الضاحية الجنوبية تجارة معطلة وعودة خجولة

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في الـ16 من نيسان (أبريل) المنصرم، إلّا أنّ الحياة لم تعد كما كانت إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة، وتحديدًا الحركة التجاريّة، إذ يواجه التجّار فيها ظروفًا استثنائيّة بالغة القسوة نتيجة الحرب الأخيرة، بعد أن تحوّلت المنطقة، التي تُعدّ من أهم المراكز التجاريّة والحيويّة في لبنان، إلى ساحة دمار واسع بفعل الغارات العنيفة التي طالت الأحياء السكنيّة والأسواق والمحال التجاريّة.

هذا الواقع لم يقتصر تأثيره على الخسائر المادّيّة المباشرة، كتهدّم المؤسّسات وتلف البضائع بل امتدّ ليصيب الشلل الدورة الاقتصاديّة برمّتها، إذ إنّ الحركة التجاريّة ما زالت شبه متوقّفة في ظلّ عودة خجولة للسكّان وغياب الزبائن نتيجة استمرار النزوح.

معاناة هؤلاء التجّار ليست جديدة، فهي تعود إلى تداعيات حرب العام 2024 التي خلّفت آثارًا اقتصاديّة ثقيلة، لم تتمكّن الأسواق من تجاوزها حتّى الآن. فمنذ ذلك الوقت، عاش القطاع التجاريّ في الضاحية حالًا من الركود، في ظلّ تراجع القدرة الشرائيّة للمواطنين ممّن كانوا يؤثرون الادّخار خوفًا من تجدّد الحرب، وتقنين مشترياتهم لتقتصر على حاجيات أساسية فقط.

أسواق الضاحية وانعكاساتها

يُشير نقيب أصحاب المحلّات والمؤسّسات التجاريّة في الضاحية الجنوبيّة سليم ضيا، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “التجّار في الضاحية هم أكثر الفئات تضرّرًا جرّاء الحرب، وهذا الضرر يتوسّع ليطال تأثيره مجمل التجارة في لبنان”، مضيفًا أنّ “مؤشّر ميزان التجارة في البلاد هي الضاحية الجنوبيّة إذ إنّها تضمّ كثافة سكّانيّة مرتفعة وسوقًا استهلاكيّة كبيرة. كذلك فإنّ لبنان بلد صغير وما يتأثّر به تجّار الضاحية ينعكس بدون شك على بقيّة المناطق”.

يشرح ضيا توزع الأسواق التجاريّة في الضاحية الجنوبيّة، موضحًا أنّها “تضمّ نحو أربع أسواق أساسيّة، أبرزها سوق معوّض التي تعتبر الشريان الاقتصاديّ وتتخصّص في الألبسة والأحذية، وهناك سوق برج البراجنة التي تتركّز فيها تجارة الموادّ الغذائيّة وتضمّ عددًا من معامل الأحذية والألبسة بسبب تدنّي قيمة الإيجارات المرتبطة بالمحال التجاريّة من ناحية، وتواجد اليد العاملة السوريّة التي عادةً ما تستقرّ في تلك المنطقة بسبب انخفاض كلفة السكن من ناحية أخرى”. ويلفت إلى أنّ “هناك أيضًا سوق حارة حريك المتخصّصة بالألبسة الشرعيّة الإسلاميّة، وسوق بئر العبد المتخصّصة بزينة المناسبات الدينيّة”.

نقيب أصحاب المحلّات والمؤسّسات التجاريّة في الضاحية الجنوبيّة: نحو 3000 مؤسّسة دُمرّت بالكامل أو باتت غير صالحة للاستخدام.

أضرار مباشرة وغير مباشرة

عن عدد المؤسّسات التجاريّة يقول ضيا إنّ “الضاحية الجنوبيّة تضمّ نحو 15900 مؤسّسة تجاريّة صغيرة ومتوسّطة وكبيرة وتشمل مصالح مختلفة”. ويلفت إلى أنّ الأضرار تنقسم إلى قسمين، الأوّل مباشر طال نحو 3000 مؤسّسة دُمرّت بالكامل أو باتت غير صالحة للاستخدام، فيما الأضرار غير المباشرة طالت جميع المؤسّسات التجاريّة التي اضطرّت إلى إقفال أبوابها في الحرب، وما زالت تُعاني جرّاء الوضع غير المستقرّ، وما يزيد من صعوبة الموقف هو تصميم بعض أصحاب المتاجر على استيفاء بدلات الايجارات من التجّار على رغم كلّ ما يحصل”، مشيرًا إلى أنّ “الاستهداف طال جميع أسواق الضاحية من دون استثناء”.

