد العبدالله مع النزوح من زاوية مختلفة، نابعة من اعتياده على الحروب منذ الحرب الأهليّة اللبنانيّة. يقول لـ”مناطق نت” إنّ النزوح لم يتسلّل مباشرة إلى مواضيع لوحاته، لكنّه أثّر على الحماس اللونيّ وعلى علاقته بالأشياء المادّيّة، إذ أدّت التجربة إلى نوع من التخفّف القاسي من الممتلكات والارتباطات، حتّى بدأ يتساءل عن جدوى جمع الكتب واللوحات.

تبدو شهادة العبدالله أقرب إلى تأمّل فلسفيّ في هشاشة التعلّق بالأشياء، وفي قدرة الحرب على تجريد الإنسان تدريجًا من شعوره بالثبات والانتماء.

أمّا الدكتور درويش الشمعة، فتبدو شهادته من أكثر الشهادات كثافة من الناحية الشعوريّة. فهو يربط المكان بالهويّة بشكل كامل، مؤكّدًا أنّ خسارة المرسم تعني خسارة جزء من الذات، لأنّ هذا المكان يحمل الطفولة والذكريات وأيّام الإبداع الأولى.

يشرح لـ”مناطق نت” كيف انعكس النزوح على أسلوبه الفنّيّ عبر “الخطوط الحادّة والألوان الصارخة”، من دون اللجوء إلى التعبير المباشر عن الحرب. بالنسبة إليه، الطبيعة هي مرآته النفسيّة، حين يكون سعيدًا يرسمها بفرح، وحين يشعر بالخوف والقلق تصبح زواياها حادّة وألوانها متوتّرة. هكذا تتحوّل الطبيعة إلى مرآة داخليّة تعكس الانفعال النفسيّ لا المشهد الخارجيّ.

الفنان درويش الشمعة

إعادة تشكيل الوعي الفنّيّ والإنسانيّ

ومن أكثر المقاطع إيلامًا في شهادته حديثه عن اضطراره إلى إخلاء لوحاته من المرسم خوفًا من فقدانها. يقول إنّه لم يتخيّل يومًا أن يحمل لوحاته هاربًا بها من الحرب، فيما كان يفترض أن تبقى في مكانها الطبيعيّ “لولد الولد”، أو أن تنتقل يومًا إلى متحف يقدّر قيمتها.

هنا تتجلّى مأساة الفنّان النازح بأوضح صورها ليس بالخوف على الحياة، لكن أيضًا بالخوف على الذاكرة الفنّيّة نفسها، وعلى الأثر الذي يُفترض أن يبقى شاهدًا على الزمن.

تكشف هذه الشهادات مجتمعة أنّ الحرب الأخيرة في لبنان لم تغيّر فقط الظروف الحياتيّة للفنّانين التشكيليّين، لكنّها أعادت أيضًا تشكيل وعيهم الفنّيّ والإنسانيّ. لقد دخل النزوح إلى اللوحة عبر الألوان والخطوط والفراغات والرموز، ودخل أيضًا عبر الوظيفة الجديدة للفنّ بوصفه علاجًا وحفظًا للذاكرة ومقاومة للنسيان. وبينما فقد الفنّانون بيوتهم ومراسمهم وأمانهم، اكتسبت أعمالهم صدقًا أكبر ومحمولًا إنسانيًّا أعمق. فاللوحة، في زمن الحرب، لم تعد مجرّد مساحة جماليّة، بل أصبحت محاولة دائمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذات والمكان والذاكرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى