لم تنتهِ الحرب وأزمة أقساطٍ مدرسيّةٍ تدقّ أبواب البقاعيّين

لم تنتهِ الحرب على لبنان، جنوباً وبقاعاً وعودة إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة منذ يومين، لكنّ أبناء البقاع يجترحون الحياة من الصبر والصمود، ويحاولون كفكفة جراحهم وآلامهم وقلقهم، تدريجًا وبوتيرةٍ بطيئةٍ، على رغم بقاء أجواء الحذر والترقّب سائدة في أوساط سكّان المنطقة.
وعادت المدارس لتفتح أبوابها من جديدٍ مستأنفةً نشاطاتها التعليميّة بعد غيابٍ قسريّ استمرّ نحو شهرين، مترافقًا مع بروز أزمةٍ ماليّةٍ شديدةٍ لناحية تأمين ما تبقّى من أقساطٍ ماليّةٍ بقيت معلّقة على كاهل أولياء الطلاب.
أقساطٌ غير متوافرة
بسبب نتائج الحرب الكارثيّة على البقاع، وإلى جانب الخسائر في الأرواح والممتلكات، تلوح أزمة إضافيّة في أفق العام الدراسيّ وكيفيّة تأمين ما تبقّى من أقساطٍ مدرسيّةٍ، ما زالت بذمّة ذوي الطلّاب في ظلّ توقّف طويل عن العمل ما انعكس إمّا خسارةً له أو صعوبةً في استعادته على نحو ما كان عليه قبل الحرب، من وفرة في الإنتاجيّة وسهولة في البيع وإقبالٍ كثيفٍ من قبَل الناس عليه.
ولمّا كان ذوو الطلبة وبغالبيّتهم يعتمدون في معايشهم على الأعمال الحرّة كالزراعة والتجارة والمصالح ذات المردود اليوميّ، فإنّ توقّفهم عن أعمالهم طَوال مدّة الحرب وغيابهم عن متابعة مصالحهم وعودتهم إليها أدّى إلى تراجعٍ ملحوظٍ في حركة الإنتاج وعلاقاتهم مع التجّار والزبائن، ما انعكس تراجعًا في أوضاعهم الماليّة لا سيّما وأنّ مدّخراتهم قبل الحرب استُخدِمت وصُرِفت في إبّان النزوح وتوقّف الحياة الاقتصادية بالكامل في المنطقة، ما أوقعهم في عجزٍ حقيقيّ عن تسديد بقيّة أقساط أبنائهم المدرسيّة.
وللوقوف على أحوال أولياء الطلاّب وواقعهم المادّي حيال مستحقّاتهم الماليّة المدرسيّة جالت “مناطق نت” في منطقة البقاع وسجّلت الشهادات الآتية:
صرفنا رأس المال كلّه
يقول أحمد حميّة من بلدة طاريّا إنّه كان يجمع قسط أولاده الأربعة عن شهرين مستحقّيْن من عمله في تجارة الحبوب، فجاءت الحرب “فجأةً حيث هربنا من منزلنا واستأجرنا منزلًا في منطقة النزوح.” يضيف لِـ”مناطق نت”: “كنّا نصرف من جيوبنا لشراء حاجاتنا اليوميّة إذ كانت المتطلبّات كثيرةً والأسرة كبيرة. وفي شهريْن صَرَفنا ما كنّا قد وفّرناه للمدرسة وأكثر من ذلك، ما أوقعنا تحت وطأة ديونٍ إضافيّةٍ.”
ويشير حميّة إلى أنّ أقساط أولاده الأربعة لهذه السّنة الدراسيّة تبلغ 6000 دولارٍ أمريكيّ. إضافةً إلى مستلزمات أخرى تتجاوز الـ 1000 دولارٍ. “وبحساب بسيط عليَّ دفع 800 دولارٍ شهريًّا للمدرسة. وما تبقّى عليَّ هو النصف، أي 3000 دولارٍ لا يوجد منها دولار واحد حتّى الآن.”
حميّة الذي خَرَّبت الحرب بيته، كما يقول، لا يزال منذ بداية الحرب الأخيرة، قبل نحو شهريْن، قاعدًا في بيته من دون عمل لأنّ التوقّف عن الشراء والبيع مدّةً طويلةً انعكس سلبًا على زبائنه والمتعاملين معه. إلى جانب أنّ “رأس مال العمل صرفناه مع قسط المدرسة فأضحينا على الأرض.”
ويختم بمناشدة إدارة المدرسة “الصبر عليَّ وإبقاء أولادي في صفوفهم. وأنا سأبذل كامل جهدي لتسديد الأقساط كاملةً.”
أقساط المدارس الخاصّة في أوقات السّلم لا تطاق فكيف في أوقات الحرب؟
الحرب أعادتنا إلى الصفر
من جهته يؤكّد محمّد يزبك من بلدة حوش الرافقة أنّه وقع بعجزٍ ماليّ كبيرٍ جرّاء الحرب وأنّه لن يستطيع تسديد كامل أقساط أولاده الثلاثة “حتّى وإن أعطوني مهلة أشهرٍ طويلة. فكلّ ما كان لديّ من مالٍ ضرفناه في أثناء النزوح وكلفته الباهظة مادّيًّا وعمليًّا.”
ويشير لـ”مناطق نت” إلى أنّه يعمل في الزراعة وأوضاعه المعيشيّة والماليّة من هذا القطاع كانت جيّدة. “نعيش مستورين ولا ينقصنا شيء. حتّى أقساط أولادي المدرسيّة كانت مؤمّنه قبل موعدها. إلى أن جاءت الحرب فقضت على كلّ ما كان معنا وما يمكن أن نجنيه من زراعتنا.”
كان يزبك يراهن على الموسم الزراعي، لكنه وبنتيجة الحرب تلف في أرضه “تركنا أرضنا لشهرين متتالييْن ونحن في عزّ زراعة الموسم الشتويّ. فلا زراعة كانت ولا موسم حلّ. وبالتالي ثمّة خسائر حتميّة أعادتنا إلى الصفر أو ما دون الصفر.” ويتحدث إلى مخاوفَ كبيرةٍ لديه “من أن تطرد المدرسة أولادي ونحن على مشارف نهاية العام الدراسيّ. وربّما يحرمونهم من المشاركة في الامتحانات النهائيّة. فأولادي في مدرسة إسلاميّة متشدّدة جدًّا في الموضوع الماليّ، ولا تساير أحدًا أو تقدّر الظروف الخاصّة.”
لم يبقَ سوى بيتي
أمّا المواطن حسن حيدر من بلدة بدنايل فيشير إلى أنّه يعيش أزمةً جديدةً تضاف إلى أزمة الحرب والتهجير، تتمثّل في وقوعه بعجزٍ كبيرٍ يمنعه من تسديد أقساط مدرسة أبنائه الثلاثة “إذ لم يعد عندي سوى بيتي كأملاكٍ ورأس مال”. ويقول لِـ “مناطق نت” إنّه كانت أقساط المدرسة مكسورة عليه، قبل الحرب، بقسطيْن “وكنت على وشك تسديدهما من عملي في التجارة من خلال مبلغٍ وفّرته لذلك. لكن كلّ شيءٍ تغيّر نحو الأسوأ في أثناء الحرب وبعدها.”
ويلفت حيدر إلى أنّ “أقساط المدارس الخاصّة في أوقات السّلم لا تطاق فكيف في أوقات الحرب؟ لقد كنّا نقطع الطعام عن أفواهنا لنؤمّن تعليم أولادنا. واليوم بالكاد نؤمّن لقمة عيشنا. والحال هذه تهدّد مستقبل أولادي التعليميّ لهذه السّنة، فالمدارس الخاصّة لا ترحم حتّى في الظروف الصعبة.”
ويضيف “إنّني محتار في أمري حول كيفيّة تأمين أقساط المدرسة، لأنّ العمل بعد الحرب تراجع كثيرًا. والحركة بطيئة. والناس لا يزالون يعيشون حال الخوف والترقّب. ومعيشتي معتمدة على عملي اليوميّ. والأعباء طائلة”.
ويناشد حيدر أخيرًا، “وزارة التربية الإيعاز إلى المدارس الخاصّة لمعالجة الأقساط المتبقّية بذمّة أهالي الطلّاب بما يتلائم مع الظروف الماليّة السيّئة التي يعاني منها جميع اللبنانيين تقريبًا، ومراعاة أوضاع الناس الخارجة عن إرادتهم”.