وفي ما يتعلّق بالتعويضات، يُشير ضيا إلى أنّه “بعد انتهاء حرب الـ2024 لم يتمّ تقديم أيّ تعويض على التجّار من أيّ طرف، باستثناء التعويضات المتعلّقة بالأضرار المادّيّة البسيطة مثل واجهة زجاج أو ديكور تكفّل بها ‘حزب الله‘. أمّا التعويضات المتعلّقة بقيمة المصلحة التجاريّة والأصول فقد وعدنا بأنّ مجلس الإنماء والإعمار سيقوم بالتعويض عليها، من دون أيّ نتيجة إلى حين اندلاع الحرب الأخيرة 2026”.

عودة خجولة للتجار

ويوضح ضيا أنّ “معظم التجّار كانوا يراهنون على شهر رمضان المنصرم، ففي بدايته يقوم المواطنون بشراء المواد الغذائيّة، وفي منتصفه وصولًا إلى نهايته إذ تنشط تجارة الألبسة والأحذية تحضيرًا للعيد، إلّا أنّ الحرب التي بدأت خلال الشهر الفضيل جاءت لتقضي على آمال التجّار”.  وحول الوضع القائم حاليًّا، يؤكّد ضيا أنّ “بعض التجّار قرّروا إعادة فتح متاجرهم في الضاحية، على الرغم من عدم وجود حركة اقتصاديّة فعليّة، في ظلّ غياب الاستقرار”. ويلفت إلى أنّ كلّ ذلك “دفع بالتجّار إلى الاستعانة بمدخّراتهم، وأنّ بعضهم يضطرّ إلى استخدام رأس المال لتلبية متطلّباته ومصاريفه اليوميّة”.

ويقول ضيا، الذي يملك معمل خياطة ومحلّ ألبسة، إنّ “نحو 20 في المئة من التجّار قرّروا خلال حرب العام 2024 نقل تجارتهم إلى أماكن خارج الضاحية الجنوبيّة مع الحفاظ على محالهم الأساسيّة”. من بين هؤلاء كان ضيا الذي قرّر فتح متجر في برج حمّود، ومع انتهاء الحرب أغلقه وعاد إلى الضاحية، لكن ومع اندلاع الحرب الأخيرة عاد ليستأجر المحل عينه في برج حمود إلّا أنّ إيجاره تضاعف بشكل مبالغ فيه.

التاجر يوسف وحيد، صاحب متجر ألبسة في سوق معوّض : نسبة المحال التي تفتح أبوابها في السوق لا تتجاوز الـ20 في المئة.

ركود بين حربين

هكذا، فإنّ الحركة التجاريّة لم تشهد حتّى خلال المدّة الفاصلة بين حربَي 2024 و2026 تعافيًا حقيقيًّا، بل ظلّت محدودة بسبب عدم استقرار الحال الأمنيّة، ما جعل التجّار يدخلون الحرب الجديدة وهم أصلًا في وضع اقتصاديّ منهك، يفتقر إلى القدرة على الصمود أمام موجة جديدة من الخسائر والدمار.

من جانبه، يرى التاجر يوسف وحيد، صاحب متجر ألبسة للرجال في سوق معوّض، في حديث إلى “مناطق نت”، أنّ “المشكلة الأساس تكمن في غياب الدولة التي لا تشجّع التجارة والصناعة ولا حتّى الزراعة، وهي غائبة عن هذه القطاعات على رغم أنّها شريان البلد، فبعد حرب العام 2024 طالبنا خلال اجتماعاتنا مع جمعيّة تجّار بيروت بعدد من الإعفاءات وتحديدًا الضريبيّة والماليّة أو تخفيض الجُمرك إلّا أنّ هذا الطرح لم يلقَ أيّ تجاوب”.

غياب الاستقرار ينعكس على التجار

يُشير وحيد إلى أنّ “الفترة بين حربيّ الـ 2024 والـ 2026 لم تشهد تحسّنًا في الحركة التجاريّة بالضاحية الجنوبيّة، فالوضع الأمنيّ لم يكن مستقرًّا وكان المواطنون يحرصون على شراء الاحتياجات الضروريّة فقط والحفاظ على المدخّرات لمواجهة هذه الظروف”.

ويلفت إلى أنّه “قبل وقف إطلاق النار، دخلنا إلى سوق معوّض، وقمنا بتنظيف السوق وإعادة تشغيل الكهرباء والمولّدات الكهربائيّة، وعند وقف إطلاق النار كان أوّل شارع جاهزًا لاستقبال المواطنين”، مضيفًا “عند إعلان وقف إطلاق النار كان كثير من التجّار متحمّسين للعودة وفتح محالهم، ولكن بعد دعوة ‘حزب الله‘ و‘حركة أمل‘ إلى التريث في العودة تراجعت تلك الاندفاعة. واليوم، فإنّ نسبة المحال التي تفتح أبوابها في السوق فهي لا تتجاوز الـ20 في المئة، كذلك فإنّ عدد الوحدات السكّانيّة التي لم يعد قاطنوها إليها ما زالت كثيرة”.

يصلح محله في الضاحية الجنوبية بعد الحرب الأخيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى