منزلي أضحى خبرًا عسكريًّا ورأيت عدويّ يتجوّل في أرجائه

صُدمنا ونحن نجلس كعائلة في غرفة نزوحنا، نتابع الأخبار كعادتنا، ونعدّ الأيام انتظارًا للعودة، حين ظهرت الحارة وبيوتها، ومنها دارنا، في مقطع مصوّر معنون بـ “مشاهد من كاميرا مثبتة على جسم مقاتل أثناء العثور على وسائل قتالية داخل منزل مدني في جنوب لبنان”. هكذا، في لحظة، صار بيتي خبرًا عسكريًا عابرًا. قبل ذلك، كانت قوة من كتيبة “نحال” قد وقعت في كمين على أطراف بيت ليف أدّى لانسحابها.

بعدها وبتاريخ السابع عشر من نيسان/أبريل 2026، حصلنا على خريطة جوية للبلدة، تُظهر دمارًا واسعًا فيها. حارات بأكملها مهدّمة، حارتنا تعرضت للتفخيخ والتفجير، وبيتي من بين تلك البيوت، وهو أدّى إلى احتراق كرم الزيتون والتين.

كنّا نعرف أن توغّل العدو إلى أطراف البلدة يعني حتمًا دخول البيوت والكروم وتخريبها، لكننا لم نكن نعرف أن يصل الأمر إلى أن يدخل البيت، ويصوّره من الداخل، ثم يقدّمه للعالم بوصفه مسرحًا لروايته، يفخخه، ينسحب، ثم يفجّر.

وفي الأسبوع الفائت، نشر الجيش الإسرائيلي صورًا لمقاتليه في الحارة، تبيّن أنها التُقطت قبيل تدميرها، وادّعى فيها مواجهات مع المقاومين والعثور على وسائل قتالية داخل بيوت مدنية. لم يكتفِ بدخول المكان وتخريبه، بل حاول إعادة تعريفه أمام العالم، الذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، من يمسّه المشهد في عمق وجدانه، ومن يصدّقه، ومن يشاهده بصمت.

هكذا تخيّلت سيناريو دخولهم

الغصّة التي شعرنا بها في حناجرنا لم تكن من أجل أشياء مادية، بل لأن المنزل الذي حلمتُ بالعودة إليه كل ليلة، استيقظتُ لأجد المحتلّ يتجوّل في أرجائه ويحوّله إلى ساحة قتال. غرفنا التي كنّا نطرق أبوابها قبل الدخول ونستأذن بعضنا، خُلعت أقفالها.

أراه يفتّش البيت كله. وجد حقيبة قديمة كنّا ننوي التخلّص منها، فجمع فيها هواتف قديمة، وآيباد، ولابتوب، وبعض الأسلاك والوصلات، وجواز سفر قديم. دخل غرفة نومنا، فتح الخزانة، أخرج بدلة الدفاع المدني الخاصة بأختي، وبدلة كشافة الرسالة الإسلامية، وفتح الأدراج، وأخذ ملفات تضم شهاداتنا وأوراقًا خاصة.

رفع الفُرُش، ورمى ثيابنا وأغراضنا على الأرض. دخل غرفة أخي، نبش الخزانة، وأخرج ما يصلح لصنع روايته: بدلة الصيد، جعبة الخرطوش، وبندقيتَي صيد. دخل غرفة أبي وأمي، قلب فرشة السرير وغطّى بها النافذة، ووضع الحقيبة وما جمعه فيها، ورتّب البدلات وأسلحة الصيد. ثم أخرج المشهد الذي يريده، والذي يناسب روايته ويدعم كذبته.

وضع هذه الصورة ضمن مقطع مصوّر لعدة بيوت في الحارة، وصوّر مواجهات وهمية، وادّعى وجود وسائل قتالية في بيوت مدنية. ثم خرج من الحارة، فجّر بعض بيوتها وأغار بالصواريخ على بعضها الآخر، وانتهى المشهد بالنسبة إليه.

أما بالنسبة إلينا، فهنا بدأ المشهد. الصدمة أولًا، ثم الإنكار بحثًا عن خطأ ما، ثم التقبّل والحزن، ثم اليقين بأن ذلك لن يزيدنا إلا رغبةً في العودة. واتفقنا جميعًا على أن أقصى ما يمكن أن يحدث هو أن ننصب خيمة تحت الزيتونة الباقية، وننام فيها.

بيتي أنا بيتك، وما إلي حدا

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعلّمت أن أترك بيتي على دفعات. تركته عشرة أشهر خلال حرب الإسناد، ثم شهرين في معركة “أولي البأس”. وعندما انتهت، حذّرنا العدو الإسرائيلي من العودة قبل انقضاء شهرَي الهدنة. ثم تركته فجر الثاني من آذار/مارس 2026، بعد إعلان المقاومة دخولها الحرب.

ورغم ثقل النزوح وترك القرية والعمل، كانت معرفتي بأن البيت ما زال واقفًا في مكانه تمنحني القدرة على انتظار عودة قريبة. بالنسبة إلى أي شخص آخر، بيتي ككل البيوت. أمّا بالنسبة إليّ، فليست كل البيوت سواء. لكل بيت قصته، ورائحته، وصوته، ورمزيته، وأشياؤه، وجيرانه.

ليس كومة حجارة كما يراه العدو، ولا كما يراه من يقف خارج المشهد. البيت هو نحن، وتعب سنين، ومراحل مختلفة من حياتنا تجمّعت في أركانه. البيت هو قهوة أمي على الشرفة بين الورود والحبق. غنّيت له كثيرًا: “بيتي أنا بيتك، وما إلنا حدا”، وصلّيت لدوام هذه النعمة.

أقتبس من الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار قوله: “البيت هو ركننا في العالم.” لأصف المشهد من الداخل، لا كما يبدو من الخارج، ولأشرح أثره النفسي علينا كعائلة تملك هذا البيت وما يحيط به. ما يراه الجميع مجرد بيت يُستباح ويُقصف، يعني جدرانًا وبلاطًا وأشياء مادية. لكن الحقيقة أنه يستبيح حدود نفسي، وحرمة داري، ويتعدّى على مساحتي الخاصة وممتلكاتي، ويسلبني اياها.

تطأ قدماه أرضًا لا يعرف عنها شيئًا. إسرائيل لا تعرف أن الحاكورة التي مرّ بها قبل اقتحام الغرف، كانت أمي تتبع خطواتنا فيها كي لا ندوس على شتلات النعناع، والزعتر، والمردقوش، والبصل، والجرجير.

مفاوضة العدو في منازلنا

أدركتُ أن النزوح يظلّ بثقله المعتاد إلى أن نخسر البيت. عندها يتحوّل إلى وحشٍ جالس على الأكتاف، يتّخذ من صدورنا مرتعًا. تصبح كل خطوة نحو القرية صعبة، وكل خطوة بعيدة عنها أصعب.

وفي ظلّ ما نمرّ به نحن الجنوبيون من فقدان أرواح، وبيوت، وأرزاق، وفيما يوثّق العدو مجازره وانتهاكاته، تمضي الدولة اللبنانية في مسار التفاوض معه. لكن أيّ معنى للتفاوض فيما ما زالت قُرانا تُهدم والغارات تنهال علينا؟ أيّ معنى للسلام، وأشلاؤنا ما زالت مفقودة؟ كيف سنفاوض من يفخّخ في هذه الأثناء بيوتًا لتفجيرها بعد انسحابه؟ كيف يُناقَش الأمن على الطاولات، فيما يُنتزع من غرف نومنا؟ أيّ وقف لإطلاق النار وما زال العدو يحتلّ قرانا الحدودية؟

لم يبقَ لي سوى تلك الحقيبة الصغيرة

دائمًا كنّا نكرّر: “سنعود من أجل الأشياء التي لا تتّسع في الحقيبة”. حتى فقدنا هذه الأشياء. بيوتنا تهدّمت، والأشجار التي ربّيناها منذ كانت أغصانًا صغيرة: الخروب، والحور الفضي، والدفلى، والتوت، واللوز، والتين، والزيتون.

لأن دخولهم الممنهج إلى المكان وتخريبه، يحاول إعادة تشكيل ذاكرتنا الجماعية، وصور الأمكنة في أذهاننا، وترتيب القطع بما يتناسب مع رؤيتهم وأطماعهم.

كأنهم يريدوننا أن نتخلّى عن أمل العودة، وأن نصدّق أنه لم يبقَ لنا شيء في قرانا البعيدة. لكن وإن كان من الصعب ترميم الذاكرة كما نرمّم البيوت ونعيد إعمارها، ومن الصعب نسيان أنهم دخلوا البيوت وادّعوا روايتهم من داخلها، فإن ذلك يحتاج وقتًا أطول ليس إلا، وإيمانًا عميقًا، بأن الجذور لا تُقتلع، والإرادة لا تُسلب، والحقائب يتبدّل حجمها وشكلها، لكن الفكرة لا تتبدّل.

صورة من مقطع مصوّر تظهر دخول العدو الى الدار
بيت ليف حارة درب القوزح تاريخ 6 نيسان 2026 بعد انسحاب القوات الاسرائيلية منها.
حارة درب القوزح في بيت ليف بتاريخ 16 نيسان 2026 بعد تفخيخ البيوت وتفجيرها
الصورة التي ادّعى فيها العدو العثور على وسائل قتالية في المنزل
صورة تظهر جزء من البيت، والدوّارة، اشجار الدفلى والسمّاق والرمان
الطريق الخلفي الى البيت، يظهر فيه جزء من كرم الزيتون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى