الاتصالات شريان حياة يترنّح في الجنوب والضاحية والبقاع

“قبل أيّام، ذهبت إلى منزلي في بئر العبد لتفقّده وإحضار بعض الأغراض، وبعد ساعات، فتحت هاتفي كي أتواصل مع صهري الذي كان ينتظر أن أحادثه ليأتي ويقلّني، لكنّني لم أجد لا إرسال ولا إنترنت”. هذا ما قالته مريم سرحان لـ”مناطق نت”، وتابعت تفاصيل ما حدث معها: “نزلت إلى أوّل الشارع، وبعد محاولات عدّة استطعت التقاط إشارة ضعيفة، لأتفاجأ بسيل من الاتّصالات من ابنتي التي أقلقها عدم ردّي على اتّصالاتها، بينما زوجها كان في طريقه إليّ خوفًا من مكروه يمكن أن يكون قد وقع لي”.

اليوم، وفي ظلّ القلق اليوميّ الذي نعيشه، اتّصال واحد قد يطمئن أمًّا على ابنها، أو يتيح لعائلة معرفة طريق آمن، أو يمكّن مسعفًا من الوصول إلى مصاب. إذ يعيش اللبنانيّون على وقع حرب وهدنات هشّة، إذ يصبح الحفاظ على شبكة الاتّصالات جزءًا أساسًا من مقوّمات محاولات الصمود اليوميّ.

في نيسان الماضي، انقطعت خدمة الإنترنت بشكل كامل عن منطقة صور وضواحيها، الواقعة جنوبي نهر الليطاني، إثر استهداف اسرائيليّ أدى إلى عزل رقميّ كامل للمنطقة. واليوم مع عودة بعض الأهالي إلى عدد من المناطق المتضرّرة في الضاحية لتفقّد منازلهم أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو من بقَوا في بعض قرى الجنوب، تظهر مشكلة انقطاع الشبكات كأحد أبرز التحدّيات التي تواجه السكّان. فتجربة مريم ليست حالة فرديّة، بل تعكس واقعًا يعيشه كثير من الناس، في ظلّ هشاشة البنية التحتيّة للاتصالات والأضرار التي لحقت بها خلال الحرب.

شركة ألفا: تمّ “إعادة 89 في المئة من المحطّات في الجنوب والضاحية والبقاع الغربيّ إلى الخدمة، فيما لا تزال 11 في المئة من المحطّات تقع ضمن مناطق غير آمنة.
المحطات في مناطق غير آمنة

من ناحيتها أفادت مصادر في شركة ألفا لـ”مناطق نت” بأنّها عملت على “تنفيذ خطّة طوارئ ميدانيّة شاملة لإعادة الخدمات ومعالجة الأعطال”. وأشارت إلى أنّه تمّ “إعادة 89 في المئة من المحطّات في الجنوب والضاحية والبقاع الغربيّ إلى الخدمة، فيما لا تزال 11 في المئة من المحطّات تقع ضمن مناطق غير آمنة، ما يعيق العمل فيها إلى حين توافر الظروف المناسبة”.

في ما يتعلق بالتحدّيات التقنيّة واللوجستيّة، أوضح مصدر في وزارة الاتّصالات اللبنانيّة لـ”مناطق نت” أنّ أبرزها يتمثّل في صعوبة الوصول إلى بعض المواقع المتضرّرة جرّاء العدوان الإسرائيليّ، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بمحطّات الإرسال وشبكات الألياف الضوئيّة. كذلك لفت المصدر إلى أنّ الضغط المتزايد على الشبكات في مناطق النزوح يشكّل تحدّيًا إضافيًّا.

وأكّد المصدر أنّ القصف الإسرائيليّ ألحق أضرارًا بعدد من محطّات الإرسال وخطوط الألياف الضوئيّة في بعض المناطق الحدوديّة والضاحية الجنوبيّة والبقاع، موضحًا أنّ أعمال الصيانة تتمّ تباعًا في المناطق التي يمكن الوصول إليها.

الاتّصال حقّ أساس بالأزمات

في الظروف الطبيعيّة، تُعدّ خدمات الاتّصالات خدمة يوميّة أساسيّة، لكن في أوقات النزاعات تتحوّل إلى ضرورة إنسانيّة وأمنيّة لا غنى عنها. فالقدرة على إجراء اتّصال أو استخدام الإنترنت ترتبط مباشرة بإمكانيّة طلب المساعدة، ومتابعة الأخبار، والتواصل مع فرق الطوارئ، أو حتّى الإطمئنان إلى سلامة أفراد العائلة.

كذلك تؤدّي شبكات الاتّصال دورًا حيويًّا في عمل الطواقم الطبّيّة والدفاع المدنيّ والصحافيّين، إذ يعتمدون عليها لتنسيق عمليّات الإنقاذ، وتحديد المواقع المستهدفة، ونقل المعلومات والصور من الميدان. كذلك، يعتمد عليها الناس لتنظيم تنقّلاتهم وتأمين احتياجاتهم اليوميّة. لذلك، فإنّ أيّ انقطاع طويل في خدمات الاتّصالات لا ينعكس فقط على جودة الخدمة، بل ربّما يفاقم شعور الناس بالخطر والعزلة، ويحدّ من قدرتهم على الوصول إلى المعلومة.

شركة تاتش : 10 محطّات تعرّضت لأضرار متفاوتة خلال الحرب، من بينها خمس محطّات دُمّرت بالكامل.

محطّات مدمّرة وقرى خارج التغطية

من جهتها، أوضحت مصادر شركة تاتش لـ”مناطق نت”، أنّ 10 محطّات تعرّضت لأضرار متفاوتة خلال الحرب، من بينها خمس محطّات دُمّرت بالكامل، ولم تتمكّن الشركة حتّى الآن من إصلاحها لأسباب أمنيّة أيضًا. في المقابل، أُعيد تشغيل المحطّات الخمس الأخرى منذ الإعلان عن الهدنة.

وكشفت المصادر أنّ عدد المحطّات التي خرجت من الخدمة خلال الحرب بلغ 118 محطّة، بينها 17 محطّة متوقّفة منذ حرب العام 2024، منها 16 محطّة متضرّرة بالكامل ومحطّة واحدة يتعذّر الوصول إليها.

وأضافت أنّه منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، أعادت الفرق الفنّيّة تشغيل 87 محطّة من أصل 101 محطّة متضرّرة، فيما لا تزال 14 محطّة خارج الخدمة، بينها خمس محطّات مدمّرة بالكامل وتسع محطّات يتعذّر الوصول إليها لأسباب أمنيّة.

وأوضحت أنّها عملت على توسيع شبكتها في صيدا وصور والنبطيّة. كذلك نفّذت ترقيات على مستوى الشبكة الأساسيّة والإرسال والراديو في المناطق الآمنة، بهدف استيعاب الزيادة في حركة البيانات، والتي ارتفعت بنسبة 30 في المئة مقارنة بالمعدّل اليوميّ للعام 2025.

القرى الحدودية خارج الخدمة

وفي الوقت عينه، لا تزال الشركة غير قادرة على إعادة الخدمة في القرى الحدوديّة الواقعة ضمن نطاق خمسة إلى 10 كيلومترات من الحدود.

اليوم، ينقسم التحدّي بين الضغط المتزايد على الشبكات في المناطق التي تستضيف نازحين، بخاصّة في ظلّ الاعتماد المتزايد على التعليم والعمل عن بُعد، وبين تأمين استمراريّة الخدمة في المناطق المعرّضة للخطر. ومع اتّساع رقعة التحذيرات والإنذارات يومًا بعد يوم لتشمل قرى وبلدات جديدة، تتحوّل مسألة الاتّصالات إلى أولويّة. فكيف يمكن للناس متابعة التحذيرات إذا كانوا معزولين عن العالم بسبب عدم توافر الشبكة؟

في لحظات الخطر، ربّما لا يكون توافر الإرسال مجرّد تفصيل تقنيّ، بل الفارق بين تلقّي التحذير في الوقت المناسب أو فوات الأوان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى